السؤال الأخلاقي والسياسي يفرض نفسه: هل تُدار الدولة بروح عليّ أم باسمه فقط؟ حين تتراكم الأزمات، وتتعثر الخدمات، وتُهدر الثروات، وتضعف المحاسبة، تتسع المسافة بين الشعار والواقع. الانتساب إلى عليّ ليس لافتةً رمزية؛ إنه التزامٌ بمعايير: صيانة المال العام، تفعيل المساءلة، ترسيخ الكفاءة، حماية الكرامة الإنسانية، وتقديم المصلحة العامة...
في ذكرى استشهاد الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، لا نستحضر رجلًا من الماضي بقدر ما نستحضر معيارًا خالدًا للعدل والحكم الرشيد. كانت ضربته في محراب الكوفة فاجعة أمة، لكنها كانت أيضًا لحظةً كاشفة: كم هو مكلف أن يتمسك الحاكم بالحق حين تتكالب المصالح، وكم هو ثقيل أن تُدار الدولة بميزان الضمير لا بميزان الغنيمة.
عليّ (عليه السلام) لم يكن زعيمًا عابرًا في تاريخ السياسة، بل مدرسة في فلسفة السلطة. رأى الحكم تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية لا امتيازًا. عاش كما يعيش الناس، وأراد للدولة أن تكون بيتًا للعدالة لا مخزنًا للنفوذ. قال كلمته التي تختصر أخلاقيات الحكم:
"أأقنعُ من نفسي بأن يُقال أمير المؤمنين، ولا أُشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟".
فجعل من المشاركة في آلام الناس شرطًا لشرعية القيادة، ومن التواضع سياجًا للسلطة.
دولة العدالة لا دولة الامتياز
في دولته، لم تكن الخزينة العامة غنيمة، ولا المنصب مكافأة ولاء. كان المال العام حقًا للناس، والعدالة ميزانًا لا يُستثنى منه أحد. قال بصرامة الدولة العادلة:
"والله لو وجدتُه قد تُزوِّج به النساء ومُلِكَ به الإماء لَرَدَدْتُه، فإنَّ في العدل سَعَة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق".
هنا يتجلى منطق الحكم: لا حصانات تُعطِّل الاسترداد، ولا اعتبارات سياسية تُعطِّل المساءلة. العدل ليس شعارًا؛ إنه إجراء.
أخلاقيات الإدارة: الكفاءة قبل القرب
أرسى عليّ (عليه السلام) معيارًا واضحًا لإدارة الدولة: "استعملهم اختبارًا، ولا تُولِّهم محاباةً وأثرة، فإنهما جماعٌ من شُعَب الجور والخيانة".
الكفاءة أساس التعيين، والنزاهة شرط الاستمرار. الدولة ليست شبكة علاقات؛ إنها منظومة مؤسسات. بهذا الفهم، تُبنى الإدارة العامة على الجدارة، ويُغلق الباب أمام الزبائنية والمحاصصة.
العدالة الاجتماعية: السياسة حين تُنصت للفقراء
لم يكن الزهد عند عليّ (عليه السلام) خيارًا شخصيًا فحسب، بل موقفًا سياسيًا يضبط سلوك الحاكم. قال: " إنَّ الله فرض على أئمّة العدل أن يُقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيّغ بالفقير فقرُه".
فجعل من الإحساس بمعاناة الناس شرطًا أخلاقيًا للحكم. العدالة الاجتماعية ليست بندًا في خطاب؛ إنها بوصلة القرار.
حين يُستحضر الاسم وتُغيَّب القيم
اليوم، يكثر استدعاء اسم عليّ (عليه السلام) في الخطابات والمناسبات، وتُرفع رايات الانتساب إلى مدرسته. غير أن السؤال الأخلاقي والسياسي يفرض نفسه: هل تُدار الدولة بروح عليّ أم باسمه فقط؟
حين تتراكم الأزمات، وتتعثر الخدمات، وتُهدر الثروات، وتضعف المحاسبة، تتسع المسافة بين الشعار والواقع. الانتساب إلى عليّ ليس لافتةً رمزية؛ إنه التزامٌ بمعايير: صيانة المال العام، تفعيل المساءلة، ترسيخ الكفاءة، حماية الكرامة الإنسانية، وتقديم المصلحة العامة على منطق الغنيمة.
دولة المؤسسات أم دولة المحاصصة؟
فلسفة عليّ في الحكم تقوم على دولة المؤسسات: قرارٌ منضبط بالقانون، إدارةٌ بالكفاءة، رقابةٌ بالمحاسبة. أما حين تتحول الدولة إلى ميدان محاصصات، وتتقدم الولاءات على الجدارة، ويُستبدل التخطيط بالمساومات، تُفرَّغ السياسة من معناها، وتغدو السلطة إدارة أزمات لا صناعة حلول.
قال عليّ (عليه السلام) محذرًا من فساد المشورة:" ولا تُدخلنَّ في مشورتك بخيلًا يعدل بك عن الفضل، ولا جبانًا يضعفك عن الأمور، ولا حريصًا يزيّن لك الشره بالجور".
إنها قواعد حوكمة قبل أن تُولد مفاهيم الحوكمة الحديثة: استقلال القرار، شجاعة الإصلاح، ونزاهة المستشار.
المشروعية بين القوة والعدل
الشرعية في فكر عليّ ليست تفويضًا بلا قيد، بل التزامًا بالعدل. قال: "العدل أساس الملك".
قاعدة بقاء الدول، لا عبارة تزيينية. حين يضيق العدل، تختنق الثقة، ويتآكل الرصيد الأخلاقي للسلطة.
دولة عليّ معيارٌ لا يُختزل
في ذكرى استشهاده، يتجدد السؤال: هل نستحضر عليًّا كضميرٍ للدولة أم كرمزٍ للخطابة؟
عليّ أكبر من أن يُستخدم لتجميل واقعٍ لا يشبهه. أين دولةُ عليٍّ من واقعٍ تُستنزَف فيه الدولة وتُستباح فيه القيم؟ أينها من مؤسساتٍ تُثقَل بالمحاصصة بدل الكفاءة، ومن مالٍ عامٍّ لا يُصان كما تُصان الأمانات، ومن إدارةٍ تُجامل الأقوياء وتُرهِق الضعفاء؟ دولةُ عليٍّ كانت عدلًا يُطمئن الناس، وزهدًا يردع الحاكم، ومساءلةً لا تستثني أحدًا؛ أمّا حين تُرفَع الرايات باسمه وتغيب روحه عن القرار، فذلك انفصالٌ بين الرمز والممارسة. ليس السؤال للتجريح، بل للمراجعة: إن كان الانتساب إلى نهجه صادقًا، فميزانه واضح، العدل قبل الولاء، الكفاءة قبل القرب، والحقّ فوق كل اعتبار...
دولة عليّ كانت ميزانًا للعدل.
أما دولة الغائبين عن نهجه، فترفع الاسم... وتُسقط المعنى.



اضف تعليق