قلّة من الناس يعتقدون أن المال قادر على شراء السعادة، إلا أن الأغلبية العظمى يظنون أن المال سيجعلهم أكثر سعادة. ويناقش البعض أنه من الأفضل أن يكون المرء غنياً وتعيساً، على أن يكون سعيداً وفقيراً. ومن هذا المنظور، المال لا يشتري السعادة، ولكنه يجعل التعاسة...
مانفريد إف. آر. كيتس دي فرايز
غالباً ما تكون النظرة المشوهة للمال نابعة من الطفولة
"الرجل الحكيم يُبقي المال في عقله، وليس قلبه،" جوناثان سوفت.

ينحدر باولو من خلفية متواضعة جداً، وأصبح فاحش الثراء نتيجة عمله الدؤوب وبعض الحظ. ولكن للأسف، تغيّر باولو نتيجة ثرائه نحو الأسوأ، حيث ولّد المال بداخله حساً بالفوقية وأصبح يسيء معاملة الأخرين، ولم يكن هذا من شيمه قبل اغتناءه. وبدأ باولو يعتقد أن ثراءه يمنحه الحق بأن يفعل ما يشاء، وبات يعامل الأخرين بأسلوب غير أخلاقي.

فبدلاً من تقييم الناس بناءً على جوهرهم، صنّف الناس تبعاً لحجم ثرواتهم، واعتبر كل الفقراء والمعدومين فشلة. وبدأ باولو نتيجة معاييره الأخلاقية غير المتزنة، الاحتيال على الآخرين دون رحمة بهدف تنمية ثرواته، التي كانت ضخمة أصلاً. وبشكل عام، كلما زادت ثروة باولو، رافقها انحدار في حياته الاجتماعية، وأسهمت قلّة تعاطفه مع الأخرين في انعزاله الاجتماعي.

ومع مرور الوقت، تحولت مساعي باولو لجني المال إلى نوع من الإدمان: فكلما جنى المزيد من المال، ازداد إحساسه بالرضا عن نفسه، كأنما كانت تمنحه نشوة مؤقتة من خلال ارتفاع مستوى هرمون الدوبامين، المسؤول عن الشعور بالسعادة وتكافئنا به أجسامنا عندما نقوم بأشياء تساعدنا على النجاة.

وكسائر أنواع الإدمان الأخرى، انقلبت الموازين ضد باولو بالنهاية، فسعيه الدؤوب لجمع الثروات والممتلكات المادية، جعله غير سعيد في حياته. ولم يؤدي المال إلى طلاقه من زوجته فحسب، بل عمقّت الفجوة بينه وبين أولاده ليغدو شخصاً غريباً بالنسبة لهم. ومع مرور السنين، وجد باولو نفسه وحيداً في قصره الفخم، محاطاً بخدمه وحشمه فقط. باختصار، هذا هي نتيجة الجشع والأنانية.

المال مصدر الأوهام

جاءت مقولة "النقود تجعل العالم يدور" من الفيلم الغنائي الشهير "كبريه"، حيث استهزأ وسخر مغنيي الفيلم من الأوهام المتمثلة بأن كل شيء ممكن بالمال. وفي الحقيقة، لدى معظمنا أفكار غير منطقية حول قدرة المال على تغيير حياتنا بشكل سحري.

وبالتأكيد، سيفتح المال أمامنا الأبواب لخيارات إضافية لم تكن متاحة أمامنا من ذي قبل. كما أن تعددية استخدامات المال تجعله دافعا قوياً للسلوك البشري. ومن الناحية الرمزية، كان اختراع المال أمراً مذهلاً بحق، نظراً لقدرته على تسخير الطاقات البشرية وتحويلها إلى سلعة قابلة للتخزين ويمكن تداولها للحصول على البضائع أو الخدمات. كما أن المال بات رمزاً للرخاء الاقتصادي والمكانة والسلطة والجاه والقوة والحب والسعادة.. إلخ، ويراه الكثير كنقاط في لعبة أسمها الحياة، ويعتبرون أن الحياة عبارة عن سباق، يتمكن خلاله الفائزون من جمع أكبر قدر من المال.

وعلى الرغم من أن قلّة من الناس يعتقدون أن المال قادر على شراء السعادة، إلا أن الأغلبية العظمى يظنون أن المال سيجعلهم أكثر سعادة. ويناقش البعض أنه من الأفضل أن يكون المرء غنياً وتعيساً، على أن يكون سعيداً وفقيراً. ومن هذا المنظور، المال لا يشتري السعادة، ولكنه يجعل التعاسة محتملة أكثر. ويؤسفني أن أقول أنه غالباً ما يصاحب السعي لجني الأموال عواقب وخيمة، فعندما يكون جمع الثروات والأموال الشغل الشاغل للفرد، يسهم ذلك في إحداث الكثير من الأضرار والمشاكل على المستوى الشخصي وفي علاقات المرء مع الأخرين، وتتراوح المشاكل بين الشعور بالاكتئاب والاضطهاد والعجز والإسراف والقمار والعزلة، وتصل لغاية الانتحار أو القتل. وبالإضافة إلى النقاط الآنفة الذكر، قد يحوّل المال الإنسان المحترم إلى شخص بغيض. وكما قال الكاتب الإنجليزي والشاعر دي. أتش. لورنس "يسممك المال عندما تملكه، ويجوّعك حين تفتقده".

وكما هو الحال بالنسبة لمختلف أنواع وحالات الإدمان، الاضطرابات المتصلة بالمال هي غالباً ما تدل على ماضٍ مضطرب. غالباً ما تبرز المسائل العالقة من الماضي على هيئة تصرفات مدمرة للذات بشكل متكرر وثابت ويسهل التنبؤ بها، وهي تتمحور بشكل أو بأخر بالمال. ويعاني الأشخاص المصابين بهذا النوع من الإدمان من الضغط النفسي والتوتر والقلق، إلى جانب اختلالات في العديد من مناحي حياتهم. ومن جهة أخرى، يعدّ المال المصدر الرئيس للصعوبات في العلاقات مع الآخرين، بما في ذلك المشاكل الزوجية والعائلية. وكما ذكرنا في مثال باولو، أدى جشعه إلى طلاقه من زوجته وتحوله إلى شخص غريب بالنسبة لأولاده.

عندما نجد أنفسنا عرضة للإسراف، أو التقتير، أو جمع المال والأشياء بشكل مفرط، أو الاقتراض المتسلسل، أو القمار، وغيرها من السلوكيات المَرَضية، لا بدّ أن نعود بذكرياتنا لمرحلة الطفولة. يوجد بداخل كل واحد منّا مسرح، ولكل واحدٍ فينا نصّه الخاص بدور المال، والذي تتحكم به ذكرياتنا من أيام الطفولة. لذا، يجب علينا التفكير في ماذا كان يعني المال بالنسبة لأبوينا، وكيف كان تأثيره على سلوكياتهما ومنظورهما للحياة وتوقعاتهما. ومن ضمن الأسئلة التي يتوجب علينا طرحها هو: هل تشاجر أبوينا بسبب أمور مالية؟ هل استخدم أحدهما المال للسيطرة على الآخر؟ ومن ناحية أخرى، هل استخدما منح المال كنوع من إظهار المحبة؟

إن أمعنّا النظر بداخل أنفسنا، هل يثير التفكير بالمال لدينا مشاعر القلق، الشعور بالذنب، الغضب، الحزم، القوة، المحبة، أو الفرحة؟ لا شك أن المال وما يصاحبه من أشياء، قد يصبح معياراً نقيّم به كيف نرى أنفسنا وقيمتنا. وبالمقابل، تسهم المواد المالية الضئيلة في خلق إحساس بالعجز. أي أن المقتنيات المادية وأنماط الحياة تكشف عما في دواخلنا.

المصدر الحقيق للثروة

قد يكون من البديهي القول بأننا لسنا حقاً أغنياء حتى نمتلك شيئاً لا تستطيع الأموال شراءه. يميل الأفراد المهووسين بالمال إلى نسيان أنهم لا يستطيعون شراء السعادة، أو الشعور مع الأخرين، أو التعاطف معهم، وغيرها الكثير من الأشياء غير المادية في الحياة. يقول المثل الصيني: المال يمكن أن يشتري لك مسكناً، ولكن لا يمكن أن يجعله بيتاً. وعلى الرغم من أن المال يعتبر سبيلاً للوصول إلى أفضل الملذات على وجه الأرض، إلا أنه قد يقلل من قدرتك على الاستمتاع بالمتع البسيطة في حياتنا اليومية.

وبكل تأكيد، أن المعنى الذي نمنحه للمال سيحدد الطريقة التي نعيش بها حياتنا وأن قدرتنا على دمج احتياجاتنا العاطفية بالمقتنيات المادية، يعكس بشكل واضح كيف نظهر قيّمنا، ومعتقداتنا، ورغباتنا في عالمنا. وفيما نمضي قدماً بحياتنا، يتوجب علينا أن نذكر أنفسنا أن أفضل ما في الحياة يتألف من ذكريات ولحظات جميلة، وإن لم نكن قادرين على تقدير تلك الأشياء، ستفوتنا الحياة دون أن ننتبه لها. وبالتالي، أشدد هنا على أن المال لا يستطيع شراء أهم الأشياء في حياتنا، كالوقت، والسعادة، والراحة الداخلية، والمصداقية، والحب، والشخصية، والصحة، والاحترام، والأخلاق، والثقة، والكرامة. وبشكل عام، وفي الكثير من الأحيان، يشكل المال حاجزاً يحول دون قدرة الناس على خلق حياة ثرية لأنفسهم. وبعد مضي أكثر من ألف عام، تحافظ كلمات الفيلسوف الإغريقي أبكتيتوس على دقة معناها: "الثراء لا يعني امتلاك الكثير من المقتنيات، بل يعني وجود عدد أقل من الاحتياجات".

* مانفريد إف. آر. كيتس دي فرايز، الأستاذ البروفيسور السريري المتميز في مجال تطوير القيادات والتغيير المؤسسي لدى إنسياد ومدير برنامج تحديات القيادة"
https://knowledge-arabia.insead.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق