يطرح المقال تحليلاً فكرياً وتربوياً مستلهماً من رؤية المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي حول الفطرة الإنسانية وما تختزنه العقول من طاقات ومعارف كامنة. ويستعرض المقال مفهوم دفائن العقول بوصفها ثروات معنوية أعظم من الكنوز المادية، محذراً من مأساة الجمود الفكري وانقضاء أعمار أعداد غفيرة دون استثمار طاقاتهم...
(دفائن العقول كالكنوز الثمينة، مثل الذهب والفضّة، بل هي أعظم من الكنوز)
سماحة المرجع الشيرازي
العقول البشرية تشبه الأوعيةَ العميقة التي تُكتنز في داخلها أثمن الدفائن المعنوية والواقعية، فهي مستودعٌ للطاقات المعرفية، والإبداعية، والأخلاقية، والمهارات الحياتية التي نُسجت في فطرة الإنسان وتجاربه، غير أن هذه الكنوز الثمينة ليست ظاهرة على السطح بطبيعتها، بل تظلّ محجوبة في الأغوار، تحيط بها حجب الغفلة أو الروتين، مما يجعلها بحاجة ماسة إلى الاستخراج، والتنقيب، والتنبيه المستمر.
وتتجلى أهمية الإثارة الفكرية والتوجيه الرشيد في كونهما القبس الذي يضيء ظلمات هذه الأوعية ويستحثّ طاقتها الكامنة كي تتحرك لتظهر وتتجسد في أفعال وأفكار نافعة، لكن رغم ذلك، ينكشف لنا جانبٌ مأساوي في الواقع الإنساني، حين نرى أعدادًا غفيرة من البشر تمرّ بهم محفزات الحياة وفرص الاستيقاظ، ويجتهد المصلحون والمفكرون في إثارة الدفائن المكنونة في عقولهم، لكنهم لا يستجيبون ولا يتحركون للاستفادة منها.
يعود ذلك إلى جمود الإرادة، أو ضعف القابلية للتعلم، أو وقوعهم في فخ التقليد والأوهام، ونتيجة لهذا الانغلاق الدائم، تنقضي أعمار هؤلاء وتطوى صفحات حياتهم، ثم يرحلون عن هذا العالم دون أن يحققوا أي ارتقاء حقيقي بأنفسهم، ودون أن يتيحوا للآخرين فرصة الأخذ بأيديهم نحو النهوض وتحريك نفائس الفكر داخل عقولهم وإظهاره للحياة والإنجاز؟
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها (من مهام الأنبياء والمؤمنين):
(العقول أوعية فيها دفائن معنوية وواقعية. وهذه الدفائن بحاجة إلى الاستخراج وإلى الإثارة والتنبيه والالتفات. ونرى كم من العقول في الناس لم توفّق لمن يثير لها الدفائن الموجودة فيها، فتنقضي حياتهم ويموتون بدون أن يكونوا قد ارتفعوا بأنفسهم، أو ارتفع بهم غيرهم).
إن إثارة دفائن العقول وإيقاظ مكامن الفطرة جهدٌ عظيم، لكنه لا يكفل وحده تحقق التوفيق، فالاستجابة تظل مشروطة بتهيؤ النفوس وسلامة القلوب، ويتبدى هذا المعنى بجلاء في سيرة سيد الأولين والآخرين، رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، الذي أوتي جوامع الكلم وكان أعظم المعلمين إثارةً لدفائن العقول واستخراجًا لمدفون الفطرة البشرية.
إطلاق العقول من أغلال الجهل
لقد قرع عليه الصلاة والسلام أبواب الأفكار، وأطلق العقول من أغلال الجهل، ودعا إلى التدبر والتبصر في كل حين، ورغم ذلك البلاغ المبين والأسلوب المعجز، لم يصل إلى مراتب الكمال والارتقاء من أصحابه إلا القليل، وهم الذين جمعوا بين الاستنارة بالهدى النبوي وبين التصدق بالعمل والصدق في التلقي.
أما البقية، فمنهم من وقف عند حدود الظاهر، ومنهم من قصرت به همته أو حال بينه وبين الانتهاض جمود العادة وصفات النفس، وهذا يدل على أن الحجة وإن بلغت أوج قوة الإثارة والبيان، فإن كنز العقل لا يؤتي أُكله إلا إذا اقترنت الإثارة بإرادة حرة واعتزام صادق على التزكية والترقي والمضي قُدُ في طريق الاستقامة والصلاح.
لهذا يقول سماحة المرجع الشيرازي:
(ليس كل من أثيرت دفائن عقله يوفّق. فسيّد الأولين والآخرين، مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، كان دائماً يثير دفائن العقول، ولكن لم يخرج من أصحابه إلاّ القليل منهم، أمثال أبي ذر وسلمان وعمار وخباب وعثمان بن مظعون وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأمثالهم).
ومن المسلمات المعروفة أنه يقع على عاتق العلماء، في أية مرتبة كانوا من العلم والمعرفة، واجبٌ أساسي لا يقتصر على نقل المعلومات وتكديسها، بل يتعداه إلى إثارة دفائن العقول لدى الأفراد، فهذه العقول تختزن في أطوائها كنوزاً ثمينة من الفكر والإبداع والفطرة السليمة.
إن دور العالم والراعي الفكري يشبه دور القائم على استخراج المعادن النفيسة من طبقات الأرض العميقة، إذ لا قيمة للكنز وهو مدفون في الظلمات، وإنما تظهر قيمته حين تُقرع أبواب الفكر بالأسئلة المحفزة واللفتات الدقيقة، وحين ينشط العلماء في تنبيه هذه الطاقات الروحية والعقلية، فإنهم يفتحون للمجتمع آفاقاً جديدة من النهوض والارتقاء.
فالإثارة المستمرة لدفائن العقول هي التي تحول الطاقة الكامنة في الإنسان إلى واقع عملي يثمر حكمة، وإبداعاً، وإصلاحاً، مما يضمن عدم ضياع هذه الثروات الإنسانية سدى.
حيث يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلا:
(ينبغي للعلماء، في أية مرتبة كانوا من العلم، أن يثيروا في الأفراد، دفائن العقول التي هي كالكنوز الثمينة، مثل الذهب والفضّة والأحجار الكريمة، بل هي أعظم من الكنوز، ومخزونة ومدفونة في عقول الناس، ويثيروا لهم دفائن عقولهم).
لا يقتصر واجب إثارة دفائن العقول على الفقهاء والعلماء وحدهم، بل هو مسؤولية إنسانية وأخلاقية تقع على عاتق الجميع دون استثناء، فكل فرد في أي موقع كان، يمتلك القدرة على ترك أثر إيجابي فيمن حوله، سواء كان ذلك في محيط الأقارب والمعارف، أو بين زملاء العمل وشركاء النشاط اليومي.
لابد من تحفيز العقول الخاملة
وتتحقق هذه الإثارة بالكلمة الطيبة والتشجيع المستمر، إذ إن الثناء الصادق وبث روح الأمل يفتحان مغاليق النفوس، ويستخرجان الطاقات الكامنة والمهارات المدفونة التي قد يجهلها أصحابها فإن دعم المحيطين وتحفيزهم يحول العقول الخاملة إلى طاقات مبدعة، مما يسهم في رفع كفاءة المجتمع بأكمله وإشاعة روح النمو والارتقاء المتبادل.
سماحة المرجع الشيرازي يقول حول هذه النقطة:
(يجب كفائياً على الجميع، حتى غير الفقهاء والعلماء أن يثيروا في الناس دفائن عقولهم، أي بكل الذين يلتقون بهم، سواء من أقاربهم ومعارفهم، أو ممن يعملون معهم، ويشتركون معهم في أي عمل. ويكون إثارة دفائن العقول، بالتشجيع والالتفات لذلك، حتى يوفّق من له القابلية من الأشخاص، بأنّ تكون الإثارة سبباً لموفقّيته للقابلية المكتنزة والمخزونة والمدفونة في عقله).
وهنا لابد من التذكير بأن إثارة دفائن العقول لدى كل من نلتقي بهم ونعيش معهم ليست مجرد مبادرة فردية، بل هي مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الفرد لتمتد إلى الإنسانية جمعاء، فعندما يسعى الجميع إلى استخراج الطاقات الكامنة والكنوز المعنوية في نفوس المحيطين بهم، ستتحول كل كلمة تشجيع وفكرة محفزة إلى شعلة تضيء دروب التفكير والإبداع.
إن تضافر هذه الجهود الصغيرة وتراكمها يشكل خطوات واسعة، كبيرة وعميقة، تُحدث تحولاً حقيقياً في وعي المجتمعات، فهذا الاستيقاظ الجمعي للعقول هو السبيل الأوحد لمواجهة التحديات الأكبر، والارتقاء بالفكر الإنساني دونما استثناء، وتحقيق نجاة العالم كله من ظلمات الجهل والركود صعودا إلى آفاق النهوض والسلام.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(إذن، على الجميع، أن يثيروا في كل من حولهم ومعهم، من مختلف الأفراد، دفائن عقولهم، حتى تكون هذه كلّها خطوات واسعة وكبيرة وعميقة في سبيل نجاة العالم كلّه، بهذه النسبة، من الويلات والمآسي التي يعيشها).
في المحصلة، تظل إثارة دفائن العقول الرسالةَ الأسمى والسبيل الأساس لنهضة الإنسان، وتشجيعه على استخراج الكنوز المعنوية الكامنة في كل نفس، فتضافر جهود الجميع - علماء ومربين وأفرادا- في التنبيه والتشجيع هو الكفيل بتثوير الطاقات وتحريك الفطرة، لأن صلاح العالم ونجاته مرهونان بيقظة هذه العقول، حتى لا تُطوى الأعمار دون ارتقاء.



اضف تعليق