منذ بواكير أعمارنا، ونحن نطالع الصحف أو نقلّب بعض الأفكار البسيطة التي تناسب المراهقين، أو في بداية مرحلة الشباب، كنا نطرح بعض الأسئلة المباشرة على أنفسنا، ما هي أهدافنا في هذه الحياة، إنه سؤال واضح مُصاغ من كلمات لا تتجاوز أصابع الكف، لكنه في الحقيقة أهم سؤال يمكن أن يطرحه البشر على نفسه.

أما علاقة الوقت بتحديد الأهداف، فيكاد أن يكون أكثر أهمية من كل الأسئلة، فمن لا يحدد أهدافه مسبقا ويعرفها جيدا، سوف يضيع وقته هدرا، ويبقى في متاهة التوتر والانزعاج وربما القلق، والطامة الأكبر قد لا يعرف أن سبب توتره هو عدم معرفته لأهدافه، لذا من أهم أولويات الإنسان بغض النظر عن مؤهلاته أن يحدد أهدافه ويعرفها جيدا.

في كتابه إدارة الوقت يقول الدكتور نادر أحمد أبو شيخة: (ان وضع اهداف واضحة هي المقدمة الاولى لضبط توظيف الوقت المتاح. ومن خلال الاهداف يمكن للمرء أن يقيّم ما اذا كان نشاط معين يمثل توظيفا أحسن للوقت من غيره من الأنشطة، ومن خلال الاهداف كذلك يمكن وضع سلم للأولويات. وقديما قيل "عندما لا تعرف إلى أين تتجه فإن كل الطرق توصلك"). ويتضحّ هنا أن تحديد الأهداف هو الذي يساعد الإنسان على توظيف وقته بنجاح ودقة ودراية، كما أنه يصل إلى تلك الأهداف بالوقت المخصص وبلا توتر أو ضياع.

من الأمور المهمة في إدارة الوقت وضع الأولويات بالنسبة للأهداف، فأيها أهم من الآخر، وكم يستغرق إنجازه من الوقت، فإذا عرف المدير الموظف طبيعة هدفه، ومكانه أو مرتبته في ترتيب الأهداف من حيث الأهمية، فإنه سوف يقرر الوقت اللازم للإنجاز، وقد يكون هناك نسبة زيادة أو نقصان في الوقت المخصص، لكنها لن تكون نسبة كبيرة.

ماذا يحدث حين تعرف هدفك؟

لذلك هناك سؤال مهم يجب ان يطرحه المدير (والإنسان) على نفسه دائما، وهو كيف له ان يحقق الاستخدام الافضل للوقت المتاح؟، لاشك ان الاجابة عن ذلك تبدأ من الأهداف والنتائج المطلوبة، هنا يحدث التداخل الهام بين الأهداف والوقت، فحين تعرف هدفك سوف تعرف كم يلزمك من الوقت كي تنجزه، كذلك عليك أن تضع مرتبة لهذا الهدف بالإضافة إلى الوقت التقريبي للإنجاز، فهل هو هدفك الأول أم الثاني أم الثالث من حيث الأولوية والأهمية؟

فالهدف الأول يعني أنه الهدف الأهم وهذا يعني أن الوقت الذي يحتاجه المدير لإنجازه يختلف عن الهدف الخامس في ترتيب الأهداف مثلا، ولا علاقة لمقدار الوقت بتراتب الأهداف، فقد يحتاج الهدف الأول إلى وقت أقل من إنجاز الهدف الخامس، لكن المهم بالنسبة للمدير أنه عرف أهمية أهدافه ورتبها تبعاً لهذه الأهمية، ثم وضع سقفا وقتيا لكل هدف، وسوف تكون هذه التوقيتات متباينة من حيث الزيادة أو النقصان.

فائدة تحديد الأهداف وترتيبها تجعل المدير على دراية ووضوح بأولوية إنجازها، وسوف يعرف بدقة كيف يستخدم الوقت المخصص له، ويعطي لكل هدف ما يستحقه أو يتطلبه للإتمام، وهذا الوضوح في الترتيب والأولوية ووقت الإنجاز، يساعد المدير على النجاح في خططه، ويجعله أكثر سيطرة على وقته، ومن ثم يكون أكثر ثقة بنفسه، لأنه يكون بعيدا عن الفوضى ويعرف الطريق أو الاتجاه المحدد والواضح والدقيق الذي يوصله إلى هدفه.

كما أن المدير الذي يحدد الهدف ويضع له مرتبة أولوية، ويخصص له الوقت التقريبي اللازم، سوف يكون أكثر استقرارا واستمتاعا بحياته، لأنه يشعر بقيمة ما يقدمه من منجزات في عمله، وفي حياته، لدرجة أنه يشعر مع الانجاز العملي لأهدافه بسعادة ونوع من الفخر، بالإضافة إلى مهمة تحقيق الذات التي تُشعره بجدوى وجوده وأنه موجود في الحياة كشخص منتِج ويقدم لنفسه وللناس أهدافا واحتياجات تسد بعض الفراغات في حياتهم.

كيف تحقق ذاتك؟

لذلك بمجرد سحب يد هذا المدير أو ذاك، أو تهميش إنسان ما لأي سبب كان، وتعطيل دوره الهدفي، فإنه سرعان ما يشعر بأنه كائن فائض عن حاجة الناس والحياة، وبالتالي ينكمش على نفسه، ويضمر ويضعف ويتهالك بسبب انهاء دوره ومنعه من إنجاز أهداف يرغب بتحقيقها لكي تكون له قيمة وجودية تدعمه معنويا ونفسيا واعتباريا بين محيطه الاجتماعي والعائلي، فيكون في حال جيد ويستمتع بحياته بشكل مريح.

يقول الدكتور نادر أحمد أبو شيخة: الاهداف عنصر أساسي لتحقيق الاستقرار الشخصي والاستمتاع بقيمة الحياة. إذ دلت بعض الدراسات الغربية عن موت المديرين التنفيذيين الذين يتقاعدون في سن الخامسة والستين بعد ثمانية عشر شهرا من تقاعدهم، ذلك لأنهم يفقدون أهدافهم التي يعيشون لتحقيقها، وبالتالي يفقدون الأمل والاتجاه والقرار، فالحياة عندهم تصبح بلا قيمة ولا تستحق العيش).

هذا يعني أن كل إنسان بلا أهداف، فإن حياته مهددة بالخطر، أو أنه يتحول إلى صفر على الشمال، بلا قيمة وجودية، وقد تكون بعض الحيوانات أفضل مكانة منه مع أنها لا تشعر بما تقدمه من أعمال، كالحمير أو الخيول أو الجمال أو الكلاب البوليسية مثلا، حيث يتم تخصيص رواتب خيالية لبعض الكلاب لما تقدمه من جهود كبير في كشف المخدرات أو المتفجرات وسواها، في حين هناك بشر قد يتم تحييدهم إلى الهامش وإلغاء وجودهم بالكامل، وقد يكون هذا الإلغاء بفعل خارجي، لكن المفارقة أن هناك إلغاء ذاتي.

الإلغاء الذاتي يحدث حين لا يضع الإنسان أهدافا له في حياته، أو أنه لا يعرف ذلك، ومنهم يعرف ولا يريد أن يجهد نفسه، لكن في جميع الحالات، إذا فقد الإنسان أهدافه بفعل ذاتي أو خارجي، فإنه يفقد القدرة على الاستمتاع بالحياة، وبالتالي يشكل هذا درسا لمن يكون قادرا على الإنجاز، لكنه يفقد ذلك بسبب عدم تحديد أهدافه ووضع أولويات لها بتراتبية دقيقة تستثمر الوقت أفضل استثمار.

اضف تعليق