قال الإطار التنسيقي لن تُشكل الحكومة من دوني وفعل، وبسبب هذا الرأي والثبات على الموقف، أصاب العراق نوع من الشلل النصفي السياسي ومنعه من التحرر والتقدم بشتى الاتجاهات، نعم هكذا كان يريد الإطار، وهذا ما لا يريده التيار برئاسة زعيمه السيد مقتدى الصدر، ولم يتبين فيما إذا كان التقارب الأخير تفاهم جديد ام استمرار للعناد المعهود.

لأول مرة منذ سنوات مرت على تغيير النظام في البلاد تصل العملية السياسية الى هذه المرحلة من الانغلاق الكلي، فلا تعد هنالك من جدوى للتباحث وتقديم الطروحات التي تذيب الجليد السياسي المتراكم وأحاط العلاقات التبادلية بين الشركاء والغرماء بنفس الآن.

ليس في كل الأمور تستطيع ان تفعل ما تتمناه، وإذا كنت زعيما سياسيا يبدو الامر أكثر صعوبة، فالأمر بحاجة الى تخطيط وتنسيق من نوع خاص، والسيد مقتدى الصدر ربما كان ذاهبا الى نحو طموح بعيد المنال، وكرس جميع ما لديه من خبرات ولم يعرف ما يدور في الخفايا كثيرا، وبناء على ذلك كان يقول ان العملية السياسية في العراق بحاجة الى انقاذ، ونحن من ينقذها، والمقصود بنحن هنا هو الكتلة الصدرية ومن يتحالف معها من بقية القوى الكردية والسنية.

وعلى غرار ذلك حصل ما لم يتوقعه أحد وبُنيت التحالفات مع السنة والكرد بالشكل الذي يريده الزعيم، الحالم بأغلبية برلمانية مريحة يمرر من خلالها حكومته المنشودة، والتي روج لها كثيرا ووضع ملامحها في الكثير من المواقف، بأنها لا شرقية ولا غربية، حكومة اغلبية وطنية، وفي العراق قد يكون من المستحيل تحقيق هذا المطلب بوجود القوى الدولية الفاعلة.

الاتصال الأخير الذي جرى بين الصدر والمالكي وتغريده رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، غيرت عناوين المرحلة القادمة، وخربطت الغزل كما في اللهجة الدارجة، فهي أعطت تصور واضح لا يقبل الشك، ان المرحلة القادمة ستأتي خالية من الوجوه القديمة ابتداء منه وغيره من الشخصيات على الأقل ما يتعل برئاسة مجلس الوزراء، وشرح بتغريده المهمة الأساسية التي قدم من اجلها وأتمها بسلام.

ما وصلت اليه العملية السياسية بقيادة الإطار يقودنا الى واحة من الحقائق لا يمكن إهمالها، لكن الحقيقة الأكثر وضوحا واستحقاقا للوقوف عندها هي ان القوى الدولية لا تزال هي الأداة الصانعة للداخل العراقي، ولا يحتاج ذلك الى العناء لإثبات من يضن ان ذلك مجرد ادعاء، ان وقوف الدم عن التدفق السياسي في عروق المؤسسات الحكومية، يعني ان الحياة تعطلت بصورة شبه كاملة، وبذا نكون امام معضلة لا يمكن تخطيها.

فالطريق المغلق قبل أيام تم إزالة بعض المعرقلات من اوسطه بما يسمح بتبادل الحوارات والنقاشات، اذ عادت الوفود تتجه صوب النجف التي بات ما يجري فيها اهم بكثر مما في مركز القرار بغداد، ويرجع ذلك بالطبع لثقل الكتلة الصدرية ووزنها في تشكيل الحكومة المقبلة.

الانفراج الأخير، هدم ما بناه المتحالفون مع الصدر، وهو في الأساس تحالف رخو قائم على المصلحة الآنية، وكان متوقعا لم يدم طويلا او لم يبصر النور، طالما الطرف الشيعي الأقوى غير راض عنه ويسعى لتفريقه، وبالفعل نجحت قوى الإطار بسحب البساط من تحته، والعودة بالعملية السياسية الى مربعها الأول والحديث عن ترشيحات متعددة لرئاسة الحكومة.

واخذت الأمور تزداد سوء مثلما في الأشهر الماضية، كاستهداف أربيل قبل ساعات الذي يحمل رسائل واضحة ومبطنة، ومن بين الواضحات ان العراق لا يزال هو ساحة لتصفية الحساب الدولي، شاءت القوى الداخلية ام ابت، وعلى الرغم من إعلان الحرس الثوري الإيراني تبني هذا الهجوم، يبقى تأثيره على المستوى الداخلي غير محدود.

القوى السياسية الناشئة في البلاد وعلى سبيل المثال المستقلة او التي تدعي الاستقلال، ارهقتنا واغرقتنا بالتصورات الخيالية والأفكار غير الواقعية، حتى عيشتنا بحالة من الارتياح من ان التغيير قادم لا محالة، وقد انتهى عصر التكتلات الحزبية الكبيرة وذاب دورها في تشكيل الحكومات، بينما الواقع الذي نمر فيه يختلف تماما عن التصورات السالفة.

الواقع الحقيقي والفعلي الذي نمر فيه ان القوى التقليدية المساهمة في الاحداث السياسية على مر ما يقرب من عقدين كاملين، لا تزال تتمتع بنفس القوة وربما ازدادت قوتها عبر الاندماج في المؤسسات الحكومية ومعرفة تفاصيلها وكيفية التلاعب والتحايل على المواد القانونية التي تعيق حركتها، فهي نفسها من تخطط وترسم السياسات المستقبلية وترفض التغيرات التي تسعى بعض الأطراف الى إدخالها كنوع من الإضافة التطويرية والتنويرية.

اضف تعليق