العام الجديد وفرصة العمل الخالص لله

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

من الأفضل لكل إنسان أن يغيّر نفسه نحو الأحسن، ويستثمر البدايات الجديدة، ومنها بداية السنة الجديدة التي نبدأ يومها الأول، ويستغفر الله عن أعماله التي لم تنل حمد الله تعالى، وأن يفكر جدّيا ويلزم نفسه وشخصه لكي يبدأ بالعمل الخالص لله سبحانه، فهذا النوع من الأعمال هو الذي يفتح أبواب الرحمة...

(من فروع الاخلاص التوجّه الى الله سبحانه وتعالى في جميع العبادات والأزمات التي يمّر بها الإنسان)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

الإنسان بطبيعته يتلّهف للعمل، ويجعل بوصلته نحو الإعمال التي تنفعه غالبا، هذه طبيعة ترافق الإنسان منذ نشأته الأولى، ويقول العلماء المعنيون، إن العمل يحقّق ذات الإنسان، ويجعله يشعر بنوع من الاكتمال في هذه الدنيا، ومن لا يجد له عملا يبقى مشتت الفكر والبال، ولا يشعر بالاستقرار، وقد يصل في نهاية المطاف باللاجدوى، وبالشعور العدمي.

لذلك يبحث كل إنسان عن عمل يحقّق له ذاته، والأعمال منها ما يكون مادي بحت (مثل أعمال التجارة أو الصناعة أو البناء أو البيع والشراء وهكذا)، لكن هنالك أيضا أعمال ليست مادية، بل روحانية ومعنوية ومنها ما يدخل في إطار التوجيهات الدينية والأحكام الشرعية، لذا هنالك أقسام للأعمال، وفي كل الأحوال، حتى يضمن صالح أعماله، عليه أن يجعلها خالصة لله تعالى، حتى تعود عليه بالمنفعة من خلال ما يحصل عليه كأجر من الله تعالى.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في سلسلة نبراس المعرفة: محاضرة الإخلاص لله تعالى:

(الأعمال التي نقوم بها تتوزع على ثلاثة أقسام: قسم منها لغير الله تعالى، وقسم آخر لله ولغيره معاً، وقسم ثالث لله فقط. والأخير هو العمل الخالص الذي لا يشوبه شائبة).

ولابد لنا أولا أن نتعرف ونفهم حقيقة في غاية الأهمية تتعلق بما يميز العمل الخالص عن سواه، وهذا أمر مهم لكل إنسان حتى يعي ما يهدف إليه من نتائج أعماله، والتي يكون أفضلها هو العمل الخالص لله تعالى، ولذلك فإن ما يميّز العمل لله هو (أن لا يحمدك عليه أحد إلا الله سبحانه)، أما إذا حصلت على الحمد من غيره تعالى، فلن يكون هذا العمل خالصا لله.

بماذا يتميز العمل الخالص؟

هذه هي الميزة الأهم التي تميّز العامل الخالص للخالق سبحانه، وعلى كل إنسان أن يراعي ذلك ويفهمه جيدا، حتى تكون قضية العمل في الحياة واضحة له.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(لنتعرّف أولاً على حقيقة مهمّة، إنّ الذي يميّز العمل الخالص عن غيره هو أحاديث عديدة ومنها هذا الحديث الشريف الذي مضمونه إنّ (العمل الخالص هو العمل الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلاّ الله عزّ وجلّ)

وأيضا هنالك نقطة مهمة على الإنسان أن يعرفها، وهي أن الهدف أو الغاية من هذا العمل أو ذاك، يعرفها الله تعالى كونه بصير بالعباد، وبما تخفي سرائرهم، ونيّاتهم، من هنا يجب أن لا يقع الإنسان في خطأ الأعمال التي يظن بأنها مخفيّة عن الله تعالى، فهناك من يقوم بأعمال ليست صالحة، ويعتقد بأنها سوف تمرّ من غير حساب.

إن الله تعالى يعرف ما تضمره الصدور والسرائر ودواخل الناس، لهذا فهو سبحانه يعرف طبيعة عمل الإنسان، إن كان خالصا لله، أو غير ذلك، هنا على الإنسان أن يحتاط لهذا الأمر، وأن يدرك جيدا عواقب أعماله، ومن الأفضل له أن يجعل أعماله في إطار (العمل الخالص لله تعالى)، حتى يضمن الحمد من الخالق سبحانه وليس من المخلوق.

كما يشير سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في قوله:

(إن الله تعالى بصير بعباده وخبير بدقائق الأمور وبخفايا النيّات. فحينما يكون العمل لله تعالى فإنّ الله يبصر به، وإذا كان العمل لغيره وله تعالى معاً، فإنّ الله يبصر لذلك العمل أيضاً. وأما العمل لغير الله الذي ليس فيه إخلاص لله تعالى لا يؤجر عليه صاحبه، ويكون حسرةً عليه في دار الآخرة).

ولذلك لابد أن يدرك كل إنسان ماهيّة العمل الذي يقوم به، وكيف يتعاطى معه، وما هي العواقب التي تنتج عنه، وهل هو عمل صالح أم طالح، وعليه أن يعرف إذا كان الهدف من عمله رضوان الله تعالى، أم الحصول على قبول الناس وكسب تأييدهم، ففي مثل هذه الحالة يكون الهدف من هذا العمل إرضاء البشر والحصول على حمدهم وشكرهم ومكافأتهم.

وهنا يتساءل سماحة المرجع الشيرازي:

(هل يسعى الإنسان في عمله الى رضا الله تعالى وقبوله أم يسعى الى رضا الآخرين من دون الله؟)

ويظهر جليا هنا إن العمل الذي يجعله الإنسان تحت خدمة ومساعدة الآخرين، سوف يكون حاصلا على القبول الإلهي إذا لم ترافقه المنّة، والتكبر والتعالي على الآخرين، وقد يقوم بعض الناس بمثل هذه الأعمال والمساعدات من أجل هدف نفسي شخصي أو هدف اجتماعي. 

الفائزون في دار البقاء

فهناك من يساعد الآخرين كي يحصل على إشادة وحمدا من الناس حتى يعالج نقصا نفسيا في شخصيته، فيظن أنه كسب الناس حصرا وليس غيرهم عندما قام بأعمال المساعدة للمحتاجين، بينما يكمن الهدف الصحيح عندما يكون العمل لله تعالى وليس لإرضاء البشر.

بالطبع هناك أهداف متعددة لمن يقوم بقضاء حوائج الناس، ويساعدهم على تخفيف مصاعب الدنيا ومشاغلها، وليس من أجل إشباع رغبات وشهوات معينة، أو معالجة نقص نفسي معين، فمن يساعد الناس تحت ضغط الحالة النفسية المريضة، أو من أجل الحصول على مركز اجتماعي أو سياسي معين، فسوف يكون العمل لصالح نفسه هو ولا تعدّ مثل هذه الأعمال خالصة لله تعالى، لأنها حدثت تحت ضغط الشهوات والحالة النفسية.

لذلك يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(إذا قضى أحدهم حاجة مؤمن وسعى في أمور الآخرين وتواضع ولم يتكبّر وكان خلقه حسن، فلمن يقوم بذلك العمل الصالح؟ هل كان قيامه بهذه الأفعال الخيّرة لنفسه ولإشباع شهوته ورغباته النفسية، كي يمدحه الآخرون ويثنون عليه ويحترمونه؟ وهل هدف قضائه لحاجة المؤمن من أجل ذلك المؤمن أم يقضيها لكي يستغلّه في دور معيّن في المستقبل؟ فلنرَ ما هو الهدف من وراء ذلك؟).

لذلك من الأهمية بمكان أن يحصر الإنسان هدفه وغايته من الأعمال التي يقوم بها، أن تكون خالصة لله تعالى، ولا يختلف الأمر فيما إذا كانت هذه الأعمال روحية أو مادية، فالمهم في هذا الأمر أن تكون غاية جميع الأعمال هي الفوز بالرضوان الإلهي، حيث يُجزى الإنسان على عمله من الله تعالى، ولا يهدف إلى رضوان البشر وحمدهم.

ولو أخذنا الصلاة التي يؤديها العابد مثالا على العمل لله تعالى، فيجب أن تكون خالصة له سبحانه، وهذا يتطلّب التوجّه التام والخالص لله تعالى، حتى تكون صلاته مقبولة وتامة ومثابة أيضا، وهذا جلّ ما يتمناه العابد المصلي، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى إرادة حازمة، وإيمان لا يشوبه أية شوائب جانبية، فمن يتوجّه بأعماله لله عليه أن يكون واضحا ودقيقا في هذا الأمر.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:  

(من فروع الاخلاص التوجّه الى الله سبحانه وتعالى في جميع العبادات والمشاكل والأزمات التي يمّر بها الإنسان. فبمقدار ما يكون الإنسان متوجّهاً في أجزاء صلاته الى الله، بهذا المقدار تكون صلاته مقبولة ومسجّلة ويُثاب عليها).

الخلاصة، من الأفضل لكل إنسان أن يغيّر نفسه نحو الأحسن، ويستثمر البدايات الجديدة، ومنها بداية السنة الجديدة التي نبدأ يومها الأول، ويستغفر الله عن أعماله التي لم تنل حمد الله تعالى، وأن يفكر جدّيا ويلزم نفسه وشخصه لكي يبدأ بالعمل الخالص لله سبحانه، فهذا النوع من الأعمال هو الذي يفتح أبواب الرحمة الإلهية له ويجعله من الفائزين بدار البقاء.

اضف تعليق