إنَّ مَكانةَ الإمامِ عليٍّ في المَشروعِ النبويِّ تتجاوزُ حدودَ الصُّحبةِ لتصلَ إلى مَقامِ الشريكِ التاريخيِّ في بناءِ الأمة؛ فإذا كانَ النبيُّ قد أسَّسَ الرسالة، فإنَّ عليَّاً كانَ المُؤهلَ لتحويلِ تلكَ الرسالةِ إلى حَضارةٍ مَبنيَّةٍ على العَدل، مُجسِّداً الفكرةَ الكُبرى بأنَّ قُوةَ الأممِ لا تَقومُ على السُّلطةِ وحدَها، بل على قُدرتِها على جَعلِ القِيَمِ الأخلاقيةِ والعدالةِ الاجتماعيةِ أساساً لبنائِها التاريخي...
يمكن النظر إلى التجربة الإسلامية الأولى من زاوية تاريخية أعمق، فنرى أن المشروع الذي بدأه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مجرد رسالة دينية بالمعنى الضيق، بل كان مشروعاً تاريخياً كبيراً هدفه إنشاء أمة جديدة في التاريخ الإنساني. فقد جاء النبي برسالة التوحيد، لكنه في الوقت نفسه أسس مجتمعاً جديداً، وبنى دولة، ووضع منظومة قيمية وأخلاقية غيرت مسار المجتمع العربي وفتحت أمامه أفقاً حضارياً جديداً. وبهذا المعنى يمكن القول إن المشروع النبوي كان مشروعاً مركباً يجمع بين الرسالة الدينية وبين البناء التاريخي للأمة.
وإذا تأملنا هذا المشروع في سياقه التاريخي الواسع أمكن القول إنه يتكون من مرحلتين متكاملتين. المرحلة الأولى هي مرحلة تأسيس الرسالة، وهي المرحلة التي قام بها النبي نفسه، وفيها تشكلت العقيدة الإسلامية، ونزل القرآن الكريم، وتأسست الجماعة المؤمنة، وقامت الدولة في المدينة، وتحدد الاتجاه الحضاري العام للأمة. لقد كانت هذه المرحلة مرحلة التأسيس الكبرى التي وضعت الأسس العقدية والقيمية والسياسية للمجتمع الإسلامي الجديد.
لكن هذه المرحلة، على عظمتها، لم تكن تعني اكتمال بناء الأمة. فالأمم لا تُبنى في بضعة عقود، ولا تترسخ قيمها ومؤسساتها في زمن قصير. إن بناء الأمة عملية تاريخية طويلة ومعقدة تتطلب أجيالاً متعاقبة من العمل والبناء والتطوير. ولهذا كان المشروع الإسلامي بطبيعته مشروعاً مفتوحاً على مرحلة ثانية يمكن تسميتها مرحلة بناء الأمة.
في هذه المرحلة الثانية كان ينبغي تحويل الرسالة إلى حضارة، وترسيخ القيم الإسلامية في بنية المجتمع، وبناء مؤسسات الدولة على أساس العدالة، وتطوير التجربة السياسية والاجتماعية للأمة بحيث تصبح نموذجاً تاريخياً مستقراً وقادراً على الاستمرار. وهنا يبرز السؤال الكبير الذي واجه المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي: من هو الأقدر على قيادة هذه المرحلة الثانية من المشروع النبوي؟
إن قراءة النصوص النبوية المتعلقة بالإمام علي بن أبي طالب تشير بوضوح إلى أن موقعه في الإسلام يتجاوز حدود الصحبة العادية. فالحديث المعروف: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» لا يشير فقط إلى قرب الإمام علي من الرسول، بل يضعه في موقع خاص داخل المشروع النبوي نفسه. فمنزلة هارون من موسى لم تكن مجرد منزلة قرابة أو محبة شخصية، بل كانت منزلة المشاركة في حمل الرسالة وفي قيادة الجماعة المؤمنة وفي إدارة شؤون المجتمع الذي تشكل حول الرسالة.
وعندما ينقل النبي هذا المعنى إلى الإمام علي فإنه يشير إلى موقع استثنائي داخل التجربة الإسلامية. فالإمام علي لم يكن مجرد صحابي من الصحابة، بل كان أقرب الناس إلى النبي في المعرفة والوعي والالتصاق المباشر بالتجربة النبوية. ويأتي إلى جانب ذلك ما ورد في آية الولاية: «إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون»، وهي الآية التي ربط كثير من المفسرين سبب نزولها بالإمام علي، كما تأتي مجموعة كبيرة من الأحاديث النبوية التي تشير إلى قرب الإمام علي من مركز المعرفة النبوية، مثل حديث الغدير، وحديث الراية يوم خيبر، وحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها».
غير أن فهم مكانة الإمام علي لا ينبغي أن يقتصر على النصوص وحدها، بل يجب أن يُفهم أيضاً في ضوء موقعه داخل التجربة الإسلامية نفسها. فقد نشأ الإمام علي في بيت النبوة منذ طفولته، وتربى في مدرسة الرسالة مباشرة، وكان شاهداً على جميع مراحل الدعوة الإسلامية منذ بداياتها الأولى. ولذلك لم يكن علي مسلماً جاء إلى الإسلام بعد اكتماله، بل كان جزءاً من عملية التكوين الأولى للإسلام نفسه. لقد تشكل وعيه الديني والسياسي والأخلاقي داخل التجربة النبوية، وكان أقرب الناس إلى فهم روح الرسالة ومقاصدها.
ومن هنا يمكن القول إن الإمام علي كان يمثل الامتداد الطبيعي للمشروع النبوي بعد وفاة الرسول، لا بمعنى استمرار النبوة، فالنبوة ختمت بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما بمعنى استمرار المشروع الحضاري الذي بدأه النبي. لقد أسس النبي الأمة ووضع لها الأسس الكبرى، وكان الإمام علي الأقرب إلى مواصلة عملية بنائها وترسيخ قيمها في المجتمع.
لقد كانت الأمة الإسلامية عند وفاة النبي ما تزال في طور التكوين التاريخي. كانت العقيدة قد ترسخت، وكانت الدولة قد نشأت، لكن المجتمع ما يزال في مرحلة التحول من البنية القبلية القديمة إلى بنية الأمة الجديدة. وكانت القيم الإسلامية ما تزال في طور الترسخ في الحياة الاجتماعية والسياسية. ولذلك كانت الأمة بحاجة إلى قيادة تجمع بين الفهم العميق للرسالة والالتزام الصارم بالقيم والقدرة على إدارة الدولة.
وقد اجتمعت هذه العناصر الثلاثة في شخصية الإمام علي بصورة نادرة. فهو الأعلم بروح الإسلام ومقاصده، وهو الأشد تمسكاً بالعدالة والنزاهة، وهو في الوقت نفسه صاحب تجربة سياسية وعسكرية كبيرة في تثبيت الدولة الإسلامية في مراحلها الأولى. ولهذا يمكن القول إن المهمة التاريخية التي كان يمكن أن يقوم بها الإمام علي كانت مهمة مواصلة بناء الأمة الإسلامية على الأسس التي وضعها النبي.
وحين تولى الإمام علي الخلافة بعد سنوات من وفاة النبي حاول أن يعيد الدولة الإسلامية إلى روحها الأولى. فقد سعى إلى إقامة نظام سياسي يقوم على العدالة والمساواة وصيانة المال العام، وكان يرى أن الحكم ليس امتيازاً شخصياً بل مسؤولية أخلاقية. وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في مواقفه من إدارة الدولة، وفي حرصه الشديد على العدالة في توزيع الثروة، وفي رفضه إعطاء الامتيازات للطبقات النافذة، وفي تأكيده الدائم أن قيمة الحكم تكمن في خدمة الناس لا في السيطرة عليهم.
لكن الظروف التاريخية التي أحاطت بخلافته كانت شديدة التعقيد. فقد كانت الدولة الإسلامية قد اتسعت بسرعة كبيرة بفعل الفتوحات، وتدفقت الثروات إلى المجتمع الجديد، وظهرت مصالح سياسية واقتصادية متشابكة، كما ظهرت انقسامات داخل المجتمع الإسلامي نفسه. ولذلك وجد الإمام علي نفسه في مواجهة صراعات داخلية كبيرة أعاقت مشروعه الإصلاحي.
ومع ذلك فإن تجربة الإمام علي بقيت واحدة من أهم اللحظات في التاريخ الإسلامي، لأنها كشفت بوضوح عن النموذج الأخلاقي الذي يمكن أن تقوم عليه الدولة في الإسلام. فقد جسد الإمام علي فكرة أن الحكم في الإسلام يجب أن يقوم على العدل قبل القوة، وعلى القيم قبل المصالح، وعلى المسؤولية قبل الامتياز.
ولهذا فإن الإمام علي يمثل في التاريخ الإسلامي أكثر من مجرد خليفة أو قائد سياسي، إنه يمثل محاولة كبرى لتحويل الرسالة الإسلامية إلى حضارة قائمة على العدل. وإذا كان النبي محمد قد أسس الأمة الإسلامية ووضع لها الاتجاه الحضاري، فإن الإمام علي كان الأقرب إلى مواصلة هذا المشروع في التاريخ.
لكن بناء الأمم، كما تؤكد التجربة الإنسانية، عملية طويلة لا تكتمل في حياة فرد واحد، ولا حتى في حياة القادة العظام. ولهذا بقي مشروع بناء الأمة الإسلامية مفتوحاً عبر القرون. ومع ذلك فإن الإمام علي بقي رمزاً دائماً للطريق الذي يمكن أن تسلكه الأمة إذا أرادت أن تبني حضارتها على أساس القيم.
إن مشروع علي لم يكتمل في زمانه، لكنه بقي فكرة مفتوحة في التاريخ الإسلامي، فكرة تقول إن الرسالة لا تكتمل إلا ببناء الأمة، وأن بناء الأمة لا يقوم إلا على العدل والقيم.
ولهذا يظل الإمام علي واحداً من أعظم الرموز في التاريخ الإسلامي، لأنه جسد في حياته معنى التلازم بين الإيمان والعدل، وبين السلطة والمسؤولية الأخلاقية.
وإذا نظرنا إلى هذه التجربة من منظور أوسع، فإنها تكشف عن درس حضاري عميق: إن الرسالات العظيمة لا تُقاس فقط بلحظة التأسيس الأولى، بل أيضاً بقدرة المجتمعات التي تحملها على تحويل مبادئها إلى نظم عادلة في الحياة العامة. وفي هذا المعنى يمكن النظر إلى تجربة الإمام علي بوصفها واحدة من أوضح المحاولات في التاريخ الإسلامي لتحويل القيم التي جاء بها الوحي إلى نظام سياسي وأخلاقي يترجم تلك القيم في واقع المجتمع. ولهذا فإن استعادة تجربة الإمام علي اليوم ليست استعادة لماضٍ تاريخي فحسب، بل هي استعادة لفكرة حضارية كبرى تقول إن قوة الأمة لا تقوم على السلطة وحدها، بل على قدرتها على جعل العدل أساساً لبنائها التاريخي.



اضف تعليق