تبحث السياسة الأميركية عن توازن يربط بين الحلفاء والخصوم، إذ يسهم وجود التهديد في تعزيز الحاجة إلى المظلة الأمنية الأميركية، وتقوية التحالفات، وتوسيع النفوذ السياسي والعسكري. ولا يعني ذلك أن واشنطن تصنع خصومها، بل إنها تستفيد من بيئة دولية تدفع الحلفاء إلى طلب الحماية، مع السعي إلى تقاسم الأعباء...
قد تبدو السياسة الخارجية، في صورتها المباشرة، صراعًا بين دول تبحث عن الحلفاء وتسعى إلى إضعاف الخصوم أو التخلص منهم، لكن التجربة التاريخية تكشف عن علاقة أكثر تعقيدًا؛ فالحليف لا يكتسب أهميته بمعزل عن التهديد الذي يحتاج إلى الحماية منه، والخصم لا يمثل عبئًا أمنيًا فقط، وإنما قد يؤدي وجوده إلى تقوية التحالفات وزيادة الطلب على الحماية وتوسيع النفوذ السياسي والعسكري للقوة التي تتولى قيادة تلك التحالفات. ومن هذه الزاوية يبرز سؤال يتجاوز الحرب والسلام إلى بنية النظام الدولي نفسه: هل تحتاج الولايات المتحدة إلى وجود خصومها، بطريقة غير مباشرة، بقدر حاجتها إلى حلفائها؟
لا يعني هذا السؤال أن واشنطن تصنع أعداءها عمدًا أو أنها تريد الحروب من أجل المحافظة على هيمنتها؛ فمثل هذا الاستنتاج التبسيطي يحول التحليل الاستراتيجي إلى تفسير مؤامراتي لا تساعد عليه الوقائع. القضية أعمق من ذلك: وجود التهديد يعيد تشكيل سلوك الدول، ويولد الحاجة إلى التحالف والحماية، وهذه الحاجة تمنح الولايات المتحدة، بما تمتلكه من قدرات عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية، موقعًا مركزيًا داخل شبكات الأمن الإقليمية والعالمية. ولذلك قد لا تكون النتيجة المثلى دائمًا القضاء الكامل على الخصم، بقدر ما تكون احتواءه وردعه ومنعه من قلب النظام القائم، مع المحافظة في الوقت نفسه على شبكة حلفاء تجد في العلاقة مع واشنطن قيمة يصعب الاستغناء عنها.
التحالف لا يولد في الفراغ
تبدأ المسألة من طبيعة التحالفات نفسها؛ فالدول لا تتحالف لمجرد التقارب السياسي، وإنما لأن بيئتها الأمنية تدفعها إلى البحث عن قوة إضافية تحميها من خطر لا تستطيع مواجهته منفردة. ويذهب ستيفن وولت في نظريته المعروفة بـ«توازن التهديد» إلى أن الدول لا تستجيب للقوة المجردة وحدها، وإنما لما تدركه من تهديد يتكون من حجم القوة، والقرب الجغرافي، والقدرات الهجومية، والنوايا المتصورة. وبذلك يصبح التهديد أحد أهم المحركات التي تدفع الدول إلى الاصطفاف وبناء التحالفات.
ومن هنا يمكن فهم أحد أسرار القوة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية؛ فالولايات المتحدة لم تبن نفوذها العالمي بالقواعد العسكرية أو التفوق الاقتصادي وحدهما، بل عبر شبكة واسعة من التحالفات التي جعلت أمن مناطق بعيدة جغرافيًا مرتبطًا بدرجات متفاوتة بالأمن الأميركي. وفي أوروبا أدى الخوف من الاتحاد السوفيتي إلى نشوء حلف شمال الأطلسي، وفي شرق آسيا ارتبط أمن اليابان وكوريا الجنوبية ودول أخرى بالمظلة الأميركية، بينما تشكل في الشرق الأوسط نمط أقل مؤسساتية وأكثر مرونة من الشراكات الأمنية، لكنه أدى الوظيفة نفسها تقريبًا: منع قوة إقليمية معادية من السيطرة على منطقة حيوية وإبقاء واشنطن داخل معادلة الأمن الإقليمي. ويشير تحليل حديث لمجلس العلاقات الخارجية إلى أن هذه الترتيبات كانت من الركائز التي سمحت للولايات المتحدة بمواجهة منافسيها بعيدًا عن أراضيها، وفي الوقت نفسه تعبئة قدرات حلفائها ضمن نظام أوسع تقوده هي.
بهذا المعنى لا يمكن دراسة الحليف والخصم باعتبارهما عنصرين منفصلين؛ لأن وجود أحدهما يعيد تعريف قيمة الآخر. فاليابان لا تنظر إلى التحالف مع الولايات المتحدة بالطريقة نفسها في بيئة آسيوية خالية من التنافس الاستراتيجي، وأوروبا لا تعطي الضمانة الأميركية الوزن نفسه في غياب خطر روسي، كما أن دول الخليج لا تنظر إلى القدرات الدفاعية والاستخباراتية الأميركية بالطريقة ذاتها لو لم تكن تواجه أخطارًا إقليمية تتجاوز قدرة الدولة المنفردة على احتوائها. ومن هنا تتشكل العلاقة الدائرية: الخصم ينتج تهديدًا، والتهديد ينتج حاجة إلى التحالف، والتحالف يمنح القوة الحامية نفوذًا أكبر، وهذا النفوذ يعيد بدوره تشكيل البيئة التي يتحرك فيها الخصم والحليف معًا.
من هزيمة الخصم إلى إدارة الخصومة
ثمة فرق مهم بين القضاء على الخصم وبين ردعه واحتوائه وإدارة العلاقة معه. فالحروب الكبرى قد تنتهي أحيانًا بهزيمة أحد الأطراف، لكن السياسات الدولية في معظم الأوقات لا تعمل وفق نموذج الحسم النهائي، لأن إنهاء نظام خصم أو تفكيك قوته لا يعني بالضرورة نهاية المشكلة. فقد يؤدي انهياره إلى فراغ أمني، أو صعود قوى أكثر اضطرابًا، أو تفكك دول، أو إعادة تشكيل التحالفات بطريقة لا تخدم الطرف المنتصر. وتجارب العقود الأخيرة تقدم أمثلة متعددة على أن إسقاط نظام سياسي أسهل من بناء نظام مستقر يحل محله، ولذلك أصبحت إدارة التهديد في كثير من الحالات أقل كلفة من محاولة إنهائه كليًا.
وتقدم استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026 مثالًا واضحًا على هذا المنطق في التعامل مع الصين. فالوثيقة لا تطرح هدفًا يتمثل في «القضاء» على القوة الصينية أو إخضاعها، بل تؤكد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى الهيمنة على الصين أو خنقها، وإنما إلى إقامة ظروف عسكرية تحول دون قدرة أي قوة، بما فيها الصين، على فرض هيمنتها على الولايات المتحدة أو حلفائها، والوصول إلى توازن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يسمح بالسلام والاستقرار. كما تجمع الاستراتيجية بين الردع وفتح قنوات الاتصال العسكري لتقليل مخاطر التصعيد وسوء التقدير.
هذا النموذج يكشف جوهرًا مهمًا في التفكير الاستراتيجي الأميركي: الخصم المقبول ليس الخصم الضعيف بالضرورة، بل الخصم الذي يمكن ردعه وإدخاله ضمن قواعد تمنعه من تغيير النظام بالقوة. ولذلك يصبح الهدف في حالات كثيرة تحويل المنافسة من خطر وجودي إلى علاقة قابلة للإدارة. ولا يعني ذلك أن واشنطن تريد استمرار الخصومة لذاتها، وإنما يعني أن السياسة الواقعية قد ترى في الاحتواء والاستقرار النسبي نتيجة أكثر قابلية للاستمرار من محاولة فرض نهاية تاريخية للصراع.
التهديد بوصفه موردًا استراتيجيًا
عادة ما يُنظر إلى التهديد باعتباره تكلفة: جيوش إضافية، إنفاق دفاعي أعلى، احتمالات حرب، خسائر اقتصادية، وتعقيدات سياسية. وهذا صحيح، لكنه لا يمثل الصورة كاملة؛ لأن التهديد قد يتحول أيضًا إلى مورد استراتيجي للقوة التي تستطيع توفير الحماية من ذلك التهديد. فحين تشعر مجموعة من الدول بالخطر ذاته، ترتفع حاجتها إلى تبادل المعلومات، والدفاع الجوي والصاروخي، والتدريب المشترك، والتوافق في التسليح، وترابط أنظمة القيادة والسيطرة، وفي النهاية تصبح العلاقة مع القوة القادرة على تقديم هذه المنظومة أكثر عمقًا من صفقة سلاح أو اتفاق سياسي مؤقت.
وهنا توجد إحدى أهم مزايا القوة الأميركية؛ فهي لا تبيع الأسلحة فقط، وإنما تقدم منظومة متكاملة يصعب استبدالها بسرعة: معلومات استخباراتية، أقمار صناعية، أنظمة إنذار مبكر، ذخائر متقدمة، صيانة، تدريب، قيادة وسيطرة، وقدرات بحرية وجوية، وشبكة واسعة من القواعد والتسهيلات اللوجستية. وكلما ازداد تعقيد التهديد، ازدادت قيمة هذه الشبكة، وأصبح الانتقال عنها أكثر صعوبة حتى بالنسبة إلى الدول التي تسعى إلى تنويع علاقاتها.
لذلك يمكن الحديث عن «رأس مال تحالفي» ينشأ من التهديد المشترك. لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخلق التهديد لكي تستثمر فيه، لكن وجود التهديد يمنح قدراتها قيمة سياسية إضافية؛ فالدولة التي يمكنها توفير الأمن لا تحصل فقط على عائد اقتصادي من بيع السلاح، وإنما تكتسب أيضًا قدرة على التأثير في قرارات حلفائها، والوصول إلى قواعدهم، وتنسيق خططهم العسكرية، وتعزيز حضورها في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن أراضيها.
المعضلة الأميركية: حليف قوي أم حليف محتاج؟
لكن النظام الأميركي يواجه هنا مفارقة عميقة. فمن جهة، تريد واشنطن من حلفائها أن يصبحوا أقوى ويتحملوا حصة أكبر من كلفة الدفاع؛ لأن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في تحمل العبء العسكري نفسه في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا في الوقت ذاته. ومن جهة ثانية، فإن زيادة استقلال الحلفاء الدفاعي قد تؤدي على المدى الطويل إلى تقليل اعتمادهم عليها، ومن ثم تقلص قدرتها على توجيه منظومة التحالف.
ولهذا جاءت استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 شديدة الوضوح في قضية تقاسم الأعباء. فهي تنتقد نموذج الحلفاء الذين تحولوا إلى ما تصفه الوثيقة عمليًا بـ«الاعتماديات» الأمنية، وتطالبهم بأن يصبحوا شركاء قادرين على تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم، بينما تعطي الولايات المتحدة أولوية أكبر للدفاع عن أراضيها وردع الصين. كما ترى الاستراتيجية أن شبكة التحالفات الأميركية الممتدة حول أوراسيا تمثل ميزة استراتيجية هائلة إذا استثمر الحلفاء قدراتهم الاقتصادية والعسكرية بصورة كافية.
المفارقة هنا أن نجاح هذه السياسة قد يولد تحديًا جديدًا. فإذا أصبحت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها بدرجة أكبر، والسعودية ودول الخليج أكثر تنوعًا في مصادر تسليحها، وتركيا أكثر اعتمادًا على صناعاتها العسكرية الوطنية، واليابان أكثر قدرة على بناء قوة ردع مستقلة، فإن الحلفاء يبقون شركاء لواشنطن لكنهم يصبحون أقل حاجة إليها. ولذلك تتحول المسألة من سؤال بسيط حول قوة الحلفاء إلى سؤال أكثر تعقيدًا حول درجة الاعتماد المتبادل التي تسمح للحليف بأن يكون قويًا بما يكفي لتحمل أعبائه، ولكن من دون أن تصبح البنية الأميركية للتحالف غير ضرورية.
إيران.. الخصم الذي عمّق الحاجة الخليجية إلى المظلة الأميركية
تقدم إيران الحالة الأكثر وضوحًا في الشرق الأوسط لفهم علاقة الخصم بالحليف. فمنذ عقود، شكّل البرنامج الصاروخي الإيراني وشبكة العلاقات الإقليمية وقدرات الحرب غير المتماثلة مصدر قلق لدول الخليج، وأصبحت مواجهة هذه الأخطار أحد المبررات الرئيسية للتعاون الدفاعي بينها وبين الولايات المتحدة. لكن أحداث 2026 أظهرت في الوقت نفسه مدى تعقيد هذه المعادلة؛ إذ لم تعد واشنطن تُرى فقط بوصفها مصدرًا للحماية، بل يمكن أن تصبح سياساتها نفسها مصدرًا لمخاطر تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى التعامل معها.
يشير تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن احتمال اندلاع مواجهة مع إيران كان من العوامل التي دفعت السعودية سابقًا إلى السعي نحو علاقة دفاعية أكثر قوة ووضوحًا مع الولايات المتحدة، كما أن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة رفعت الحاجة إلى الدفاع الجوي المتقدم والاستخبارات والقدرات الأميركية التي يصعب على قوة أخرى توفيرها بالحجم والسرعة نفسيهما. وفي المقابل، ولّدت الحرب تساؤلات سعودية وخليجية بشأن ما إذا كان الارتباط الوثيق بواشنطن يقلل الأخطار فعلًا أم قد يزيد التعرض لها في بعض الظروف.
وهذه المفارقة تحديدًا تكشف وظيفة الخصم في بنية التحالف: كلما ازداد الخطر الإيراني ازدادت القيمة العسكرية للولايات المتحدة، لكن إذا ارتبط تصاعد الخطر نفسه بسياسات أميركية لا يشارك الحلفاء في صياغتها، فقد تنشأ لديهم دوافع لتقليل اعتمادهم على واشنطن. وبالتالي ليست العلاقة خطية؛ فالتهديد يقوي التحالف إلى نقطة معينة، لكنه إذا أصبح مفرطًا أو خرج عن السيطرة قد يدفع الحليف إلى البحث عن استقلال أكبر أو تنويع العلاقات.
السعودية والخليج.. من طلب الحماية إلى تنويع الخيارات
لهذا تبدو السعودية نموذجًا مهمًا للتحول الجاري في مفهوم التحالف. فهي لا تتجه إلى فك شراكتها مع الولايات المتحدة، لأن حجم التعاون الدفاعي والتكنولوجي والاقتصادي يجعل ذلك غير واقعي، لكنها في الوقت ذاته لا تريد العودة إلى نموذج الاعتماد الأحادي. وقد حصلت الرياض في السنوات الأخيرة على توسيع واضح للعلاقة الدفاعية مع واشنطن، فيما تشير تحليلات أميركية إلى أنها تسعى بالتوازي إلى بناء سياسة أكثر تنوعًا وعلاقات أوسع مع الصين ودول آسيوية وقوى أخرى، بما يعكس رغبتها في التحرك داخل نظام دولي متعدد المراكز بدل الارتهان لمسار واحد.
ولا يعني التنويع أن الصين تستطيع غدًا أن تحل محل الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني للخليج؛ فالقدرات العسكرية الأميركية والوجود العملياتي وشبكات الاستخبارات والتكامل التسليحي لا تزال أوسع بكثير. لكن الأهم أن دول الخليج أصبحت تنظر إلى الشراكة باعتبارها علاقة تفاوضية أكثر منها تبعية أمنية ثابتة. وهي تريد الاحتفاظ بالمظلة الأميركية مع تقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد الكامل عليها، ولذلك بات الأمن مرتبطًا أيضًا بالاستثمار في الصناعات الوطنية، والقدرات الذاتية، والتسويات الإقليمية، والعلاقات المتنوعة مع القوى الدولية.
وهكذا قد يؤدي استمرار الخصومة مع إيران إلى اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه: تعميق الحاجة العملياتية إلى أميركا، وتعميق الرغبة السياسية في ألا تكون أميركا الخيار الوحيد. وهذه الثنائية ستكون إحدى السمات الأساسية للنظام الإقليمي الجديد.
إسرائيل.. عندما يكون الحليف نفسه قوة إقليمية
إذا كانت إيران تشرح وظيفة الخصم، فإن إسرائيل تقدم نموذجًا مختلفًا لوظيفة الحليف. فالعلاقة الأميركية الإسرائيلية لا تقوم فقط على حماية واشنطن لدولة حليفة، وإنما على شراكة عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية عميقة، وقد رسخت مذكرة المساعدات الأميركية للفترة 2019–2028 تمويلًا عسكريًا ودفاعيًا كبيرًا لإسرائيل، فضلًا عن التعاون طويل الأمد في الدفاع الصاروخي والملفات العسكرية.
لكن إسرائيل تكشف أيضًا أن الحليف القوي قد يخلق مشكلات للقوة الراعية، لأن مصالح الطرفين لا تتطابق بالضرورة في كل حرب أو تفاوض أو تسوية. ولذلك تصبح وظيفة واشنطن مزدوجة: دعم الحليف والمحافظة على تفوقه وقدرته على الردع، وفي الوقت نفسه محاولة إدارة النتائج الإقليمية لسلوكه والحيلولة دون انتقال النزاعات إلى مستويات تهدد مصالح أميركية أخرى مع الدول العربية أو أسواق الطاقة أو الانتشار العسكري.
ويعني ذلك أن شبكة التحالف لا تقوم على معادلة بسيطة يكون فيها الخصم مشكلة والحليف حلًا؛ فقد يكون الحليف مصدر قوة ومصدر تعقيد في آن واحد، مثلما يمكن أن يكون الخصم مصدر خطر وفي الوقت نفسه عاملًا يزيد تماسك شبكة الحلفاء. وهنا تظهر الطبيعة الحقيقية لصناعة التوازن: إدارة العلاقات أهم من مجرد تصنيف الأطراف بين أصدقاء وأعداء.
تركيا.. الحليف الذي يريد الاستقلال داخل التحالف
تقدم تركيا اختبارًا مختلفًا تمامًا؛ فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك ثاني أكبر جيش تقليدي داخل الحلف من حيث الأفراد في السياقات التاريخية المعروفة، لكنها سعت خلال سنوات طويلة إلى توسيع قدرتها على اتخاذ قرارات خارجية لا تتطابق بالضرورة مع واشنطن. وقد ساعد نمو صناعاتها الدفاعية في زيادة هامش الحركة التركي، وإن كانت دراسات حديثة ترى أن هذه الصناعات لم تصل بعد إلى مستوى يسمح لأنقرة باستقلال استراتيجي كامل عن منظومتها الغربية.
وتشير دراسة حديثة لمعهد بروكينغز إلى أن تركيا تحاول الجمع بين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وعضويتها في الناتو، وبين التحوط من تقلب السياسة الأميركية وبناء قدرة أكبر على المناورة الإقليمية. والمفارقة أن التجربة التركية تؤكد أن الاستقلال عن واشنطن لا يعني بالضرورة الخروج من التحالف؛ فقد يصبح الحليف أكثر استقلالًا لكنه يواصل اعتبار الناتو والعلاقة مع أوروبا والولايات المتحدة عناصر ضرورية لأمنه.
وبذلك تقدم تركيا نموذجًا للحليف الذي يرفض أن تكون العلاقة الأمنية مرادفة للتبعية السياسية. وهذا الاتجاه مرشح للانتشار؛ فالدول الصاعدة داخل المنظومة الأميركية تريد الاستفادة من شبكتها الأمنية والتكنولوجية، لكنها تريد في الوقت ذاته المحافظة على حرية بناء علاقات مع قوى أخرى عندما تقتضي مصالحها ذلك.
روسيا.. الخصم الذي أعاد المعنى للتحالف الأطلسي
تكاد التجربة الأوروبية تقدم المثال الأكثر مباشرة على العلاقة بين الخصم وقيمة التحالف. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ظهر نقاش طويل حول وظيفة الناتو ومستقبله بعد اختفاء التهديد الذي أنشئ أساسًا لمواجهته، واضطر الحلف إلى توسيع أجندته نحو الإرهاب والأزمات الخارجية والتهديدات الجديدة. لكن الحرب الروسية على أوكرانيا أعادت الدفاع الإقليمي التقليدي إلى قلب وظيفة الناتو، وارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بصورة كبيرة.
وفي قمة أنقرة لعام 2026 أعاد الحلف التأكيد على الدفاع الجماعي في مواجهة ما وصفه بالتهديد الروسي طويل الأمد، وأشار إلى أن الحلفاء الأوروبيين وكندا رفعوا استثماراتهم في المتطلبات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار خلال عام 2025، بالتوازي مع خطط لزيادة التصنيع والمشتريات الدفاعية. كما أوضح الأمين العام للحلف أن الولايات المتحدة مطالبة بالتعامل مع مسارح متعددة، بما فيها المحيطان الهندي والهادئ، ولذلك يتعين على الأوروبيين تحمل حصة أكبر من مسؤولية الدفاع عن قارتهم.
وبذلك أعاد التهديد الروسي إنتاج الحاجة إلى التحالف، لكنه أنتج في الوقت نفسه اتجاهًا نحو زيادة القدرات الأوروبية. وهذه مفارقة مشابهة لما يحدث في مناطق أخرى: الخصم يقوي التحالف في المدى القصير، لكنه قد يدفع الحلفاء في المدى الطويل إلى بناء قدرات تجعلهم أقل اعتمادًا على القوة التي تقود التحالف. ومن هنا فإن التحدي الأميركي لا يقتصر على مواجهة روسيا، وإنما يشمل أيضًا إدارة أوروبا التي تصبح أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها.
الصين.. الخصم الذي يعيد رسم خريطة التحالفات الآسيوية
إذا كانت روسيا قد أعادت الحيوية للتحالف الأطلسي، فإن صعود الصين يعيد تشكيل شبكة التحالفات الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ على نطاق أوسع. وتضع استراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2026 الصين في مركز الاهتمام، لكنها تربط التعامل معها بمساهمة الحلفاء والشركاء، مؤكدة أن إقامة توازن مستقر في المنطقة لا يمكن أن يعتمد على القوة الأميركية منفردة.
وقد اتسع التعاون بين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند ضمن «الحوار الأمني الرباعي»، ليشمل الأمن البحري، وسلاسل الإمداد، والمعادن الحيوية، والتكنولوجيا، والطاقة، وتبادل المعلومات البحرية. وفي مايو 2026 أعلن وزراء خارجية الدول الأربع مبادرات جديدة لتعزيز المراقبة البحرية وبناء صورة عملياتية مشتركة في أجزاء من المنطقة، فيما استمرت اجتماعات المجموعة حتى سبتمبر 2026 لمتابعة التعاون العملي.
ومن غير الضروري اعتبار كل هذه التحركات تحالفًا ضد الصين بصورة مباشرة؛ فالهند مثلًا تحرص على استقلالها الاستراتيجي ولا ترغب في تحويل التعاون إلى التزام تحالفي جامد، لكن التنافس مع الصين يوفر بلا شك خلفية تفسر ازدياد التقارب الأمني بين دول كانت مصالحها وتقاليدها الاستراتيجية مختلفة. وهنا تتكرر المعادلة نفسها: صعود المنافس لا يضيف قوة إلى نفسه فقط؛ بل قد يدفع الأطراف القلقة منه إلى الاقتراب من بعضها ومن الولايات المتحدة.
بهذا المعنى يمكن أن يكون الخصم القوي سببًا في تماسك شبكة مقابلة له. وكلما ازدادت الضغوط الصينية في القضايا البحرية والاقتصادية والتكنولوجية، زادت دوافع دول آسيوية إلى بناء شبكات أوسع من التعاون، وهو ما يمنح واشنطن فرصًا استراتيجية لم تكن متاحة بالدرجة نفسها في بيئة خالية من المنافسة.
هل تريد واشنطن حلفاء أم تابعين؟
من السهل بعد ذلك القفز إلى استنتاج مفاده أن الولايات المتحدة تريد إبقاء حلفائها ضعفاء كي يظلوا محتاجين إليها، لكن الوقائع الحالية لا تدعم هذا التفسير بهذه البساطة. فالاستراتيجية الأميركية لعام 2026 تطالب الحلفاء صراحة بزيادة قوتهم وإنفاقهم وتحملهم للمسؤوليات، وهو ما يشير إلى إدراك واشنطن أن نموذج الاعتماد الكامل أصبح مكلفًا وغير قابل للاستمرار، خصوصًا إذا اضطرت إلى مواجهة تحديات متزامنة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
المشكلة الحقيقية ليست أن يصبح الحليف قويًا، وإنما في كيفية بقاء قوته متوافقة مع الشبكة الأميركية. فإذا زادت أوروبا إنفاقها الدفاعي ضمن الناتو، فإن ذلك يخفف العبء عن واشنطن ولا يقوض بالضرورة قيادتها؛ وإذا بنت اليابان قدرات أكبر بالتنسيق مع الولايات المتحدة فإنها تصبح شريكًا أكثر فاعلية في آسيا. لكن المعضلة تظهر عندما يقترن صعود الحليف ببناء خيارات سياسية وأمنية تقلل من مركزية الولايات المتحدة في قراراته.
ومن هنا يتغير مفهوم القيادة الأميركية من «الحماية مقابل الطاعة» إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على جعل الولايات المتحدة الشريك الذي يصعب الاستغناء عنه حتى عندما يصبح الحليف أكثر قدرة على حماية نفسه. وهذا يتطلب تفوقًا في التكنولوجيا والاستخبارات والتمويل والأسواق والتحالفات، وليس مجرد وجود عسكري مباشر.
الوجه الآخر للمعادلة: الخصوم قد يستنزفون القوة الأميركية
مع ذلك، سيكون من الخطأ تحويل الخصوم إلى أصل استراتيجي صافٍ للولايات المتحدة؛ لأن وجودهم يحمل تكاليف حقيقية يمكن أن تتجاوز الفوائد التي تولدها التحالفات. فالمنافسة المتزامنة مع الصين وروسيا وإيران وقوى أخرى تفرض ضغطًا على المخزونات العسكرية، والصناعة الدفاعية، والميزانيات، وتخلق مخاطر امتداد الصراع من مسرح إلى آخر. ولهذا تتحدث استراتيجية الدفاع الأميركية نفسها عن «مشكلة التزامن»، أي احتمال أن تتحرك عدة قوى معادية في مناطق مختلفة في الوقت ذاته، ما يجعل مساهمة الحلفاء ضرورة استراتيجية وليست مجرد مطلب مالي أميركي.
كما أن التهديد المفرط قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة للمطلوب. فالحليف الذي يشعر أن ارتباطه بواشنطن يجعله هدفًا لصراعات لا يختارها قد يبدأ البحث عن تسويات مباشرة مع الخصوم أو عن شراكات بديلة. وقد أظهرت تجربة الخليج في 2026 شيئًا من هذه المفارقة؛ إذ ارتفعت الحاجة إلى القدرات الأميركية بسبب الخطر الإيراني، بينما تصاعدت في الوقت ذاته الأسئلة حول مخاطر الارتباط بخيارات عسكرية لا تتحكم دول الخليج في مسارها.
وبالتالي لا تكمن المهارة الاستراتيجية في وجود عدو دائم، وإنما في القدرة على إدارة مستوى التهديد بحيث يحافظ الردع على الأمن ولا تتحول المنافسة إلى حرب دائمة تستنزف الحامي والحليف معًا.
ماذا لو اختفى الخصم؟
تكشف تجربة ذهنية بسيطة حجم العلاقة بين الخصم وبنية التحالفات. ماذا سيحدث لو تحولت روسيا إلى دولة لا تمثل أي تهديد لأوروبا؟ ستبقى المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة والأوروبيين، لكن المبررات العسكرية للناتو ستواجه على الأرجح أسئلة مختلفة. وماذا لو اختفت المنافسة الاستراتيجية الصينية تمامًا؟ ستستمر المصالح الأميركية اليابانية والأسترالية، لكن دوافع التعاون الأمني المكثف في المحيطين الهندي والهادئ ستنخفض. وماذا لو نشأ شرق أوسط لا تواجه فيه دول الخليج أي تهديد إقليمي كبير؟ ستظل العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة مهمة، لكن الحاجة إلى آلاف الجنود والقواعد وأنظمة الدفاع الجوي والضمانات الأمنية ستكون أقل إلحاحًا.
وهذا لا يعني أن واشنطن تتمنى بقاء تلك الأخطار، وإنما يكشف حقيقة بنيوية: كلما انخفض مستوى التهديد، أصبح الحليف أكثر قدرة على إعادة تقييم حجم حاجته إلى القوة الحامية. ولهذا فإن اختفاء الخصم لا ينهي فقط علاقة الدولة به، وإنما يعيد أيضًا تعريف علاقة الحليف بالقوة التي كانت توفر له الحماية.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قدمت أوروبا مثالًا تاريخيًا على هذه الظاهرة؛ فلم يختف الناتو، لكنه اضطر إلى البحث عن أدوار جديدة وتبريرات جديدة، قبل أن تعيد عودة الخطر الروسي الدفاع الجماعي إلى صدارة أولوياته. وبالتالي فإن التهديد ليس مجرد قضية أمنية تقع خارج التحالف، وإنما أحد العناصر التي تمنح التحالف نفسه معنى ووظيفة واستمرارية.
واشنطن وصناعة التوازن
من هنا يمكن إعادة صياغة السؤال الأساسي. ليست المسألة أن الولايات المتحدة «تحتاج إلى أعداء» بالمعنى المباشر، وإنما أن نظام نفوذها العالمي يعمل بكفاءة أكبر عندما توجد دول تشعر بأن مصالحها الأمنية مهددة وتجد أن الارتباط بواشنطن يوفر لها حماية يصعب الحصول عليها منفردة. فالخصم يمنح التحالف سببًا، والحليف يمنح الولايات المتحدة قواعد وموارد وشرعية وانتشارًا، بينما تمنح الولايات المتحدة الحليف قدرات حماية وردع لا يستطيع إنتاجها وحده بالكلفة والسرعة نفسيهما.
لكن هذه المعادلة ليست ثابتة. فدول الخليج تبحث عن تنويع أكبر، وتركيا تريد استقلالًا أوسع، وأوروبا ترفع إنفاقها الدفاعي، ودول آسيا تبني قدراتها الوطنية والإقليمية بالتوازي مع علاقاتها الأميركية. ولذلك تدخل واشنطن مرحلة تختلف عن العقود السابقة: لم يعد السؤال كيف تحمي حلفاء يعتمدون عليها بالكامل، وإنما كيف تحافظ على مركزيتها داخل شبكة حلفاء أصبحوا أكثر قدرة وطموحًا واستقلالًا.
وهذا ربما يمثل التحول الأهم في النظام الدولي الجاري تشكله. ففي مرحلة القطبية الأحادية كانت الولايات المتحدة قادرة على توفير الأمن بينما يقبل عدد كبير من الحلفاء بدرجات متفاوتة من الاعتماد عليها؛ أما في النظام الأكثر تعددية، فإن الحلفاء يريدون الشراكة مع واشنطن من دون أن يجعلوا مستقبلهم رهينة لقرارها، والخصوم يسعون إلى بناء شبكاتهم الخاصة، بينما تحاول الولايات المتحدة تحويل شبكة تحالفاتها الواسعة إلى الميزة الاستراتيجية التي تعوض الانتشار المتزايد للقوة في العالم.
استنتاجات
1- الحليف والخصم عنصران مترابطان في بناء النفوذ الأميركي. لا يمكن تفسير شبكة التحالفات الأميركية من خلال العلاقات الثنائية وحدها؛ لأن جزءًا مهمًا من قيمتها ينشأ من التهديدات التي تسعى هذه التحالفات إلى مواجهتها. فالخصم يزيد الطلب على الحماية، والحماية تمنح واشنطن نفوذًا يتجاوز المجال العسكري إلى السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا.
2- الولايات المتحدة لا تحتاج إلى انتصار نهائي على كل خصم بقدر حاجتها إلى نظام يستطيع ردعه وإدارة سلوكه. وتظهر استراتيجية 2026 تجاه الصين بوضوح أن الهدف المعلن ليس القضاء على المنافس أو إخضاعه، وإنما منع الهيمنة والحفاظ على توازن يسمح للولايات المتحدة وحلفائها بحماية مصالحهم من دون الانزلاق الضروري إلى مواجهة شاملة.
3- أقوى التحالفات قد تحمل في داخلها بذرة استقلال الحلفاء. فحين يدفع التهديد دول أوروبا وآسيا والخليج إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وبناء صناعاتها وقدراتها الذاتية، فإنها تصبح أكثر قدرة على المشاركة في حماية النظام الذي تقوده واشنطن، لكنها تصبح في الوقت ذاته أقل اعتمادًا عليها، ما يخلق معضلة أميركية طويلة الأمد بين تقاسم الأعباء والمحافظة على مركزية القيادة.
4- إيران وروسيا والصين تؤدي كل منها وظيفة مختلفة في تشكيل شبكة العلاقات الأميركية. إيران تعزز الحاجة الخليجية إلى القدرات الدفاعية الأميركية لكنها تشجع أيضًا البحث عن التنويع؛ وروسيا أعادت الدفاع الجماعي إلى قلب الناتو ودفعت أوروبا إلى التسلح؛ بينما أسهم صعود الصين في توسيع شبكة تعاون آسيوية تربط الولايات المتحدة باليابان وأستراليا والهند وشركاء آخرين. وهذا يؤكد أن أثر الخصم لا يقاس فقط بما يملكه من قوة، بل بما يدفع الآخرين إلى فعله في مواجهته.
5- القوة الأميركية المستقبلية ستعتمد بدرجة متزايدة على قدرتها على جعل التحالف معها ذا قيمة حتى عندما يصبح الحلفاء أكثر استقلالًا. فمرحلة الحماية الأحادية تتراجع، بينما تتقدم مرحلة الشبكات والتحالفات المرنة وتقاسم الأعباء. وفي هذا السياق قد يكون السؤال الأهم في السياسة الدولية المقبلة ليس من هو حليف واشنطن ومن هو خصمها، وإنما: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تبقى العقدة المركزية التي تربط شبكة من القوى المتزايدة الاستقلال ببعضها؟
وبذلك يصبح الجواب عن سؤال المقال أكثر تركيبًا: الولايات المتحدة لا تحتاج إلى خصومها بالمعنى الذي تحتاج فيه إلى حلفائها، لكنها تستفيد استراتيجيًا من نظام دولي تجعل فيه التهديدات المشتركة حلفاءها أكثر تمسكًا بشبكات الأمن التي تقودها. ولهذا فإن وظيفة القوة الأميركية لم تعد مجرد الدفاع عن الحلفاء أو مواجهة الخصوم، بل إدارة العلاقة بين الخوف والحماية، وبين الاعتماد والاستقلال، وبين الردع والشراكة؛ وهي المعادلة التي تحدد إلى حد بعيد قدرة واشنطن على البقاء في مركز النظام الدولي المتغير.



اضف تعليق