إن المجتمعات البشرية بحاجة إلى معالجة مشكلاتها المتعددة والمتغيرة، منها: مشكلة الفقر، والبطالة، والأمية، والصحة، والسكن، والطرق، والنظافة، والتصحر، والعنف الاجتماعي والأسري، والتوظيف وغيرها. وهذه المشكلات تختلف من دولة إلى دولة، ومن مجتمع إلى آخر.

وهناك عقد سياسي واجتماعي بموجبه تتحمل الحكومة -أي حكومة- مسؤولية حل تلك المشكلات ومعالجتها، وتلبية احتياجات المجتمع من طعام؛ وسكن؛ وتعليم؛ وصحة وبيئة سليمة وغيرها، من خلال ما تملكه من موارد مالية وبشرية، ومن صلاحيات وأدوات ووسائل تنفرد بها عن غيرها من الشخصيات المعنوية. ومع ذلك فان هناك توافق لدى جميع المجتمعات البشرية أن الحكومة مهما أتيت من قوة اقتصادية وبشرية لا تستطيع أن تحل جميع هذه المشكلات، أو تلبي جميع احتياجات الناس.

ولذلك؛ ظهرت حاجة إلى تدخل المجتمع نفسه في معالجة بعض تلك المشكلات، أو الحد منها، أو تلبية بعض احتياجاته، سواء بشكل منفرد أو بالتنسيق مع الحكومة ومشاركتها، فالمؤسسات العمومية تتولى القضايا الإستراتيجية المهمة التي يعجز المجتمع عن القيام بها، بينما يتولى المجتمع أفرادا أو جماعات أو تنظيمات القيام بمعالجة بعض تلك المشكلات، خاصة تلك التي تظهر فجأة وتأثر على علاقات المجتمع أو تحد من نشاطه.

مثل وجود أفراد لا يحصلون على طعام كاف؛ فيقوم السكان المحليون بمبادرة لتوفير الطعام لمن يحتاج إليه. ومثل وجود أفراد ليس له مسكن يأوون إليه؛ فيبادر بعض السكان المحليون بتوفير مسكن متواضع لهم. ومثل وجود أفراد مرضى لا يستطيعون الذهاب إلى المستشفيات؛ فيتبرع بعض السكان بالمال من أجل تمكينهم للذهاب إلى المستشفى لغرض العلاج. هذا بينما مسؤولية الدولة أن تضمن توافر كميات من الغذاء لعموم المواطنين في البلد، والتحقق من عدم حصول النقص المؤدي لحصول المجاعة. وبناء الدور السكنية للسكان المحليين أو تهيئة ما يستلزمه البناء من مواد أولية، وبناء المراكز الصحية والمستشفيات، وتهيئة الكوادر الطبية لتمكين عموم الناس من الذهاب إليها لغرض العلاج وهكذا.

هذا المبادرات المجتمعية التي يقوم بها أبناء المجتمع نفسه لمساعدة الآخرين وتلبية احتياجاتهم؛ تعرف باسم (الأعمال الخيرية) أو (الأعمال التطوعي) أو (المبادرات التطوعية) وهي كما لها قيمة إنسانية ودينية ومجتمعية فان لها أيضا قيمة اقتصادية من خلال مجموع الموارد المالية التي تنفق فيها من حساب الناس وأموالهم لا حساب الدولة، وما تؤول إليه من نتائج وآثار إيجابية لا تقدر بثمن.

بحسب إحصائيات الأمم المتحدة (تشــــير البيانــــات التجريبيــــة المتاحـــــة إلى المســـــاهمة الاقتصاديــة الكبــــيرة للعمـــل التطوعـــي. وتشـــير الدراســـات الاستقصائية التي أُجريـت في الولايـات المتحـدة الأمريكيـة إلى أن العمـل التطوعـي يعـادل ٩ ملايـــين وظيفــة تتطلــب تفرغــا بقيمــة ٢٢٥ بليــون دولار مــن دولارات الولايــات المتحــــدة سـنويا؛ وفي كنـدا تبلـــغ الأرقــام ١١,١ بليــون ســاعة ســنويا أو ٠٠٠ ٥٧٨ وظيفــة تتطلــب تفرغــا بقيمــــة مقـــدرة تبلـــغ ١١ بليون دولار من دولارات الولايات المتحدة؛ وفي هولنــدا تقضــى ٨٠٢ مليـــون ســـاعة ســـنويا مـــن العمـــل التطوعـــي أو ٠٠٠ ٤٥٥ وظيفـة تتطلـب تفرغـا تعــادل ٦٥,١٣ بليــون دولار مـن دولارات الولايـات المتحـدة. وفي المملكـة المتحـــدة تقـدر قيمـة العمـل التطوعـي بمـا يعـادل ٥٧ بليـون دولار مـــن دولارات الولايات المتحدة سنويا. وفي كوريـا الجنوبيـة تطـوع ٥٦٤٨٩٨٣ شخص بأكثر من ٤٥١ مليــون سـاعة في عـام ١٩٩٩ بقيمـة تتجـاوز بليـوني دولار مـن دولارات الولايـــات المتحدة. وبينما تختلف منـهجيات الحسـاب مـن بلـد إلى آخـر مما يجعل المقارنات غير موثوق بها، فإنه حيثما توجد البيانـات يعتقـد أن العمـل التطوعـي يسـتأثر بمـا يـتراوح بـين ٨ في المائـة و١٤ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي).

ليس ثمة شك أن قطاع العمل التطوعي أو المبادرات التطوعية التي يقوم بها المجتمع هي من الناحية الاقتصادية مكمل لما يقوم به كل من القطاعين العام والخاص في تحقيق التنمية الاقتصادية، وعليه فله مردود اقتصادي مهم ينعكس على حياة الناس مباشرة. ليس هذا وحسب، بل تشير الدراسات إلى أن العائد المالي المستخدم في القطاع التطوعي أفضل بالعديد مـن المـرات مـن عائـد المـال الـذي يسـتخدمه القطـاع الحكـومي عنـد تقديمـه للخـدمات الاجتماعيـة، كمـا أن التكلفـة غــير المباشــرة لخــدمات القطــاع الحكــومي في المال الاجتمــاعي تزيــد عــن (70%) بينمــا هــي لــدى التنظيمات التطوعية الجماعية لا تتجاوز (10%).

ولا يخفى أن الأعمال التطوعية تقوم بدور اقتصادي مهم من خلال عدالة توزيع الدخل بين أفراد المجتمع، وإن كان هذا الدور غير واضح حتى لمن يقومون بالأعمال التطوعية والمبادرات التطوعية، فمعروف أن عـدم العدالـة في توزيـع الـدخل بـين أفـراد المجتمع مـن معيقـات التنميـة الاقتصـادية، ومن أكثر أسباب التخلف، الأمر الذي يوقع المجتمع فيمـا يسـمى بالثنائيـة الاجتماعيـة، إذ يصـبح المجتمع منقسما إلى مجموعتين متمايزتين: المجموعة الأولى هي فئـة محـدودة تمثـل الطبقـة الغنيـة، وهـي الـتي تسـتأثر بنصـيب الأسـد مـن الـدخل والثــروة، وتتصـدر القيـادة السياسـية والإداريـة في الـدول الناميـة.

وتمثل المجموعة الثانيـة أغلبيـة السكان الذين يعانون من الفقر وانتشار الأمية والمرض وارتفاع معدل النمـو السـكاني، مما يجعل تحقيق الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي أمـرا صـعبا، ويزيد الأمـر ســوءا ذلــك الصــراع الثقــافي بــين تلــك الفئتين، مما يجعــل تلــك الــدول عرضــة لعــدم الاســتقرار السياســي والاقتصادي.

وهنا يأتي دور الأعمال التطوعية، حيث تـــؤدي الأعمـــال التطوعيـــة إلى تحقيـــق المزيـــد مـــن العدالـــة في توزيـــع الـــدخل بـــين أفـــراد المجتمع، وتعمل النفقات الخيرية والتي تنقل الدخل من الأغنياء إلى الفقـراء علـى تقليـل تلـك المسـاحة، أي أنها تحقـق مزيـدا مـن العدالـة في توزيـع الدخل، الأمر الـذي يقلـل مـن الطبقيـة، ويعمـل علـى إزالـة الثنائيـة الاجتماعية من المجتمع.

والعمـــل التطـــوعي بوجـــه عـــام يجمـــع الطاقـــات المهـــدرة، ويســـخرها لخدمـــة البنـــاء والتنميـــة الاقتصادية من خلال المؤسسات والمنظمـات والهيئـات الخيريـة؛ لـذا حرصـت الـدول المتقدمـة علـى ترسـيخ مفهـوم العمــل التطـوعي، والحــث عليـه بــين جميـع الفئــات والشـرائح الاجتماعيــة المختلفـة، وخلــق المنــاخ الملائـم لتشـجيع كـل الأفـراد للعطـاء والإبداع، وتخصـيص إدارة عامـة متخصصـة لتحديـد الحالات التي يمكن من خلالها التطوع والإبداع، وخلق الحوافز المادية والمعنوية؛ لرفع نسبة المتطوعين في شتى المجالات.

ويمكن تطوير المبادرات التطوعية إلى أسواق وفرص عمل حقيقية ومنتجة ودائمة، مثل المهن والأعمال المتصلة بالحياة اليومية والأعمال والخدمات المحيطة بها في التعليم والرعاية الصحية والطاقة والحرف الأساسية المتصلة بحياة الناس اليومية. وهكذا تطور المبادرات الطوعية إلى حرف وأسواق عمل منتجة، ثم يتحول المشاركون فيها إلى قادة ونشطاء اجتماعيين يضيفون معنى إلى حياتهم وشعورًا بالرضا والتكامل الاجتماعي، وقد يتقدم بعضهم في القيادة الاجتماعية والاقتصادية، فيمكن أن نجد من هؤلاء أعضاء في المجالس البلدية والأندية والمؤسسات والبرامج الثقافية والفنية.

وبالتـالي؛ يتضـح لنــا بـان النظـرة الحديثــة للعمـل التطـوعي هــو اعتبـاره رأس المــال الاجتماعي، وهو مجموعة طاقات بشرية وتفـاعلات تتضـافر معًـا لتحقيـق أهـداف مشـتركة، وبشـكل إرادي وتلقائي، بعيدا عن احتكار الدولة، وتوظف فيه قـيم ورمـوز وتفـاعلات واتصـالات وسـلوكيات تـؤثر إيجابيا على حياة الناس وتكون سببا في تحقيق التنمية الاجتماعية المستدامة.

نلخص مما تقدم:

1. إن تطور الظروف المعيشية وتعقد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتطورات التكنولوجية المتسارعة أملت واقعاً صعباً جعلت من الدول تقف عاجزة أحياناً عن مجاراتها، الأمر الذي يستدعي تضافر كافة جهود المجتمع لمواجهة هذه الأوضاع، ومن هذا المنطلق يظهر دور العمل التطوعي كفاعل داعم للعمل الحكومي الرسمي.

2. يُعتبر العمل التطوعي من أهم الوسائل المستخدمة للمشاركة في النهوض بمكانة المجتمعات في عصرنا الحالي، ويكتسب العمل التطوعي أهمية متزايدة يوماً بعد يوم، ذلك أن الحكومات سواء في البلدان المتقدمة أو النامية، لم تُعد قادرة على سد احتياجات أفرادها ومجتمعاتها في ظل تزايد الاحتياجات الاجتماعية.

3. عند الحديث عـن الأهميـة الاقتصـادية للتطـوع لا بـد مـن الإشـارة إلى قطاع العمل التطوعي والمبادرات التطوعية هو قطاع مكمل للقطاعين العام والخاص في المشاركة في العمليـة التنمويـة الـتي أصـبح هـدفها الإنسـان في النهايـة.

4. من أهم الإشكاليات التي تواجه السياسات الاقتصادية الحكومية في كل بلدان العالم توفير الوظائف للمواطنين والعمل التطوعي بدوره التنموي أسهم في علاج هذا الأمر من خلال توفير العديد من الوظائف وتجاوزت هذه المساهمة خلق الوظائف (رغم أهمية ذلك) لترتبط بنوعيتها التي تتميز بعلاقتها المباشرة مع احتياجات المجتمع الحقيقية.

5. إن العمل التطوعي له مردود إيجابي على الاقتصاد الوطني، وهذا يعني أن العمل التطوعي استثمار اقتصادي ناجح. لذا علينا تأصيل القيم والمبادئ الوطنية من خلال ثقافة تعمل على ترسيخ العمل التطوع وتفعيله بين أفراد المجتمع والمؤسسات تبدأ من المدارس الابتدائية وحتى مستوى الجامعة.

6. يُسهم العمل التطوعي كغيره من القطاعات في الدخل الوطني، حيث أن هذا القطاع يسهم في تقديم خدمات ملموسة في مجال البيئة والصحة والتربية، ومساعدة المحتاجين بما في ذلك المعوقين والأطفال والنساء والعجزة والمقعدين وكبار السن، فانطلاقاً من الآثار الاجتماعية للتطوع، فهناك آثار اقتصادية للعمل التطوعي انطلاقاً من أن:

- الإقرار أن البعد الاجتماعي يُعد السبيل الأمثل لتحقيق التنمية الاقتصادية، ومن ثم فإن تنمية المجتمع تعد أحد أهم ركائز التنمية الشاملة.

- يُسهم في تنمية مفهوم الشراكة بين مؤسسات الدولة الرسمية وبين منظمات المجتمع المدني.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق