إنسانيات - علم نفس

القلق الناجم عن الفوضى

الفوضى الاجتماعية تُمرض الناس

كثير من الناس يشعرون بالقلق عندما تحدث تغييرات كبيرة بسرعة. وقد يُنظر إلى ذلك بوصفه اعتداءً على استقلاليتهم. وإن الإسراع الشديد في طرح السياسات والإجراءات من قبل الحكومات يسهم بصورة كبيرة في هذا القلق الناجم عن التغير السريع والشعور بفقدان الاستقلالية. إن القلق طويل الأمد المتزايد سيئ لصحة الإنسان...

تتناول هذه المقالة المنشورة على موقع Psychology Today، تأثير التغيرات السريعة وغير المتوقعة في المجتمعات على ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب لدى الأفراد، خاصة عندما يشعرون بفقدان السيطرة على حياتهم. ويوضح كاتب المقالة الدكتور مايكل ميلر أن الفوضى الخارجية لا تؤثر نفسيًا فقط، بل تمتد آثارها إلى الصحة الجسدية والعلاقات، مشيرةً إلى أن تعزيز الروابط المجتمعية والانخراط الفعّال في المجتمع يُعدّ من أبرز الوسائل للتخفيف من هذا القلق واستعادة الشعور بالاستقلالية.

النقاط الرئيسة

- إن التغيرات السريعة وغير المتوقعة تزيد القلق والاكتئاب.

- إن ازدياد القلق الناتج عن التحولات الاجتماعية يحدث لدى الناس عبر الطيف السياسي كله.

- إن تعزيز الروابط المجتمعية يمكن أن يساعد الناس على تقليل القلق.

في أحدث تدوينة لي على موقع Psychology Today كتبتُ عن الآثار الضارة لاعتياد الناس على الأمور السيئة وتدهور أوضاع الحياة. وهذه التدوينة تتناول ما يحدث عندما لا يكون الناس قد تبلّدوا واصبحوا غير مبالين تجاه تلك الأمور السيئة التي تتداعى من حولهم.

ازدياد الفوضى الخارجية يضرّ بصحتك

عندما تحدث تغييرات كبيرة، يشعر كثير من الناس بالقلق، وقد يترافق ذلك مع الاكتئاب. ويمكن أن تتفاقم تلك المشكلات النفسية عندما تكون التغييرات خارج نطاق سيطرة الشخص، فتُدرَك بوصفها اعتداءً على استقلاليته.

إن هذا القلق الناجم عن الفوضى آخذ في الازدياد. فقد وصفت مقالة حديثة في The Guardian كيف يرى المعالجون النفسيون مزيدًا من المرضى يعانون القلق والاكتئاب المرتبطين بالفوضى الخارجية الخارجة عن سيطرة الفرد. وتنسجم تلك الملاحظات مع الحوارات التي أجريتها مع مختصين في الصحة النفسية، ومع أشخاص آخرين داخل مجال الرعاية الصحية وخارجه.

القلق يسبب أضرارًا جسدية

إن ازدياد القلق ليس مجرد قضية متعلقة بالصحة النفسية. فهو يسبب مشكلات جسدية وشخصية ومهنية ومشكلات في العلاقات. وقد أظهر ازدياد القلق طويل الأمد أنه لا يؤدي فقط إلى الاكتئاب، بل أيضًا إلى ارتفاع مستويات الكورتيزول، وارتفاع ضغط الدم، وتراجع وظيفة الجهاز المناعي.

الاستجابة للفوضى وعدم اليقين

إن مفتاح الاستجابة لتوسع الفوضى الخارجية والضغط النفسي هو الانخراط في أساليب تمنح الناس فرصة لاستعادة بعض الشعور بالاستقلالية. أما البديل فهو أن ينسحب الناس من الفوضى قدر استطاعتهم، بحيث يتركون أنفسهم عمليًا يعتادون التبلد تجاه كل هذه التغيرات وما تسببه من فقدان للاستقلالية. ورغم أن هذا البديل قد يخفف القلق والاكتئاب على المدى القصير، فإنه قد يؤدي إلى آثار صحية أسوأ على المدى الأبعد حين تلحق بهم كل تلك التغيرات الخارجية، مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

فعلى سبيل المثال، قد يكون تجاهل الأحداث التي تغيّر العالم عبر إطفاء الأخبار تكتيكًا فعّالًا. لكن عندما تؤثر الأحداث العالمية المؤثرة في مسار العالم تأثيرًا مباشرًا في حياة الشخص، مثل فقدان الوظيفة بسبب الذكاء الاصطناعي، أو العجز عن دفع الفواتير بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، فإن تكتيك «إغماض العين» يفشل.

وكما تشير مقالة The Guardian وكما كتبتُ عنه في كتابي وفي مواضع أخرى، فإن الانخراط المجتمعي يُعدّ أحد الأساليب الفعّالة التي تساعد الناس على الشعور بالرسوخ والسيطرة على حياتهم، على نحو يقيهم أو يحصّنهم من الآثار السيئة للفوضى والاضطراب الخارجيين. وتشمل الأنشطة التي يمكن أن تعزز شعور الشخص بالانخراط المجتمعي: التطوع، والتبرع، والاحتجاج؛ وكلها يمكن أن تربطه بأنظمة دعم وشبكات محلية غير رسمية.

إيجاد استجابات فردية ناجحة

كل فرد يحتاج إلى أن يجد أفضل السبل التي يستجيب بها، بحسب ما يشعر بالراحة تجاهه، وبحسب مهاراته وتجربته. فبعض الناس يعنيهم ذلك الانخراط عبر الكتابة. وبالنسبة لآخرين يكون ذلك في مجال الإبداع والفنون. وقد يجد آخرون انخراطًا فعّالًا عبر تنظيم الأنشطة المحلية أو مساعدة الآخرين في العثور على مساحات آمنة وشبكات دعم.

والقاسم المشترك في الاستجابات البنّاءة هو أنها تمنح الناس روابط شخصية أقوى داخل مجتمعاتهم. وقد تكون هذه الروابط محلية، أو بعيدة إلى الحد الذي تتيح فيه الاجتماعات والمحادثات الافتراضية دعمًا منتجًا مهمًا للحفاظ على الشعور بالاستقلالية أو استعادته.

المواقف السياسية قد تولّد القلق

إن مصدرًا مهمًا من مصادر ازدياد الفوضى الخارجية هو أفعال الحكومة وسياساتها وخطابها. أي إن قلق كثير من الناس يتسع بصورة كبيرة عندما ينظرون إلى التغيرات التي تقودها الحكومة على أنها خطوات لسلب استقلاليتهم. وينعكس هذا التصور في نسب تأييد الرئيس في استطلاعات الرأي، إذ إن معظم الناس يدعمون القادة الذين يخففون الضغط في حياتهم بدلًا من زيادة عدم اليقين والقلق.

أمثلة على أمور تزيد عدم اليقين والقلق

- سياسة اللقاحات، بما في ذلك قرار إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عدم مراجعة لقاح جديد للإنفلونزا، ثم تغيير ذلك القرار خلال 24 ساعة. فماذا يعني هذا بالنسبة إلى إتاحة اللقاحات مستقبلًا؟

- القبض على زعيم فنزويلا لأسباب قيل إنها تتعلق بتهريب المخدرات أو بالحصول على النفط.

- إجراءات الهجرة لاحتجاز وترحيل أشخاص غير موثقين، لكنها وفق تقارير أسفرت أيضًا عن اعتقال مواطنين أمريكيين وترحيلهم وقتلهم.

- هل سترتفع أسعار الفائدة والرهن العقاري أم ستنخفض؟

- هل كان الهجوم على إيران إجراءً استباقيًا لمنع هجمات في الولايات المتحدة أو على الدول الحليفة في الشرق الأوسط؟ وهل أصبح هناك الآن خطر متزايد لهجمات داخلية؟

- هل سيقفز التضخم مع أسعار النفط بسبب ما يجري في الشرق الأوسط؟

والقاسم المشترك هنا هو الارتفاع الحاد في مستوى عدم اليقين في حياة الناس، مع جرعة إضافية من القلق بشأن ما سيأتي لاحقًا، لأن التغيرات حدثت بسرعة وغالبًا بصورة غير متوقعة.

استجابات الناس لعدم اليقين وقلقهم

كان أحد الردود المرئية على القلق والشعور بفقدان الاستقلالية الناتجين عن الفوضى الخارجية المتزايدة وارتفاع عدم اليقين هو خروج ما يُقدَّر بنحو 7 ملايين شخص في الولايات المتحدة إلى فعاليات No Kings في أكتوبر 2025. وستتضح إلى أي مدى ازداد القلق منذ ذلك الحين في 28 مارس، حين ستقام مزيد من فعاليات No Kings في أنحاء الولايات المتحدة. (وحتى 19 مارس، كان هناك أكثر من 3000 فعالية مسجلة، والمتوقع أن يشارك في فعاليات 28 مارس ما بين 9 و10 ملايين شخص.) وإذا أخذنا في الاعتبار أنه في عام 2024 كان هناك نحو 267 مليون شخص فوق سن 18 عامًا في الولايات المتحدة، فهذا يعني أن نسبة المتوقَّع مشاركتهم في تلك الفعاليات على مستوى البلاد تتراوح بين 3.4 و3.8 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة. وتكتسب هذه النسبة أهمية لأن هناك بعض الأدلة على أنه عندما يشارك ما لا يقل عن 3.5 في المئة من السكان في احتجاجات غير عنيفة، فإن ذلك يمثل نقطة تحوّل لتغييرات اجتماعية أو ثقافية كبيرة.

ورغم أن مواجهة مصادر القلق قد تكون صعبة ومجهدة، فإنها قد تمنح الشخص شعورًا بأنه لم يفقد السيطرة على مصيره، وتساعده على الحفاظ على إحساس أقوى بالاستقلالية. ومنع الناس من الشعور بالعجز يمكن أن يؤدي إلى فوائد نفسية وجسدية إذا خفف القلق. وهو يشبه شعار نايكي التسويقي القديم: «فقط افعلها». وبالطبع، فإن ممارسة الرياضة نفسها قد تكون مفيدة للقلق والاكتئاب.

خلاصة واستنتاجات

كثير من الناس يشعرون بالقلق عندما تحدث تغييرات كبيرة بسرعة. وقد يُنظر إلى ذلك بوصفه اعتداءً على استقلاليتهم. وإن الإسراع الشديد في طرح السياسات والإجراءات من قبل الحكومات يسهم بصورة كبيرة في هذا القلق الناجم عن التغير السريع والشعور بفقدان الاستقلالية.

إن القلق طويل الأمد المتزايد سيئ لصحة الإنسان. فهو قد يؤدي إلى مشكلات نفسية أخرى، مثل الاكتئاب، فضلًا عن مشكلات جسدية ناتجة عن ارتفاع مستويات الكورتيزول، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم واضطراب وظائف الجهاز المناعي.

كما أن الانخراط المجتمعي والمقاومة عبر الفعل المدني اللاعنفي يمكن أن يساعدا الإنسان على الحفاظ على شعوره بالتحكم في حياته وإحساسه بالاستقلالية. وقد يساعدانه أيضًا على إدارة قلقه من العالم المتغير عبر زيادة روابطه داخل مجتمعه، وهي روابط قد تعمل بوصفها أنظمة دعم غير رسمية، فضلًا عن منحه مهام محددة يركّز عليها ويتحرك من خلالها.

* مايكل ميلر، دكتور في الطب (MD)، هو خبير في سياسات الرعاية الصحية والاتصال والمناصرة، ومؤلف كتاب "عكس المعلومات المضللة: كيف تساعد عائلتك وأصدقاءك ومجتمعك".

اضف تعليق