محمد رمضان فنان مصري، بدأ مشواره الفني ممثلا ذا حضور متميز، له كاريزما خاصة وأداء يذكّرنا بأداء الفنانين الكبار، من أمثال (عملاق الشاشة العربية/ أحمد زكي)، جسد محمد رمضان شخصية الشاب المصري (الأصيل، الخلوق الشريف)، الذي يقارع الظلم وينتصر للضعفاء والفقراء، ويواجه المتسلطين حتى لو كانت المخاطر التي يتعرّض لها كبيرة.

كنتُ شخصيا أتابع أعماله الدرامية (المسلسلات) وأفلامه، حيث كان الصراع بين الخير والشر بأوضح صوره، وكانت الأخلاق والمبادئ الشريفة هي التي تميّز هذه الأعمال، لاسيما ممثل البطولة (محمد رمضان)، الذي سرعان ما حقق من أخلال أعماله الجادة هذه، حضورا وشهرة يستحقها، وقلنا بأن جذور الفن في مصر لا تزال تورق وتثمر وتقدم الفنانين المتميزين الجادين والمنتصرين للخير والقيم الصالحة.

بَيْد أن الرياح سَرتْ بما لا تشتهي السفن، فالفنان الممثل الغيور الشاب (رمضان) الذي جسد صفات الشاب العربي الملتزم، المناصر للخير، سرعان ما غيّرته الشهرة والمال والأضواء التي أخذت تنسكب عليه من كل حدب وصوب، ويبدو أنه لم يتحمّل هذه الشهرة والأضواء التي كان يستحقها، فانجرف في طريق مغاير تماما، وأصبحت المبادئ والقيم التي بدأ مشواره الفني بها في خبر كان، ولم يعد يراها ولا يتذكرها في دوامة البذخ.

حتما هو يظن الآن بأنه يسير في الطريق الطبيعي للنجومية، وذلك بعد أن دخل مجال الغناء، وصارت الشخصية المصرية الشبابية التي جسدها بشموخ من مسميات الماضي، فلم يعد يعبأ بها وحتما هو نسي ملامحها وصفاتها، لاسيما بعد أن غمرته الأموال والعقود والحفلات (الغنائية) من أخمص قدميه حتى قمة رأسه، بالطبع أنا غير متحامل على (محمد رمضان)، لكن الأسف الذي أشعر به كبير على تغيير مساره الفني، وتفريطه بفرصة أن يصطف إلى جانب عمالقة فن التمثيل في مصر وسواها.

نسخة من مايكل جاكسون

السبب الذي قادني إلى كتابة هذه الكلمة، هو الحفل الغنائي الذي قدمّه (محمد رمضان) في بغداد قبل أيام، وكذلك ما قدمه في مصر خلال السنوات القليلة الماضية، الغريب أنه ركل التمثيل بقدميه، وتنكّر للأدوار الكبيرة التي قدمها، وشطب على الشخصية الشبابية (الصعيدية) والمصرية، وعلى تاريخه الفني الذي بدأ صحيحا، ثم انحرف انحرافا يتناقض كليا مع المؤشرات التي كانت تبشّر بخليفة العملاق (احمد زكي)، وبقية الفنانين الكبار.

بغداد لم تكن تنتظر من محمد رمضان هذه الإساءات التي طالت شخصه أولا وفنه وتاريخه، قبل أن تسيء لأحد غيره، لقد أساء هذا الشخص لنفسه وللفن ولبغداد أيضا، فبعد غياب طويل من الأشقاء الفنانين والمبدعين، وفي ظل ظروف عصيبة يعيشها العراق، لم نكن نتوقع أن (رمضان) يظهر بصدر وبطن عارٍ ليقدم مجموعة من الأغاني الصاخبة، تشبه المغني الأمريكي الراحل (مايكل جاكسن).

وإذا كان مايكل جاكسن قدم ما قدمه من فن في بيئة تتقبل ذلك، وتنظر إليه على أنه (فن من طراز خاص)، فإن محمد رمضان قدّم النسخة الأسوأ لجاكسن، وحاول أن يتشبث بأذياله ويقلد حركاته، لكنه ضاع في الهرج والمرج والصخب والأضواء، وتصور بأنه اعتلى قمة النجومية لأن هناك جمهورا يهتف باسمه ويغدق عليه بالعطايا، والتشجيع والصراخ، وما درى بأنه سقط في عيون جمهوره الذي كان يكن له الاحترام قبل السقوط في مستنقع الأضواء السطحية الصاخبة، فخسر فنه وشخصيته لكن ربح الأموال والشهرة.

بين الفكر الأصيل والفن الدخيل

ماذا كان يريد محمد رمضان مما قدمه في بغداد من حفلات شكلية صاخبة، وقبلها في مصر وسواها؟، هل كان يريد أن يصنع مجتمعا مثقفا، متطورا متقدما كالمجتمعات الغربية المتقدمة؟، وهل التقدم يحدث بهذه الطريقة وهذه الوسائل، أم أنه لم يكن يفكر بما يعكسه فنه على المجتمع لاسيما الشباب، وما كان يهمه حصد الأموال من حفلاته هذه، ولا تعنيه الأمور الأخرى؟، إذا كان من الفنيين الذين لا تعنيهم ثقافة وأخلاق المجتمع عليه أن يعلن ذلك، أما إذا كان هدفه المال والثروة فمن الأفضل له أن يعلن ذلك أيضا.

الأديب الروائي والمفكر يوسف زيدان سئل ذات يوم ليس ببعيد، عن أيهما يصنع المجتمعات المتطورة، الفكر والثقافة أم التفاهة و(الفن الهابط)، وهذا السؤال ليس له أي ارتباط بمحمد رمضان ولا بما قدمه في بغداد أو غيرها من مدن وبلدان، جاء هذا السؤال بعد أن قدم يوسف زيدان نشاطا ثقافيا سابقا أدبيا لم يحضره عدد كبير من الناس، في حين (على سبيل المثال) حضر لحفلة (رمضان) جمهور يُقدَّر بالآلاف، فكان السؤال أيهما أكثر تأثيرا في تغيير المجتمع الثقافة أم (الفن التافه)، فأجاب: النخب الفكرية والأدبية هي التي تؤثر في المجتمعات وتنهض بها من التخلف والجهل إلى التقدم والعلم.

لهذا حتى لو تكالب الآلاف من البشر على حفلات (محمد رمضان) ومن على شاكلته، فهذا لن يشكل معيارا أو مقياسا لتطور المجتمعات، بل كلّما كانت البهرجة الزائفة والصخب الأجوف حاضران بقوة، كان التخلف والجهل حاضرا بقوة أيضا، لذلك الثقافة لا تقوم على أكتاف الصخب والتفسخ وضرب القيم الاجتماعية والأخلاقية، فهذا النوع من النشاطات التافهة ليس له التأثير العميق بل هو يلامس العقول السطحية لا أكثر.

وإذا كان الإعلام والترويج وصفقات إحياء الحفلات وأساليب القائمين عليها، فعلت فعلها في ما حصل من صفقات فنية مع جهات معروفة ذات أهداف (ربحية على حساب الأخلاق)، فإن مثل هذه الأعمال الطارئة والتافهة، سوف تذهب جفاءً، أما الذي سيرسخ ويثبت في الأرض، فهو الثقافة العميقة والأخلاق الكريمة، والقيم النظيفة من أدران التفسخ، وشتان بين ثقافة الفكر والأدب الأصيل، وبين الفن الدخيل التافه!!

اضف تعليق