"من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم".

رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلّم

من الوصايا التي خلفت آثاراً سلبية بالغة بسبب تجاهلها؛ التضامن ومشاعر الأخوة بين افراد الأمة، وتحديداً الحديث النبوي الشريف، الذي طالما نردده ونقرأه، ونعلم أن أول خطوة للنبي لتشييد صرح الامة وكيانها الاجتماعي والسياسي، هي؛ المؤاخاة التي جرت بين المهاجرين من مكة، والانصار المقيمين في (يثرب) المدينة؛ وإن بقيت بعض رواسب الجاهلية من التمييز العنصري والطبقي، بيد أن المسلمين تعلموا الدرس جيداً بأن "يسعى بذمتهم أدناهم"، فأبسط انسان مسلم بامكانه إلزام جميع المسلمين بأمان يمنحه لعدو، وإن كان بين المسلمين العالم والتاجر من مختلف المكونات والاطياف، فكيف اذا حصل لهذا المسلم البسيط –وربما غير المتعلم- مكروه؟ كما عرفوا جيداً أن قوة ردعهم من قوة شوكتهم مجتمعين متراصّين، وقد جاء توضيح هذه المعادلة في القرآن الكريم، وعلى لسان الرسول الكريم اكثر من مرة.

وحتى وقت قريب من التاريخ المعاصر كان المسلمون يعيشون هذه الحالة الحضارية في الدفاع عن قضايا الشعوب من خلال المشاركة بالمال والسلاح والمقاتلين، والمواقف الاحتجاجية، كما حصل في معارك الايرانيين مع المحتل الروسي عندما اشترك فيها الشيخ محمد المجاهد، أحد ابرز علماء الدين في كربلاء المقدسة، وايضاً ما حصل في كربلاء ايام الحكم العثماني واشتراك الايرانيين مع أهالي كربلاء للدفاع عن انفسهم مقابل عمليات الابادة والقتل من الولاة العثمانيين، والامثلة كثيرة، ليس أقلها دفاع المسلمين عن فلسطين أمام اجتياح الصهاينة لها منذ الايام الاولى للاحتلال عام 1948.

كيف تنهدم جسور العلاقات الاستراتيجية!

حتى في مرحلة الابتدائية كنا نسمع من المُعلمين قصة الأب وابنائه وحزمة الأعواد الصغيرة المجتمعة والعصيّة على الكسر، ولا أحد يماري في عامل التلاحم والتضامن في توفير القوة، كونها مسألة منطقية وعقلية، لكن الغريب اصطدام كل هذا بالتطبيق العملي عندما يكون الخيار بين المصالح الفردية والمصالح العامة.

صحيح إن لمنهج الديكتاتورية والاستبداد دور في تمزيق أواصر الوحدة بين المسلمين، في ضوء التقسيمات الحدودية المصطنعة، واستبدال مفهوم الهوية "الوطنية القطرية" بمفهوم الهوية "الوطنية الاسلامية"، بيد أن القرار النهائي يبقى بيد الناس في كل بقعة من بقاع العالم الاسلامي، من شرقه الى غربه، فعندما يتم تسفير عوائل من مسقط رأسهم بدعوى قومية، ثم يجلس آخرون في المقاهي وهم يضحكون ملء شدقيهم ويلقون باللائمة عليهم لأنهم لم يتبعوا الاجراءات الخاصة "بقانون الجنسية"، فمن الطبيعي أن يطمئن الحكام على سلامة خطتهم في تمزيق أواصر الأخوة الاسلامية في هذا البلد أو ذاك.

إذكاء نزعات التميّز وحب الأنا، والتفوق بعيداً عن المعايير الاخلاقية، كلها تمثل ألغام تحت جسور العلاقات الاستراتيجية بين الشعوب المسلمة، وهو ما فطن اليه الحكام منذ بدايات القرن الماضي، فراحوا ينشرون ثقافة التقوقع و الانكفاء على الذات، والبحث عن الربح والفائدة، والايهام بأن وجود المختلفين في اللغة والقومية والعرق في مكان واحد يثير المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، بل والإيهام بأن "كلما كان العمل والتعامل بين ابناء اللغة الواحدة، والعرق الواحد، بل والذوق والمزاج الواحد كان أفضل"! وأكثر من هذا وذاك؛ "سهولة حل مشاكل كل مجموعة بشرية بلغتها وقوميتها بشكل مستقل عن غيرها"!

ماذا خسرنا من التفرّق؟

على الاغلب يشترك أهل العالم في آثار المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فالاستبداد السياسي، والفقر، والأميّة، والتمييز الطبقي، والبطالة، كلها تمثل معضلات للانسان كانسان، سواءً كان في الشرق أم في الغرب، إنما الفارق في طبيعة الحلول حسب الظروف، وطباع البشر ومستوياتهم في تقبل هذه الحلول، وعندما يكون الحديث عن جمهور المسلمين وهم اليوم مليار ونصف المليار نسمة فان القضية تكون أقرب الى الاستحقاق، نظراً الى المشتركات في العقيدة والفكر والسلوك، ما عدا بعض الاختلافات الناشئة من بؤرة معينة، وليست كحالة عامة بين افراد الامة.

ربما البعض يبرر عدم تفاعله وتضامنه مع قضايا الشعوب كما حصل في افغانستان والمجازر التي يتعرض المسلمون في المساجد، وما يحصل في اليمن من عدوان يقتل الاطفال والنساء في بيوتهم، وايضاً ما يحصل في دول نائية مثل ميانمار، وأقليم تشينغ يانغ الصينية –تركستان سابقاً- بتلاعب السياسة بالملف الانساني، وهذا يدفعنا لأن نحدد مسألة نجدها مهمة للإجابة عن السؤال الآنف الذكر، ولإزالة اللبس عن هذا الاستنتاج الذي يجعل أناس يعيشون في حرية ورفاهية، فيما آخرون يعيشون الرعب والموت في كل لحظة؛ ألا وهو التوظيف السياسي الذي تسبب في خسارتنا كما تسبب في ربح الحكام رغم ديكتاتوريتهم وسياساتهم القمعية والتضليلية لشعوبهم، فقد أصبحوا هم الوحيدين ممن يتضامن مع هذا الشعب او ذاك، في أي وقت يشاؤون، بتقديم المساعدات وإطلاق البيانات والمواقف السياسية، بينما المواقف الجماهيرية المنطلقة من قيم الدين والاخلاق لا تعرف ظروف الزمان والمكان، وحتى الامكانات، فالمساعدات ومواقف التضامن والمواساة تنطلق فوراً بعيداً عن أية اعتبارات.

واذا يتحدث البعض اليوم عن وجود المحاور والاصطفافات السياسية في المنطقة، وانها المهيمنة على الوضع الانساني، علينا النظر الى الاسباب المؤدية لاستفحال هذه الاصطفافات في غياب المواقف الجماهيرية المتمثلة بالمؤسسات الثقافية والدينية والعلمية في هذا البلد وذاك، فمن يقول: لا شأن لي بالوضع الانساني الحرج والمأساوي في افغانستان ولبنان واليمن –مثلاً- وأن "للشعب الافغاني ربٌ يحميه"، كما قال لي أحد الاخوة، فانه بالحقيقة يفسح المجال أمام الانظمة السياسية التي نعدها ديكتاتورية بالتلاعب بالملف الانساني وبمصائر الشعوب المسلمة.

وكما حصل اليوم حصل بالأمس في العراق تحت ظل صدام، وفي سني التسعينات عندما كان العراق يرزح تحت حصار اقتصادي مزدوج؛ من المجتمع الدولي، ومن النظام الحاكم في بغداد نفسه، وفي الوقت الذي كانت الشعوب المسلمة بعيدة عما يجري في العراق من جوع وموت للاطفال، وفقر، ومعاناة شديدة بسبب سوء الاحوال المعيشية والاقتصادية، كان صدام يروج عبر سفاراته في الدول الاسلامية لـ "الحصار الظالم واللااخلاقي" على العراق، وقد نقل لي أحد الاصدقاء كان في رحلة الحج في تلك الفترة، والتقى بحاج من اندونيسيا، فما أن عرفه من العراق –وقد تصور أنه قادم من العراق- اظهر الجزع والحزن بالقول: "اللهم ينصر حسين صدام..."! في سعٍ منه لإظهار تضامنه مع العراق ضد ما سمعه من حصار وعقوبات اقتصادية مفروضة من قبل الغرب.

إن مفاهيم اسلامية مثل؛ الأخوة، والجسد الواحد، والاعتصام بحبل الله، لم تعد في إطارها الاخلاقي والديني، وكونها من المستحبّات المثالية، تتحقق حسب القدرة والاستطاعة، وإنما هي استحقاق حضاري وسياسي في الوقت ذاته، فالتضامن مع قضايا الشعوب اذا كان منطلقاً من المؤسسات الجماهيرية قبل السياسية، فان من شأنها التقليل من تلكم المساوئ والمعاناة، وايضاً؛ أخذ زمام المبادرة من رجال السياسة والمتاجرين بمعاناة الناس في كل مكان.

اضف تعليق