امر الله الإنسان أن يتعامل بالعدل في مختلف المجالات والتعاملات، والتعامل وفق العدل يتبع للعقل الذي يدرك معيار العدل الضامن لحقوق الذات والآخر، وعدم التعدّي لخط العدل الذي يدركه عقل الإنسان، والمحدّد في الأحكام والتعاليم السماوية، بالإضافة إلى الرسل والأنبياء الذين وضحوا السبل المستقيمة التي يجب على الإنسان أن يلتزم بها...
(أمر الله تعالى الإنسان أن يتعامل بالعدل فيما أوكله إليه)
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله
غالبا ما يشبّه المهتمون بعلم الفلك والنظام الكوني بأن حركة الكون تقوم على نظام دقيق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكأنه من طراز خاص ومن صنع إلهي تكويني بالغ الدقة، لدرجة أن أي حالة اختلال ستؤدي إلى عواقب وخيمة، وكذلك حياة البشر والطبيعة أيضا تقوم على نظام وقانون لا يقبل التجاوز، فأي خلل في هذا النظام سيؤدي إلى اختلال حياة الإنسان.
الطبيعة أيضا لها معايير وقوانين ثابتة، وأي عبث أو تجاوز على هذا النظام من قبل البشر، سيؤدي ذلك إلى حدوث كوارث طبيعية خطيرة، كما نلاحظ في حدوث الزلازل والأعاصير وسواها من المخاطر، وهذا بطبيعة الحال يحدث نتيجة للعبث بالطبيعة من قبل الإنسان، والسبب هو التجاوز الحاصل على قوانين الطبيعة بحيث يحدث اختلال نتيجة لعدم تثبيت التوازن.
والتوازن هنا هو العدل، وأي إهمال أو اختراق للعدل في التعاملات المختلفة للإنسان هذا يعني حدوث اختلال يجعل الحياة مضطربة تسودها الفوضى ويعمّ فيها الظلم، مما ينعكس بشكل مباشر على حياة الناس وإن حدث اختلال في هذا النظام (نظام العدل) سوف يؤدي ذلك إلى فقدان الإنسان لقدراته الحسيّة والعقلية أيضا، كما أن هذا القانون لا ينطبق على حياة البشر بل يشمل جميع الكائنات المخلوقة والمقيمة في كوكب الأرض، وفي الكون كله.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في سلسلة نبراس المعرفة: محاضرة العدل في كل شيء:
(لولا العدل لما كانت الحياة قائمة ولحدث خلل في نظام وتركيبة الإنسان، ولما بصرت عيناه ولا سمعت إذنه ولا نطق لسانه ولا تحسّست حواسه. وهذا القانون لا يجري فقط في الإنسان، بل كذلك يجري في سائر الموجودات الأخرى التي تعيش علي سطح الكرة الأرضية، وفي داخل منظومة الكون الواسعة).
ويقدم سماحته مقاربة في هذا المجال، ويضرب لنا مثلا بالشمس، فهي كما هو متعارف علميا (كرة ضخمة) تحدث فيها انفجارات هائلة بالملايين، وهي لا تختلف عن الانفجارات البركانية، وكما هو معروف هناك مسافة ثابتة بين الشمس والأرض، وأي تغيير في هذه المسافة سوف تزداد حرارة الأرض أو تقل، وتبعا لهذا البعد والاقتراب يحدث الصيف الحار، وتعقبه الفصول الأخرى ومنها الشتاء البارد الذي يحدث عندما تبتعد الشمس قليلا عن الأرض.
شروط استدامة واستقامة الحياة
وحتى هذا التباعد والتقارب في المسافة الفاصلة بين الشمس والأرض، تكون ثابتة، ولو أنها ليست ثابتة، لاشتعلت الأرض بما فيها من مخلوقات، ولو أنها تباعدت أكثر من المقرر لها ضمن النظام الكوني لتحولت الأرض كلها إلى كتلة من جليد لا تصلح لعيش الإنسان أو غيره من الكائنات، وهذا الثبات المتوازن هو الذي يديم الحياة وفق ما عليها الآن.
لهذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(إن الشمس هي الكرة الضخمة التي تتفجّر فيها ملايين الانفجارات البركانية، إذا لم تكن متعادلة في منظومتها وفي قربها وبعدها لاحترق الأخضر واليابس اذا اقتربت، ولتجمّدت الأرض إذا ابتعدت عن أرضنا كما ورد في الروايات الشريفة، وهذا أمر مسلّم به في مباحث التكوين).
إن التكوين قائم على العدل والتوازن، وأي اختلال في هذه المعادلة سوف تجعل الجميع في حالة من الاضطراب والفوضى، سواء بالنسبة للكون وحركته الدقيقة الأزلية الثابتة، أو الطبيعة والأرض والإنسان والمخلوقات الأخرى، لهذا فإن العدل أساس كل شيء منتظم، وحدوث الاختلال في العدل لأي سبب كان يعني بالنتيجة تدمير لحياة الإنسان.
وفي مثال آخر نجد أن الماء إذا كان أثقل من الشيء الذي يستقر فوقه فإنه سوف يطفو ويحمله الماس على سطحه، وفي حال حدوث العكس إذا كان الشيء أثقل من الماء فإنه سوف يغرق نحو القعر، هذه المعادلة الإلهي في النظام التكويني هي التي مكنت الإنسان من استثمار البحار والأنهار في المواصلات البحرية التي تشكل شريانا أساسيا في النقل العالمي.
وهذا ما يؤكده سماحة المرجع الشيرازي في قوله:
(إذن التكوين أمر قائم على العدل والتعادل كلّ حسب حجمه وارتباطه بسائر الموجودات الأخرى، فالله تعالى أعطى القدرة للماء ومنحه حمل الأشياء التي يخفّ وزنها عنه بحيث إنّ اي جسم صغيراً كان أم كبيراً إذا وضع على وجه هذا الماء سواء وُضِع في إناء أو وُضِعَ في بحيرة أو محيط كبير، إذا كان حجم ذلك الشيء أثقل من الماء لا يطفو عليه بل ينزل إلى قعره، أما إذا كان وزنه أخف من حجم الماء يعوم عليه ويطفو).
ولكن في حالة حدوث أي تغيير في قانون التعادل (التوازن) والعدل، فإن الكوارث الطبيعية سوف تحدث على نحو هائل ومدمِّر، لهذا فإن أي عمل مضاد لمعادلة العدل والتعادل في الحياة والطبيعة والكون، تعني بالنتيجة وقوع اضطرابات كونية وكوارث طبيعية تكون سببا في تدمير الإنسان وممتلكاته، وتدمير المخلوقات الأخرى.
لا تفعل شيئاً إلاّ بالعدل
ويُراد من هذا التحذير (الذي جربه الإنسان قديما وحاضرا)، أن يتنبّه البشر إلى التعامل مع الكون والطبيعة، ومع الذات البشرية وعلاقاتها المتشعبة بنوع من التعادل والعدل، بحيث لا تكون هنالك ثغرات تسمح بفقدان حالة التوازان التي يصنعها النظام التكويني الإلهي، حتى يتجنب البشر حدوث الكوارث والحرائق والبراكين والأعاصير والزلازل وسواها.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(إذا اختلّ النظام الكوني وقعت الكوارث الطبيعية. فالزلازل الذي تحدث والسيول التي تقع والأمطار الغزيرة التي تهطل والغابات التي تحترق، هذه كلّها تجري لأنّ قانون التعادل والعدل يتغيّر).
من هنا جاء الأمر الإلهي للإنسان بالتعامل وفق العدل في أي شيء كان، وفي جميع تعاملاته الحياتية، لأن أي انتقاص من النظام العادل في التعاملات، سوف يكون عاملا مساعدا على حالات الاختلال وبالتالي حدوث الفوضى والتصادم والصراعات التي تعني فيما تعنيه بأن الإنسان اخذ يوغل في إهمال العدل، ولم يتخذ من التوازن والتعادل نظاما في حياته.
لذلك امر الله الإنسان أن يتعامل بالعدل في مختلف المجالات والتعاملات، والتعامل وفق العدل يتبع للعقل الذي يدرك معيار العدل الضامن لحقوق الذات والآخر، وعدم التعدّي لخط العدل الذي يدركه عقل الإنسان، والمحدّد في الأحكام والتعاليم السماوية، بالإضافة إلى الرسل والأنبياء الذين وضحوا السبل المستقيمة التي يجب على الإنسان أن يلتزم بها، وكذلك هنالك دور معروف للأعراف الجيدة والقوانين أيضا.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(ولهذا أمر الله تعالى الإنسان أن يتعامل بالعدل فيما أوكله إليه: (الله يأمر بالعدل). وهذا الأمر بالعدل يجري فيما جعله الله تعالى تحت تصرّف واختيار الإنسان، فأمره عندما يتكلّم أن يتكلّم بالعدل، وهذا العدل يجري بمقياس العقل الذي ألهمه إليه وفهّمه به من خلال العقل والكتب السماوية والانبياء).
وهذا النظام القائم على العدل، يحتّم على الإنسان أن يتعامل بالعدل في كل شيء، حتى نظرة العين للآخر يجب أن تكون محسوبة، وقائمة على الرحمة وعدم التخويف أو الاستفزاز، فلا يجوز النظر بقسوة إلى إنسان آخر، لأن النتيجة سوف تجعله خائفا أو مرتبكا أو ضعيفا، وهذه ارتدادات تنعكس على طبيعة الحياة وتوازنها.
كذلك استخدام اللسان، يجب أن يكون ضمن العدل والتعادل، ومن ثم الرحمة والأسلوب الناعم الذي يقوم على التعامل العادل، وينسحب هذا على السمع أيضا، بحيث لا يستخدم الإنسان سمعه فيما يضر الآخرين، كالاستماع إلى النميمة وما شاكل ذلك.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(لا يجوز للإنسان أن ينظر إلى غيره بنظرة قاسية لا يستحقّها ولا أن يصيح في وجه من لا يستحقّ المؤاخذة، لأنّه يجب استعمال اللسان في العدل واستعمال النظر في العدل واستعمال السمع في العدل).
نستشف مما سبق قوله، بأن الله سبحانه وتعالى وهب الإنسان والكائنات الأخرى، نظاما تكوينيا يقوم على العدل والتعادل، أي على التوازن الدقيق، فلا يصح للإنسان أن يغمط حق الآخر، ولا التجاوز عليه من دون وجه حق، والشيء نفسه ينطبق على تعامل الإنسان مع الطبيعة، وفي كل شيء، حتى تتجنب البشرية كلها انعكاسات وتداعيات عدم الالتزام بالنظام التكويني، وهذا يؤكد أهمية أن يكون الإنسان عادلا معتدلا في كل شيء.



اضف تعليق