ان ترييف المدن وتمزّق الطبقة الوسطى لم يقتلا المدينة عمرانيًا فحسب، بل قيمياً واجتماعيًا. فحين يُهدر رأس المال الاجتماعي، تنهار المدينة حتى لو امتلأت بالخيرات. لأن أثمن ما في رأسمال الاجتماعي، هو الإنسان… والبيئة التي تسمح له أن يعمل ويُثمر...
على امتداد أكثر من سبعة عقود، راقبتُ تحولات المجتمع من زاوية تلامس اقتصاديات الاجتماع وأخلاقياته الإنسانية، فبدت لي حكاية المدن وهي تفقد روحها، لا بفعل الفقر المادي، بل بفعل ما هو أخطر: هدر رأس المال الاجتماعي.
كأنها رواية لخصها المفكر حسين العادلي (ان لكلُّ روايةٍ حكايةُ ألمٍ مُتأخِّرٍ لخطأٍ قديمٍ، أو لحُلمٍ لم يتنفَّسْ، أو لذاتٍ لم تتحقَّق)، اذ لم يكن ترييف المدن مجرد تحوّل عمراني أو ديموغرافي، بل تفككًا صامتًا للبنية المدنية التي كانت تُيسّر الثقة، والتعاون، والعمل المشترك.
فالمدينة، بوصفها فضاءً أخلاقيًا وثقافيًا، كانت تقوم على طبقة وسطى متماسكة تمتلك وعيًا نقديًا، ورأسمالًا اجتماعيًا، جعلها حاضنة للمبادرة والتنظيم والعمل المدني.
كانت تلك اللحظة المضيئة حين تأسست جمعية حماية الأطفال في العراق في العام 1928، تعبيرًا ناضجًا عن رأسمال الاجتماعي، إذ نُظر إلى الطفل بوصفه ثروة المستقبل، لا عبئًا اجتماعيًا. وُلدت الجمعية من رحم المدينة، ومن تماسك طبقتها الوسطى، حين كان الاستثمار بالإنسان ارقى أشكال التنمية.
لكن مع ترييف المدن، انكسرت هذه الدورة، وضعفت الطبقة الوسطى وتآكل دورها كحامل للمدنية، لتصعد داخل المدن تشكيلات اجتماعية موازية، تحكمها أنماط ريفية مغلقة، أفرغت العقد الاجتماعي المدني من مضمونه، وهددت السلم الأهلي، وأنتجت توازنات سلطة خطرة تعمل بعكس مسار التحضّر التاريخي.
إن ما يمكن قوله هو، أن ترييف المدن وتمزّق الطبقة الوسطى لم يهدر فقط رأس المال الاجتماعي، بل عطّل المسار الطبيعي للتحضّر، وأصاب فكرة المدينة في صميمها، بوصفها مشروعًا قيمياً وثقافيًا قبل أن تكون مجرد تجمع سكاني ، انعزل في حواضن قبلّية داخل المدينة.
ويأتي واقع الحال عكس ما يبرره الكاتب الفرنسي بيير بورديو في راس المال الاجتماعي بكونه: مجموع الموارد الفعلية أو المحتملة المرتبطة بامتلاك شبكة من العلاقات.
انها حكاية أمة عشت فصولها على امتداد سبعة عقود عجاف، في مختبر قاسٍ لصناعة دوال إنتاج المجتمع، واختبار أداء رأس ماله، نوعًا وكمًّا، بين ما كان يمكن أن يكون، وما آل إليه الواقع من عزلة فارغة من راس المال عنوانه رأس المال الاجتماعي.
فإذا كان رأس المال البشري هو مهارات الإنسان، فإن رأس المال الاجتماعي هو البيئة التي تسمح لتلك المهارات أن تعمل وتثمر. وحين يُهدر ذلك النوع من رأس المال، تنهار المدينة حتى لو توفرت الموارد المادية، لكون اثمن مافي راس المال الاجتماعي هو قدرة البنية الاجتماعية على تسهيل أفعال الأفراد، كما يقول الفيلسوف والكاتب جيمس كولمان (James S. Coleman) وهو عالم اجتماع أمريكي بارز (1926–1995)، ويُعدّ أحد أهم المنظّرين الذين أدخلوا مفهوم رأس المال الاجتماعي إلى التحليل الاجتماعي والاقتصادي الحديث، وربطه بسلوك الأفراد وأداء المؤسسات.
وهنا لا يُهدر رأس المال الاجتماعي بمعناه البورديوني بوصفه شبكة علاقات فحسب، بل يُهدر — كما نبّه جيمس كولمان — قدرة البنية الاجتماعية على تسهيل أفعال الأفراد. فحين تنهار هذه القدرة، تفقد المهارات قيمتها، وتتعطل المبادرة، حتى وإن توفرت الموارد المادية.
لقد صدّق المفكر إبراهيم العبادي حين أشار إلى أننا استهلكنا طويلاً خطابًا نقديًا يُفكك الإخفاقات، لكنه أخفق في بناء عقل اجتماعي مبادر، يدعم الفعل الجماعي، ويحتضن الإنجاز الفردي. وهكذا، تراجع دور المجتمع المدني، وتحوّلت المدينة إلى تجمع سكاني بلا روح مدنية.
الخلاصة، أن ترييف المدن وتمزّق الطبقة الوسطى لم يقتلا المدينة عمرانيًا فحسب، بل قيمياً واجتماعيًا. فحين يُهدر رأس المال الاجتماعي، تنهار المدينة حتى لو امتلأت بالخيرات. لأن أثمن ما في رأسمال الاجتماعي ، هو الإنسان… والبيئة التي تسمح له أن يعمل ويُثمر.
ختاما، إن مدينة بلا طبقة وسطى فاعلة ليست مدينة قابلة للنمو، بل ساحة توازنات قسرية، تُدار بالخوف لا بالقانون، وبالولاء لا بالمواطنة. وكل خطاب تنموي يتجاهل إعادة بناء البُنية الرأسمالية الاجتماعية، إنما يكتفي بمعالجة الأعراض ويترك المرض يتفاقم.



اضف تعليق