إسلاميات - المرجع الشيرازي

شتّان بين الإساءة والإحسان

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(إنّ كان أحدهم قد أساء إليك، وابتلي بمشكلة وكان حلّها بيدك، فأحسن إليه)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

يتوّزع الإنسان بين أمرين أو بين جانبين، الإساءة والإحسان، ولكل من هاتين الحالتين أسبابها، فحين يُحسن الإنسان في أفعاله وأقواله للآخرين، فإنه إنما يحسن لنفسه أولا، وإن أساء التصرف معهم، فإنما يسيء لنفسه، فمن يزعج الناس، ويتجاوز عليهم بأية نسبة كانت يكون خاطئا في حقّهم، وهو بذلك يكون منبوذا عندهم ويخسر مكانته بينهم.

لماذا يسيء الإنسان لغيره وما هي الأسباب التي تدفعه لفعل ذلك؟، هناك سبب تكويني يكمن في النفس، فهي ميّالة إلى الإساءة، بسبب دفعها واندفاعها نحو تحصيل الملذات على حساب غيرها، فالنفس أمّارة بالسوء، وهو طبع يطبع النفس غالبا، وما على الإنسان إلا التنبّه إلى هذه الخاصيّة المسيئة ومكافحتها، بتحصيل العكس تماما.

من الجدير بكل شخص أن يفهم نفسه جيدا، ومن ثم أن يعرف كيف يتعامل معها، وعليه أن يغترف بجدية وينهل من الأخلاق الحسنة، ومن المبادئ والقيم التي تسمو به فوق الصغائر، وعليه أن يترفع عن التعامل بالمثل في حال أساء له أحدهم، فرد الإساءة بالإساء قد يكون مبرّرا لكن رد الإساءة بالإحسان أفضل بكثير، لأن النتائج سوف تخلص إلى صنع إنسان ناجح، يُسهم بدوره في صنع مجتمع متميز وناجح أيضا.

إن ابتلاء الإنسان بمغريات الدنيا المادية (الأموال، السلطة، الجاه) وغير ذلك يعود إلى نفسه الباحثة دائما وبإلحاح عن هذه المغريات، لهذا أمام الإنسان طريقان، أما يجاري نفسه ويكون مقادا لها، أو الذهاب في طريق تقويم النفس، والكف عن المساوئ، وإصلاح نفسه إذا كانت تأمره بالإساءة للآخرين.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في إحدى كلماته التوجيهية القيّمة:

(تميل النفس في باطن الإنسان إلى المساوئ والذنوب: (إنّ النفس لأمّارة بالسوء). ولهذا تجد الإنسان دوماً مبتلياً بالنفس وأوامرها غير اللائقة، كالشهوات والغضب وحبّ الدنيا، والأمور الماديّة).

العقل هِبة الله للإنسان

من الهِبات التي وهبها الله تعالى للإنسان دون غيره من المخلوقات (العقل)، فهو يتميز به، وعلى ضوء هذه الميزة الكبرى ترتبت عليه أعباء كبيرة أيضا، فعلى الإنسان أن يستخدم عقله لموازنة كفّة النفس (الأمارة بالسوء)، وعليه أن يتجنب المساوئ بأقصى ما يتمكن من ذلك، ولابد له أن يسير في طريق الإحسان، ويتشبث بهذا الأسلوب في إدارة مسيرة حياته، وهو أسلوب التعامل (بالتي هي أحسن)، فالعقل مكّن الإنسان من معرفة الصحيح من الخطأ.

كذلك تمكن الإنسان بعقله من معرفة مكامن الخطر، وبإمكانه بالعقل أن يتجنب كل الأخطاء التي تقع في كائنات أخرى تفتقد لهبة العقل.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول: لقد (جعل الله تعالى للإنسان القدرة على تشخيص الصحيح والخطأ).

وحصل الإنسان على مزايا كثيرة، بسبب امتلاكه العقل، ومنها قدرته على قمع شهواته التي تدفعه إليها نفسه تحقيقا لرغباتها، ويكمن كل السوء في هذه الغايات التي غالبا ما تكون غير مشروعة، ومحرّمة شرعا، أو ممنوعة عرفيا وقانونيا، لهذا على الإنسان أن يدرّب نفسه على تطوير هذه المزايا الجيدة والابتعاد عن الإساءة للناس وللنفس على حدٍّ سواء.

التدريب على قمع النفس أمر متوافر، فيمكن لأي كان أن يتمسك بهذا الأسلوب الحياتي الذي يجنبه الوقوع في قبضة النفس، وحينئذ يكون منقادا لها ومنفّذا لما تطلبه وتريده، حتى لو كان يسبب إساءة لصاحبها، وإلى من تقع عليها نتائج الأفعال والسلوكيات غير المنضبطة، لكن حين يجبر الإنسان نفسه على الإحسان والصبر والحلم، ويدربها جيدا على ذلك، فإنها مع الزمن سوف تستجيب وتصبح أكثر طواعية لصاحبها الذي يقودها بدلا من أن تقوده.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

إنّ (من يقمع شهواته ونفسه الأمّارة بالسوء لمدّة شهر، ولا يعطي مجالاً للطغيان والتمرّد لها، فلا شكّ سيحكم زمام نفسه ويسيطر عليها، في باقي أشهر السنة، ويقودها نحو الأفضل. وهكذا شخص، يقال له اصطلاحاً، كبح جماح نفسه، وتقلّ ضغوطات الشهوات عليه. وهكذا شخص، إن ابتلي في وقت ما بنفسه وأوامرها، فسيتوب بكل سهولة بالتجائه إلى الله تعالى، ويحصل سريعاً على رضا الله جلّ وعلا).

هناك طرفان يشتركان في عملية الإساء والإحسان، فهناك شخص يسيء يقابله شخص يتلقى الإساءة، فإذا لم يستطع الإنسان كف نفسه عن الإساءة للآخر، فحريّ بالمقابل أو الآخر أن لا يكون مثل الذي أساء إليه، بل عليه أن يكون محسنا حتى لمن بادر بالإساءة، وهذا ما يسمى بردّ الإساءة بالإحسان، وهذه من أعظم الأعمال التي يتفوق فيها الإنسان على الطرف المسيء، ولهذا يُقال شتان بين الإساءة والإحسان.

كيف تتوقف سلسلة الإساءات؟

على الإنسان المقابل أن يصبر ويكون حليما في رد فعله، وعليه أن لا يتسرّع ويرد الإساءة بإساءة أخرى، لتقابلها إساءة جديدة، وهكذا يكون الطرفان في سلسلة من الإساءات التي لا تتوقف، فينتج عنها نزاعات وصراعات وكراهية لا حدود لها، لا يقتصر أثرها على المسيء والمُساء له، وإنما تتسلل إلى أفراد العائلة ومن ثم إلى المجتمع كلّه، من المهم جدا أن يكون الإنسان الذي يتعرض للإساءة حليما في سلوكه.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يوضح هذه النقطة فيقول:

(بعض الأحيان، لا حيلة للمرء أمام الصعوبات والأذى، ويصبر. ولكنه أحياناً يتمكّن ويستطيع أن يرّد الإهانة أو الظلم ويعاقب أصحابهما، ولكنه لا يفعل. فهنا تصرّفه سيكون أعلى من الصبر، ويسمّى بالحلم).

بل الأكثر من ذلك حتى لو ظلَّ أحدهم يسيء لك طوال عمره، ثم جاءتك الفرصة لترد الصاع صاعين له، فعليك أن تتمهّل وتتأنى وتكون أكثر حلما وحكمة في الإحسان له بدلا من الإساءة إليه كما أساء إليك، في هذه الحالة سوف تكون مختلفا عنه، ومتميزا عليه، وستكون الأعلى شأنا من في نظر الجميع.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): (إنّ كان أحدهم قد أساء إليك طول عمره، وابتلي بمشكلة وكان حلّها بيدك، فأحسن إليه).

يعيش الإنسان مرة واحدة، وعمرا قصيرا كأنه لحظة كما يبدو، لذا عليه أن يستفيد من هذا العمر أقصى ما يستطيع، وأفضل الاستفادة والاستثمار في العمر يمكن أن تتحقق في الإحسان للناس كبديل عن الإساءة لهم، ومن الأفضل أن لا ننشغل بأمور لا طائل ولا جدوى منها، ونشغل أنفسنا بالصراعات والنزاعات والإساءات التي تزيد المجتمع تخلفا وتعيق تقدمه، بسبب نشوب الخلافات التي تنتجها الإساءات المتبادَلة.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يؤكد على استثمار العمر بصورة صحيحة وجيدة فيقول:

(يجب عدم الغفلة عن فرصة العمر وعدم استثمارها في أعمال غير مفيدة ولا نفع فيها، كأن يشغل المرء نفسه وذهنه بأنّ فلان قد اتهمني، وآخر أهانني، وهلمّ جرّا. ففي الواقع، إنّ الذي يهينك أو يتّهمك وأمثالها من الإساءة، يزيدك أجراً وثواباً ولا ينقص منك شيئاً).

وأخيرا فإن الأمم التي تتطلع إلى التطور والارتقاء، لا تنشغل بكيفية رد الإساءة بمثلها، وينطبق هذا على الأفراد، فالإنسان الذي يميل إلى الإحسان، ويتخذ منه أسلوبا بحياته في التعامل مع الآخرين، يكون محطّ احترامهم وتقديرهم، وسوف يحقق النجاح في حياته، والفوز الأكبر أنه سوف يكون النموذج الأفضل لعائلته وأولاده، ولكل المحيطين به كونه اعتمد طريقة أو أسلوب الإحسان كبديل عن الإساءة.

اضف تعليق