{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} (سورة طه، الآية 15)

في قاعات الامتحان بالمدارس والجامعات نجد حالتين في وجوه الطلاب؛ الأول: الاستقرار والارتياح والاطمئنان، والآخر: القلق، والخوف، واذا كان الامتحان بالاساس يتسم بالرهبة والهيبة في كل زمان ومكان، كيف يعطي حالة جيدة للبعض دون آخرين؟

واضحة الاجابة؛ الاستعداد الكامل لهذا الامتحان بالمذاكرة والجدّ والاجتهاد في فهم واستيعاب المادة المطلوبة بحيث يكون أي سؤال يطرح على الطالب المُجد، مقروناً بالجواب في ذهنه، حتى شوهد العديد من هؤلاء يُكملون اجاباتهم خلال فترة قصيرة قبل الآخرين، وبكل ثقة واطمئنان.

هذا الامتحان المدرسي والجامعي يجري خلال فترة قصيرة وينتهي كل شيء، ثم يذهب الطلاب الى بيوتهم بانتظار النتائج، بينما حياة البشر مشحونة بامتحانات واختبارات في شتى المجالات والميادين، يكون بعضها قاسياً وشديداً، كأن يكون الاختبار في فقدان الذرية، أو موت الأولاد، أو في الأموال والممتلكات، كما يكون في الوجاهة الاجتماعية، بل ويكون في النفس ذاتها، وهو آخر ما يفكر الانسان التضحية به.

ولكن كيف خلّد التاريخ ملاحم بطولية خرج منها رجال ونساء من أشد وأقسى الامتحانات، والمثال الأبرز في قضية النهضة الحسينية، فمن النساء خرجت "طوعة"، تلك المرأة الكوفية من آلاف النساء القابعات في بيوتهنّ، لتسجل أسمها في التاريخ في صفحات الطامحين العظام، ومن الرجال برز الكثير، لعل أبرزهم؛ الحر بن يزيد الرياحي، وزهير بن القين وآخرين؟

وقد أوردنا النهضة الحسينية، وأحداث عاشوراء كمثالٍ حيّ ساكن في القلوب والنفوس، وإلا فان التاريخ المعاصر يحفل بقامات شامخة من أبطال خاضوا امتحانات لا توصف في شدتها وصعوبتها، لكنهم خرجوا مرفوعي الرأس، تذكرهم الاجيال والشعوب بفخر واعتزاز، ومردّ هذا الى ايمانهم بقضيتهم ومعرفتهم الكاملة والعميقة بالطريق الذي هم سالكوه.

الحياة في الأصل للسعادة وليس للشقاء

في مطلع سورة طه، يخاطب الله –تعالى- نبيه الأكرم، صلى الله عليه وآله، بالاسم: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}، وقد روي عن أمير المؤمنين، عليه السلام، أنه قال: "لقد قام رسول الله، صل الله عليه وآله، عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه و اصفر وجهه، يقوم الليل أجمع، فقال الله –تعالى- { طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}، بل لتسعد به".

لماذا كان يصلي النبي عشر سنوات كاملة في مكة على أطراف أصابعه، ولم يقف بشكل طبيعي للصلاة، وهو لم يكن مأموراً بهذا كما تبين الآية الكريمة؟

مستوى معرفة النبي بأهوال يوم القيامة، وبالحقائق السماوية، وبالآيات والسنن في الحياة والكون، وما جرى على الاقوام السابقة من ويلات بسبب تكذيبها كفرها بالرسالات الإلهية، من خلال الآيات النازلة عليه طيلة هذه الفترة هي التي حالت دون أن يقف أمام رب العزّة والجلال بشكل طبيعي، كما لو كان واقفاً أمام أي شخص آخر، وهذا يستدعي التذكير بالحديث المروي عنه، صلى الله عليه وآله، عندما سُئل عن علمه بالغيب فقال: "لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير"، وهكذا جاءت الأذكار العبادية السامية عنه، والواردة في كتب الأدعية، وكيف كانت سجادته الطويلة، وتسبيحاته، واستعاذاته، وشكره، لاسيما في ليالي خاصة من السنة معروفة لمن يراجع كتب الأدعية وأعمال أشهر السنة.

ولذا جاءت البشارة للنبي الأكرم، ولجميع المسلمين، بأن القرآن الكريم، وما فيه من أحكام عبادية وآداب وقوانين وسنن، إنما هي لإسعاد الانسان عندما يتّسم بتلك الحالة التي كانت على رسول الله، ولو ليس بنفس المستوى لأن بالقطع واليقين "أنكم لا تقدرون على ذلك"، وإنما بالممكن والمستطاع، في نفس المسار الصاعد نحو السماء.

وبمقدار المعرفة تكون الخشية من الشيء، وهي قاعدة منطقية تماماً، فالذي يجهل وجود اللصوص خلف جدار بيته سيأوي الى فراشه وينام دون اتخاذ أية اجراءات احترازية، ولذا جاء وصف القرآن الكريم في سياق الآيات من هذه السورة بأنه {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى}، وبما أن "التذكرة مصدر لباب التفعيل، وإنما كان تذكرة لأن الأصول والفروع بصورتها الاجمالية كامنة في نفس كل إنسان"، (تفسير تقريب القرآن الى الأذهان- الامام الراحل السيد محمد الشيرازي)، ولعل هذا مصداق الفطرة السليمة التي أودعها الله –تعالى- في نفس كل انسان، إنما يحتاج الى تفعيل لهذه الفطرة، مع المحافظة عليها من التشويه والانحراف.

واذا نراجع آيات مباركات في غير سورة مباركة نجد الترابط المُبهر بين ذكر الله –تعالى- والسعادة والاطمئنان في الحياة؛ {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، (سورة الرعد، الآية28)، والآية الكريمة: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}، (سورة يس، الآية11)، والعكس يكون بالعكس تماماً: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}، (سورة طه، الآية124)، والآية الاخرى: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً}، (سورة الفرقان، الآية18)، فالامتحانات الصعبة والاختبارات القاسية في هذه الحياة لا تعني دائماً أنها السبب في الشقاء والحزن على طول الخط، فالنبي الأكرم، تعرض لمختلف اشكال التهديد والتكذيب والتعذيب طيلة ثلاثة عشر سنة على يد مشركي مكة، ولكن؛ تحولت حياته بشكل لم يصدقه أحد آنذاك، عندما هاجر الى المدينة وأسس هناك دولة ومجتمع من أرقى ما شهدته البشرية، حتى دان له جميع رموز الشرك في مكة وخارجها ممن آذوه وكذبوه و ارادوا قتله، فجاؤوا بين يديه يعلنون اسلامهم، كما أن المسلمين الذين ذاقوا الأمرين في مكة مثل؛ عمار و أباذر، و قبلهم أمير المؤمنين، عليه السلام، تحولوا الى نماذج مضيئة للتاريخ والاجيال والأمم.

التهيؤ والاستعداد مبدأ يلتزم به الناجحون

وهذا تحديداً ما يريده القرآن الكريم منّا من خلال الآيات المباركات في سورة طه، عندما ينتقل الذكر من مخاطبة النبي الخاتم، الى نبي الله موسى، عليه السلام، بعد أن خاطبه: { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى}، وهو "استفهام تقريري"، كما يعبر عنه الامام الراحل في تفسيره، "نحو قول أحدنا لغيره: هل سمعت بخبر فلان"، وفي سياق الآيات الكريمة يأتي الخطاب الى موسى بعد ترك أهله وحيدة في ظلام الليل، و مشاهدته نوراً من بعيد، وسماعه لأول مرة الكلام المباشر من رب العزّة والجلال، يقول تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}، وفي تفسيره لعبارة "أكاد أخفيها"، يقول سماحة الامام الشيرازي: "قد يعبر لبيان أن الشيء ظاهر قريب بإخفاء، فهو كالشيء الذي يُراد إخفاؤه، ليس ظاهراً كل الظهور، ولا مخفياً كل الإخفاء، إذ الساعة بين الظهور والخفاء، فأصلها ظاهر، ووقتها مخفي، وإنما يُراد إخفاؤها بهذا المقدار { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى }، فان الساعة لو كانت ظاهرة لكل أحد، لم يكن سعي الناس في الطاعة إلا خوفاً من العاقبة الحتمية المعلومة لديهم"، وهذا من مصاديق مبدأ الخوف والرجاء الذي يؤكد الاسلام ان يكون دعامة العلاقة بين الانسان وربه.

ولعل أول من طبق عليه هذا المبدأ؛ بنو اسرائيل عندما أبلغه الله –تعالى- لنبيه موسى ليكون أول درس في المنهج الرسالي خلال مسيرته مع قومه، وما تخلله من مواجهة مع فرعون، ثم الانتقال الى مرحلة الأمان والاستقرار والرخاء، بيد أن مشكلتهم كانت في عدم ايمانهم بالحاجة الى هذا المبدأ العظيم ذو الابعاد النفسية والانسانية والذي يمثل حافزاً مستمراً للتطوير والتغيير، بل وجدوا انفسهم فوق هذا بكثير، مكتفين من هذه الناحية، ولا حاجة لهم بالاستعداد لأي اختبار او امتحان، لانهم –كما يتصورون- تحملوا ما فيه الكفاية من القمع والاضطهاد على يد فرعون، فآمنوا بالله وبرسوله فانجاهم الله مما كانوا فيه وتحولت حياتهم الى سعادة وهناء وهذا كل شيء، كما لو أنهم بلغوا "حافة التاريخ"! وبسبب هذا الوهم المتأصل فيه بأنهم الأفضل والأحسن في كل الاحوال، نراهم ينهارون بشكل مريع في الاختبارات الصعبة خلال مواكبتهم نبيهم، وباتوا نموذجاً للتشكيك والتمرد والتكبّر للتاريخ والاجيال، والنتيجة لم تكن سوى ما حلّ بهم ضياع وضلال ما يزال عالقٌ بهم حتى اليوم والى يوم القيامة، مهما فعلوا لن يتذوقوا طعم السعادة والاستقرار.

أما أصحاب النفوس السامية والشفافة التي تطمئن بذكر الله و بمعرفته –تعالى-، لا سواه، هي التي تكون في حالة تذكّر واستعداد دون السماح للغفلة بسرقة لحظة واحدة من حياتهم، وهذا ما جربه شخص ليس من المعصومين، ولم يكن قريباً منهم، ومن المعاصرين لهم، إنما هو احد علماء الدين في كربلاء المقدسة، ألا وهو المرجع الديني الكبير، السيد ميرزا مهدي الشيرازي الذي سألوه ذات مرة عماذا سيفعل لو أخبر بساعة وفاته فقال بكل هدوء: "افعل ما كنت افعله طيلة سنوات حياتي"! فقد حياته –رضوان الله عليه- كلها عبارة عن استعداد وتهيؤ للموت، وهنالك شواهد عديدة على التزامه جانب الحيطة والحذر من الاموال المجهولة حتى لا يكون مسؤولاً عنها يوم القيامة.

هذه العصامية والنفس الأبية هي التي تضمن لصاحبها السعادة وحالة الرضا والاطمئنان في حياته، وكلما كان الامتحان أشدّ في مجالات حساسة في حياة الانسان، كانت النتيجة أكبر و أزهى في الحياة الدنيا، فهو سيكون قادراً على معالجة مشاكله وأزماته بنفسه، وبالطرق الصحيحة بحيث "لا تَظلِمُون ولا تُظْلَمون"، وضمن موازين الحق والفضيلة، ولن يكون – كفرد او كشعب أو أمة- فريسة للطامعين بثرواته وقدراته، يعدونه بالحياة السعيدة من خلال بعض المظاهر الزائفة من الرفاهية المستوردة التي لا جذور لها في الواقع، لا تلبث ان تزول وتختفي بزوال المسبب لها وهو غير صاحب الارض، وانما اصحاب المصالح الكبرى في العالم.

اضف تعليق