يتساءل كثير من المسلمين، بمختلف مستوياتهم وثقافاتهم، لماذا تنحدر المجتمعات الاسلامية نحو الفتن والصراعات الداخلية، فيما تتقدم مجتمعات ودول اخرى في مجالات الحياة كافة، كونها تضع الخلافات وحالات الاحتراب خلف ظهرها، ويتساءل آخرون لماذا يعيش الآخرون باجواء التعايش والتفاهم والتواؤم والسلام، ونحن ننشغل بالقتال وموجات التطرف والتعصب التي تحيلنا الى وقود للموت والحروب والاقتتال؟

هذه تساؤلات موجودة وقائمة على الارض، واسبابها موجودة فعلا في الدول والمجتمعات الاسلامية، اذا ما هو السبيل وكيف الخلاص من هذه الامراض المستعصية، لابد أن يكون هناك خلل في الافكار والعقول يؤدي الى تعميق حالات التطرف، ويدفع الجميع الى الاحتراب، لذلك لابد ان يصل المسلمون الى منظومة فكرية معتدلة تكون بمثابة الخلاص لهم من التعصب واثارة الفتن وتنشر بينهم روح التفاهم والاعتدال، بمعنى نحن نحتاج الى منظومة فكرية متوازنة تتسم بالاعتدال تنعكس على واقعنا الفعلي لكي نتخلص من التطرف وحدة التفكير والانفعال الذي لا يتمكن العقل من السيطرة عليه.

إننا في حقيقة الامر لم نبحث بجدية عن الفكر البديل للتعصب، ولم نتعب انفسنا بما يكفي لكي نصل الى الفكر المعتدل الذي يحد من حالات الاحتراب الاهلي في مجتمعاتنا، ولو أمعنا النظر بعمق في مبادئ الفكر الحسيني، لأصبحنا كمسلمين في غنى عن الفتن والتعصب وجميع حالات التطرف، وعندما نؤكد امكانية ان يكون الفكر الحسيني المعتدل بديلا لجميع الافكار المتطرفة، فإننا ننطلق من شخصية الامام الحسين عليه السلام اولا، كونه سبط الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وابن سيد البلغاء والحكماء علي بن ابي طالب عليه السلام، أي أن الامام الحسين نسغ عظيم من الدوحة المحمدية، من تلك الشجرة الانسانية العظيمة.

لذلك ما يطرحه الفكر الحسيني من مبادئ وحلول، تتواءم بشكل تام مع حاجة المسلمين للفكر البديل، لأن القيم التي يحملها الامام عليه السلام مستقاة من حاضنة اخلاقية انسانية عظيمة، مصدرها بيت النبوة وهم اعظم وانبل وارقى بؤرة يمكن ان يستقي منها الانسان مبادئه وقيمه التي يتحرك وينشط في الحياة بضوئها ووفقا لها، إن الفكر الحسيني الاسلامي إنساني التوجهات والمسارات، انه فكر يدعو الى السلام والتسامح والمحبة والتكافل، وفي الوقت نفسه يدعو الى الاعتدال والاعتداد بالنفس ومقارعة منابع الطغيان، لذلك هو فكر ينطوي على منظومة متوازنة تحفظ حرمة الانسان وقيمته وكرامته، وفي الوقت ذاته تحثه على نبذ الفتن ومنابع التطرف والاختلاف، وتطالبه بأهمية التقارب والتعاون والتكافل الذي يبعد الناس عن غائلة الجوع والحاجة.

وكلنا على علم كيف تصرّف الامام الحسين عليه السلام مع المعتدين عليه، وكلنا نعرف اخلاق الحسين عليه السلام وصحبه الاطهار في ساحة الحرب، إن الانسانية في ابلغ صورها واعظمها تظهر في ساحة الوغى عندما كان الحسين عليه السلام يرفع كفه الى السماء لكي يعي اعداؤه الخطأ الجسيم الذي يقترفونه بحق الاسلام والمسلمين، ولنا ان نتصور ماهية الفكر الذي يتركه لنا الامام الحسين عليه السلام وهو يدعو لاعدائه بسلامة السلوك مخافة العقوبة الالهية التي ستلحق بهم، أما أبوه أمير المؤمنين عليه السلام، فالتأريخ كتب موقفه العظيم مع قاتله، عندما طالب ابناءه أن يعاملوا ابن ملجم بالعدل ووفقا للقصاص الالهي، وهذه كما هو واضح قمة الاعتدال في التعامل مع اصعب الجرائم وأقساها وأشدها عنفا لأنها أدت الى أن يفقد الامام علي عليه السلام روحه الشريفة.

لذلك فإن القيم الفكرية للامام الحسين تنبع من فكر وسلوك ابيه الامام علي عليه السلام، والتي استقاها بدوره من رسولنا الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبهذا لابد أن يعي المسلمون عموما، أن خلاصهم من حالات الاحتراب والاقتتال والفتن، تكمن في عودتهم الى منابع الفكر الاسلامي الانساني المعتدل متمثلا بالفكر الحسيني، شكلا وقولا ومضمونا، وهو الفكر العظيم الذي يدعو جميع المسلمين الى الكف عن التعصّب، واتخاذ السلام منهجا للحياة، واعتماد مبادئ العدل والمساواة والتكافل والتشارك وبث روح العدالة والسمو على الصغائر، والتعاون والعمل الجماعي، وكل القيم التي تزيد من مكانة ورفعة الامة الاسلامية كلها.

وعندما يتحرك المسلمون في هذا الاتجاه، فهم يسحبون البساط من تحت المتربصين بهم اعدائهم المعروفين، أولئك الذين يصبّون الزيت على النار، ويبثون الفتن والخلافات بين المسلمين، ويحرضونهم على الاحتراب والاقتتال فيما بينهم، كما تفعل مخابرات الدول المعادية للاسلام، فعصابة داعش المتعصبة والخارجة على القيم الاسلامية، وغيرها من المنظمات المتطرفة التي تسمي نفسها (بالاسلامية)، هي صناعة مخابراتية للدول التي تعمل بالضد من وحدة المسلمين التي يخشونها، وبالضد من الفكر الحسيني الذي يشكل دعوة لوحدة المسلمين وزيادة ألفتهم، وتقاربهم، حتى يكونوا لحمةً واحدة متماسكة تعيد زمام المبادرة لامة الاسلام، وتجعلهم في مقدمة الامم بالعالم أجمع، كما كان عهدهم أبان قادة الاسلام العظام، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وامتداده في الحق والسمو، متمثلا بالامام علي بن ابي طالب عليه السلام.

اضف تعليق