في خضمّ أمواج الفتن المتلاطمة التي تعصف بالمجتمعات، حيث تتشابك المصالح وتلتبس الحقائق، يجد الإنسان نفسه في أمسّ الحاجة إلى بوصلة دقيقة توجهه نحو بر الأمان، وتحفظ له دينه وكيانه من الانزلاق في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل. وكيف استخدم الإمام تشبيهاً حسياً بليغاً لترسيخ قاعدة الحياد الذكي...
(كنْ في الفتنةِ كابنِ اللَّبونِ، لا ظَهرٌ فيُركَبَ ولا ضَرعٌ فيُحلَب)
تمهيد
إن نهج البلاغة (وهو مختارات الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب عليه السلام)، كنز لا يعد ولا يحصى، وهو أعظم مصدر للحكمة العملية في التربية الروحية والاجتماعية، جمع في صفحاته بين فصاحة القرآن وحدة العقل وسمو الأخلاق. فهو ليس كتاباً عادياً، بل هو ديوان حكم تنبت من أرض الإيمان، وتثمر ثمار الوعي في كل زمان. هذه السلسلة من المقالات هي تأملات تحاول ان تستكشف نورا يضيء طريق المؤمن في عصر تتشابك فيه المصالح، وتتضارب فيه المواقف، وتتشكل فيه القيم.
وفي هذه المقالة، نبدأ بحكمة تنطوي على خريطة نجاة لمن أراد أن يبقى سليماً في قلب الفتنة:
«كنْ في الفتنةِ كابنِ اللَّبونِ، لا ظَهرٌ فيُركَبَ ولا ضَرعٌ فيُحلَب.»
المقدمة
في خضمّ أمواج الفتن المتلاطمة التي تعصف بالمجتمعات، حيث تتشابك المصالح وتلتبس الحقائق، يجد الإنسان نفسه في أمسّ الحاجة إلى بوصلة دقيقة توجهه نحو بر الأمان، وتحفظ له دينه وكيانه من الانزلاق في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل. تتناول هذه المقالة بالتحليل والشرح إحدى روائع الحكم العلوية التي رسمت استراتيجية دقيقة للنجاة في أوقات النزاع، وهي قوله (عليه السلام): «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَب».
نستعرض في السطور القادمة الأبعاد اللغوية والعميقة لمفهوم "الفتنة"، وكيف استخدم الإمام تشبيهاً حسياً بليغاً بـ "ابن اللبون" لترسيخ قاعدة "الحياد الذكي" الذي يقطع الطريق على أي محاولة لاستغلال الفرد. كما نغوص في التطبيقات العملية لهذه الحكمة، وأهمها الامتناع عن توفير الغطاء الشرعي أو الدعم المادي للظالمين، إنها محاولة لاستخراج "خريطة نجاة" تضمن للمرء السلامة في دينه ودنياه عندما تضطرب الرؤية وتختلط الأوراق.
شرح مفردات الحكمة
تأتي كلمة "الفتنة" من الجذر "فتن" والتي تعني وضع الذهب في النار ليظهر نقاؤه من شوائبه. فقولهم: "فَتَنْتُ الذهب في النار" يعني وضع الذهب في النار لاختباره ومعرفة الخالص منه وغير الخالص.[1]
ومن معاني الفتنة الأخرى: الكفر والشرك[2] والضلال، ويُقال للشيطان "فتّان" لأنه يُوقِعُ الإنسان في الفتنة والضلال.[3] وترد أيضًا بمعنى العذاب والعقاب[4] كما في الآيتين 13 و 14 من سورة الذاريات: «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ؛ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ؛ أي: يوم يُعذَّبون على النار * ذوقوا عذابكم.»
وفي مجمع البحرين، ذُكِرت الفتنة في كلام العرب بمعنى الابتلاء، والامتحان، والاختبار.[5] كما تُطلق الفتنة على الخلاف والنزاع بين الأفراد والذي قد يؤدي أحيانًا إلى القتل وسفك الدماء. وفي سياق هذه الحكمة، فإن المعنى الأنسب هو الخلافات والنزاعات التي قد تؤول إلى القتال وسفك الدماء.[6] تجدر الإشارة إلى أن هذه الحكمة لا تتحدث عن المواجهة بين الحق والباطل، لأن الوقوف إلى جانب الحق ضد الباطل واجب.
التشبيه البليغ بـ "ابن اللَّبُون"
لإيضاح الموقف الأمثل، اختار الإمام علیه السلام تشبيهًا معقولًا بمحسوس[7] يرسخ في الذهن: "ابن اللَّبُون". فالـ "اللبون" هي الناقة التي تدرّ الحليب حديثًا،[8] أما ابنها الذي يبلغ عامين من العمر، فلا يزال صغيرًا جدًا على أن يُستخدم للركوب (لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ)، ولم يصل بعد إلى سن الإنجاب وإدرار الحليب (وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَب). هذا التشبيه يُشير إلى ضرورة اتخاذ موقف حيادي حذر؛ على المرء أن يتصرف بذكاء بحيث لا يجد فيه أي طرف من أطراف النزاع فائدة مباشرة أو غير مباشرة.
قواعد اتخاذ القرار في أوقات النزاع
شهدت المسيرة البشرية عبر التاريخ سلسلة لا تنتهي من الحروب والخصومات، مما يضع الإنسان في مواجهة متجددة مع ضرورة اتخاذ القرار الصحيح لضمان النجاة والسلامة. إن الوقوع في أتون هذه الصراعات، التي تُعرف لغويًا بـ "الفتنة" –يتطلب بصيرة نافذة وحكمة بالغة. في هذا السياق البالغ الأهمية، تقدّم لنا الحكمة الموجزة والبليغة لأمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدة أساسية لا تُقدّر بثمن للتعامل مع الخلافات بين الجماعات والأحزاب، وهي: «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَب.»
إن أفضل قرار في هذه الظروف هو التوسط والسعي لإصلاح العلاقات وإقامة الصلح؛ كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ"؛[9] أي: إصلاح العلاقات بين الأفراد أفضل من عامة الصلوات والصيام [المستحبة].[10]
الاستفادة: الجزئية والكلية
لقد شبّه الإمام (عليه السلام) اختيار الأداء الصحيح وقت الفتنة بابن الناقة الذي لا يملك لبنًا ليُحلَب ولا قوة ليُركَب. بالنظر إلى هاتين الميزتين، يمكننا استخلاص نوعين رئيسيين من الاستفادة التي يجب على المرء أن يمنعها عن طرفي الفتنة:
1- أ ـ الفائدة الكلية والجزئية (الركوب والحلب)،
أحيانًا، يُكرِّس الشخص نفسه بالكامل لدعم أحد الجبهتين، ويبذل قصارى جهده لتحقيق هدفهما، ويتحول إلى مركبة سهلة للوصول إلى أهداف المجموعة. هذا النوع من الاستفادة يُشبّه بالركوب، وعبارة "لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ" تشير إلى الاستغلال الكامل والمستمر للفرد.
أما في بعض الأحيان، لا يكون تأييد الشخص دائمًا، بل يتدخل بين الحين والآخر ويساعد الحزب الذي يدعمه. يمكن القول إن الاستغلال الجزئي والمتقطع يُشبّه بالحلب، وعبارة "لَا ضَرْعٌ فَيُحْلَب" تشير إلى هذه المجموعة.
ب ـ الإفادة عبر الإمكانيات أو الاعتبار
قد يمتلك الشخص ثروة، أو علمًا، أو إمكانيات تحتاجها الجماعات المتنازعة للوصول إلى أهدافها. وقد يكون لديه مكانة واعتبار اجتماعي بحيث يمنح تأييده قوة للمجموعة، حتى لو لم يقدم لهم إمكانيات.
في كلتا الحالتين، يجب على الشخص أن يسعى ألا يكون مُستغلًا ومورداً للانتفاع من قِبَل طرفي النزاع ويستلزم العمل بجد لضمان عدم تحوّل المرء إلى أداة في خدمة أي من طرفي النزاع.
تطبيقات عملية للحكمة؛ الامتناع عن مساعدة الظالم
يُعدّ الامتناع عن مساعدة الحكام الظالمين من أهم التطبيقات العملية لهذه الحكمة. يتوجب على كل فرد، بوعي تام، أن يمنع الحكام الجائرين من استغلال مكانته أو إمكانياته، وألا يسمح لنفسه بالتحول إلى ترس في آلتهم، حتى لا يضفي الشرعية على ظلمهم.
قد تؤدي خطوة صغيرة في مساعدة الحاكم الظالم إلى خطوات أخرى وتجر وراءها مخاطر عظيمة. على سبيل المثال، قد یكون لقاء عالِم مُتبحِّر بحاكم جائر تأييداً له، فيمنحه بذلك غطاء الشرعية. وقد أكد الإمام الصادق (ع) هذا المبدأ بقوله: "لَوْ لَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ وَيَجْبِي لَهُمُ الْفَيْءَ وَ يُقَاتِلُ عَنْهُمْ وَ يَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا وَلَوْ تَرَكَهُمُ النَّاسُ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا وَجَدُوا شَيْئاً إِلَّا مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ»[11]
الأمر بالابتعاد عن الفتنة: مولوي أم إرشادي؟
الأوامر المولوية هي الأوامر التي يصدرها المولى بصفته مولى. إذا خالف الشخص هذا النوع من الأوامر، فإنه يستحق العقوبة.
الأوامر الإرشادية هي الأوامر التي يصدرها المولى بصفة الناصح والناصح والمُحِب لخير العبد، ولا تُصدَر بناءً على مقام المولوية. في الأوامر الإرشادية، لا يستحق الشخص العقوبة عند المخالفة، ولكنه يتضرر. لتوضيح الأمر، نذکر بعض الأمثلة:
ـ النهي عن النوم ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس
وردت روايات عديدة تنهى عن النوم في الفترة الزمنية ما بين الطلوعين. وصف الإمام الصادق (عليه السلام) النوم في هذا الوقت بأنه شؤم ويُسبِّب تغيّر لون الوجه واصفراره، وقال:
«نَوْمَةُ الْغَدَاةِ مَشْئُومَةٌ تَطْرُدُ الرِّزْقَ وَتُصَفِّرُ اللَّوْنَ وَ تُقَبِّحُهُ وَ تُغَيِّرُهُ وَ هُوَ نَوْمُ كُلِّ مَشُومٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَسِّمُ الْأَرْزَاقَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِيَّاكُمْ وَ تِلْكَ النَّوْمَةَ»[12]
وتشير رواية أخرى إلى أن نزول المن و السلوی[13] علی بنی اسرائیل کان فی هذه الساعة: «وَ كَانَ الْمَنُّ وَ السَّلْوَى يُنْزَلُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَمَنْ نَامَ تِلْكَ السَّاعَةَ لَمْ يُنْزَلْ نَصِيبُهُ وَ كَانَ إِذَا انْتَبَهَ فَلَا يَرَى نَصِيبَهُ احْتَاجَ إِلَى السُّؤَالِ وَ الطَّلَبِ.»[14]
إن النوم بين الطلوعين ليس حرامًا، ولكنه يترك آثارًا سلبية على روح الإنسان ونفسه. فإذا كان النهي عن النوم في هذا الوقت بسبب آثاره السلبية، فهو نهي إرشادي. وإن كان البعض قد اعتبروا النهي هنا مولويًا تنزيهيًا، أي أن النهي في حد الكراهة.
ـ الأمر بأكل الجبن مع الجوز
وفقًا للروايات، من المستحسن أكل الجبن مع الجوز. فكل واحد منهما وحده مُمرِض، ولكنهما معًا شافيان:
«إِنَّ الْجَوْزَ وَ الْجُبُنَ[15] إِذَا اجْتَمَعَا كَانَا دَوَاءً، وَ إِذَا افْتَرَقَا كَانَا دَاءً» [16]
هذان مثالان على الأمر والنهي الإرشاديَين؛ وهي توجيهات يستفيد منها الشخص عند العمل بها، ولا يُعاقَب عند مخالفتها، ولكنه يتضرر.
في هذه الحكمة، أمر الإمام (عليه السلام) بالابتعاد عن الفتنة. والسؤال هنا: هل هذا الأمر مولوي أم إرشادي؟
إذا كان الأمر في هذا القول إرشاديًا، وارتكب الشخص ذنبًا دفاعًا عن جبهته التي يؤيدها (كأن يغتاب مثلًا)، فإنه يكون قد ارتكب ذنبًا واحدًا (ذنب الغيبة).
أما إذا كان الأمر مولويًا، فإن الشخص يكون قد ارتكب ذنبين: ذنب الغيبة، وذنب مخالفة هذا الأمر؛ وبالتالي يستحق العقوبة لسببين.
الرأي المشهور[17] يذهب إلى أن الأمر في هذه الحكمة إرشادي.
الخاتمة
في الختام، يقدّم لنا التشبيه لابن اللَّبُون خريطة طريق واضحة للنجاة من فخ النزاعات القائمة بين الأطراف المتصارعة. إن الهدف الأساسي من هذه الحكمة ليس مجرد الاعتزال السلبي، بل هو التعبير عن إرادة واعية بعدم تمكين أي طرف من استغلال الفرد لتحقيق أهدافه، وبشكل خاص، الامتناع التام عن مساعدة الحاكم الظالم. لذا، فإن الموقف الصحيح في وقت الفتنة هو الاعتدال، والحياد الإيجابي الذي يسعى دائمًا لإصلاح ذات البين، ليكون المرء عنصرًا فاعلاً للسلام لا وقودًا للصراع.




اضف تعليق