الاستقرار يبدأ من جيب المواطن وأمانه الشخصي. لا يمكن للحكومات أن تتحدث عن مشاريع كبرى أو تحولات رقمية بينما يعاني المواطن من تأمين سكن أو يخشى السير في الشارع ليلاً. النجاح السياسي لن يُقاس ببراعة الخطاب، بل بالقدرة على خفض تكلفة المعيشة، وتوفير وظائف ذات معنى، وإعادة الهيبة للقانون...
يستعرض هذا التقرير التحليلي الموسوم بـ "أهم مشكلة في العالم: ما يحتاج الناس من القادة سماعه في عام 2026"، رؤية شاملة لأولويات الشعوب وتطلعاتها في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة. التقرير هو ثمرة تعاون استراتيجي بين القمة العالمية للحملات (World Governments Summit) ومنظمة جالوب (Gallup) العالمية، حيث استند في بياناته إلى استطلاعات رأي مكثفة شملت أكثر من 107 دول حول العالم.
يهدف هذا العمل إلى تقديم بوصلة لصناع القرار، بأن القضايا الاقتصادية (بنسبة 23%) لا تزال تهيمن على المشهد، يتبعها القلق من جودة العمل والبطالة (10%)، ثم الاستياء من الأداء السياسي (8%)، وصولاً إلى تحديات الأمن والسلامة (7%). تكمن القيمة الجوهرية لهذا التقرير في كشفه للفجوة بين مؤشرات النمو الرسمية وبين "الشعور الفردي" بالرفاهية، مما يضع القادة أمام مسؤولية تاريخية لإعادة بناء الثقة المؤسسية من خلال تحسين الخدمات المحلية وتأمين المتطلبات الأساسية للمواطنين.
أولاً: الملخص التنفيذي
يرسم تقرير "أهم مشكلة في العالم لعام 2026" صورة دقيقة ومعقدة لأولويات البشرية في مرحلة تتسم بالاضطرابات المتزايدة. استند التقرير إلى استطلاعات رأي شملت 107 دول، حيث طُرح على المشاركين سؤال مفتوح حول المشكلة الأكثر إلحاحاً التي تواجه بلدانهم.
تظهر النتائج أن الاقتصاد هو الشاغل الأول عالمياً؛ حيث اعتبره 23% من البالغين المشكلة الأهم، مع وجود ارتباط وثيق بين مستوى دخل الدولة ونوعية المخاوف الاقتصادية. ففي الدول الفقيرة، تبرز الحاجة لتأمين الغذاء والمأوى، بينما تركز الدول الغنية على تكاليف المعيشة والإسكان.
كما كشف التقرير أن تحديات العمل تأتي في المرتبة الثانية بنسبة 10%، مشيراً إلى أن الأزمة لا تكمن فقط في البطالة، بل في "جودة الوظائف" وغياب الاندماج الوظيفي. في المرتبة الثالثة، جاءت القضايا السياسية والحوكمة بنسبة 8%، تليها مخاوف الأمن والسلامة بنسبة 7%، والتي تطغى بشكل كامل في الدول التي تعاني من صراعات مسلحة.
تحليل تفصيلي لأولويات العالم في 2026:
1. الضغوط الاقتصادية: الشعور يتجاوز الأرقام
يشير التقرير إلى فجوة كبيرة بين مؤشرات النمو الاقتصادي الكلي (مثل الناتج المحلي الإجمالي) وبين الواقع المعيشي للأفراد. لا يهتم الناس بمعدلات النمو بقدر اهتمامهم بقدرة أسرهم على مواجهة ارتفاع الأسعار.
* الفئات الأكثر تضرراً: الشباب (15-34 عاماً) والنساء هم الأكثر قلقاً بشأن المستقبل الاقتصادي، خاصة في الدول ذات الدخل المنخفض حيث تعاني النساء من انعدام أمن اقتصادي حاد.
* أزمة السكن: برزت أزمات الإسكان كعنصر ضغط رئيسي حتى في الدول الغنية مثل أيرلندا، وأستراليا، وكندا، حيث تراجعت الرضا عن توفر سكن بأسعار معقولة بشكل حاد.
2. العمل والتوظيف: ما وراء توفير الوظيفة
تتجاوز مخاوف العمل مجرد الحصول على وظيفة؛ إذ يسلط التقرير الضوء على "تكلفة عدم الاندماج". يُقدر التقرير أن تحويل القوى العاملة العالمية إلى قوى "مندمجة" وفاعلة قد يضيف نحو 9.6 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي. في دول مثل فنلندا، أصبحت البطالة وتراجع الفرص الوظيفية تحدياً يهدد حتى أكثر المجتمعات سعادة.
3. السياسة وفقدان الثقة بالمؤسسات
في الدول المتقدمة، غالباً ما يُنظر إلى "السياسة" على أنها هي المشكلة. يرتبط هذا الشعور طردياً بضعف الثقة في المؤسسات الوطنية (الحكومة، القضاء، والانتخابات). ويوضح التقرير أن الأشخاص الذين لا يثقون بمؤسسات بلدانهم هم أكثر عرضة بمرتين لاعتبار السياسة التحدي الأكبر مقارنة بأولئك الذين يثقون بها.
4. الأمن والسلامة: القاعدة الأساسية للنمو
في مناطق النزاع مثل أوكرانيا (حيث بلغت نسبة القلق الأمني 83%) وإسرائيل، يتراجع كل شيء أمام تأمين الحياة. كما رصد التقرير تنامي المخاوف الأمنية في دول كانت تُعد مستقرة تاريخياً مثل كوستا ريكا وتشيلي، نتيجة تصاعد العنف المرتبط بتجارة المخدرات.
الخلاصة للقادة
يؤكد التقرير أن بناء الثقة لا يبدأ من الأرقام الكبرى، بل من تحسين الخدمات المحلية (الإسكان، الصحة، التعليم). يجب على القادة إدراك أن الأمن والاستقرار هما الأساس الذي لا يمكن بدونه معالجة أي أزمات اقتصادية أو سياسية أخرى.
ثانياً: الأولويات العالمية - تحليل معمق لعام 2026
في عالم يتسم بالترابط الرقمي والاضطراب السياسي، تبرز "الأولويات العالمية" كبوصلة توجه القادة نحو ما يهم المواطن البسيط. يكشف التقرير أن هناك أربع فئات كبرى تستحوذ على أكثر من 50% من إجابات المشاركين حول العالم، وهي: الاقتصاد، العمل، السياسة، والأمن.
1. الهيمنة الاقتصادية: الخوف من الغلاء وفقدان الاستقرار
يظل الاقتصاد هو المحرك الأول للقلق العالمي بنسبة (23%). ولكن، ما يعنيه "الاقتصاد" يختلف جذرياً من منطقة إلى أخرى.
* في الدول المتقدمة: تتمحور الأولوية حول "تكلفة المعيشة". التضخم الذي أعقب الأزمات العالمية جعل الطبقات الوسطى تشعر بضيق مالي لم تعهده منذ عقود. لم يعد المواطن في أوروبا أو أمريكا الشمالية يكتفي بنمو الناتج المحلي، بل يسأل: "هل أستطيع دفع فواتير الطاقة؟".
* في الدول النامية: الاقتصاد يعني "البقاء". هنا، تبرز مشكلات الجوع، نقص السلع الأساسية، وانهيار العملات المحلية. في أفريقيا وجنوب آسيا، الاقتصاد ليس رقماً في البورصة، بل هو القدرة على شراء الرغيف والدواء.
2. العمل والتوظيف: أزمة الجودة والفرص
تأتي قضايا العمل في المرتبة الثانية بنسبة (10%). المثير للاهتمام في عام 2026 هو أن القلق لا ينصب فقط على "البطالة" (عدم وجود عمل)، بل على "نوعية العمل".
* البطالة الهيكلية: يعاني الشباب في مناطق كثيرة من عدم مواءمة مهاراتهم مع متطلبات السوق الجديدة، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي كلاعب أساسي.
* ظاهرة الاحتراق الوظيفي: يشير التقرير إلى أن نسبة كبيرة من العاملين يشعرون بالانفصال العاطفي عن وظائفهم، مما يؤدي إلى خسائر إنتاجية عالمية هائلة. الناس يريدون وظائف تضمن لهم الكرامة والأمان المستقبلي، لا مجرد دخل شهري.
3. السياسة والحوكمة: أزمة الثقة في القيادة
بنسبة (8%)، برزت السياسة كعائق أمام التطور في نظر الشعوب. في العديد من الدول، لم يعد الناس يرون في حكومتهم حلاً، بل يرونها "المشكلة".
* الفساد المستشري: في دول أمريكا اللاتينية وأجزاء من آسيا، يعتبر الفساد الإداري هو العقبة الأولى التي تمنع وصول الموارد لمستحقيها.
* الاستقطاب السياسي: في الولايات المتحدة وأوروبا، أدت الانقسامات الحزبية الحادة إلى شلل في اتخاذ القرارات، مما جعل المواطن يشعر بأن النظام السياسي "محطم" وغير قادر على مواجهة التحديات الكبرى مثل التغير المناخي أو إصلاح النظام الصحي.
4. الأمن والسلامة: العودة إلى الأساسيات
في المرتبة الرابعة بنسبة (7%)، تبرز الحاجة للأمان. هذا الرقم مرشح للارتفاع الحاد في بؤر التوتر.
* الصراعات المسلحة: في مناطق مثل أوكرانيا والشرق الأوسط، يختفي القلق الاقتصادي ليحل محله سؤال واحد: "هل سننجو اليوم؟". الأمن هنا هو الأولوية المطلقة التي تسبق الرغيف.
* الجريمة المنظمة: في دول مثل الإكوادور والمكسيك، أصبح العنف المرتبط بالعصابات وتهريب المخدرات يمثل التهديد الأكبر للاستقرار الاجتماعي، مما يعيق الاستثمار ويؤدي إلى هجرات جماعية.
5. الرعاية الصحية والبيئة: الأولويات الصامتة
رغم تراجعهما خلف الاقتصاد والسياسة، إلا أن الصحة والبيئة تشكلان قلقاً طويل الأمد.
* النظم الصحية: أظهرت سنوات ما بعد الجائحة هشاشة الأنظمة الصحية حتى في الدول الغنية. قوائم الانتظار الطويلة ونقص الكوادر الطبية أصبحت شكوى عالمية.
* التغير المناخي: بدأت الشعوب في المناطق المتضررة من الجفاف أو الفيضانات (مثل باكستان ودول الساحل الأفريقي) تضع "المناخ" كأولوية قصوى لأن أثره أصبح مباشراً على أمنهم الغذائي ومساكنهم.
6. التحليل الجغرافي للأولويات
* أمريكا الشمالية: هي المنطقة الوحيدة التي تتصدر فيها "السياسة والحوكمة" قائمة الهموم، متجاوزة الاقتصاد. هذا يعكس حالة الاستقطاب العميقة.
* أفريقيا جنوب الصحراء: يطغى الفقر والاحتياجات الأساسية والبطالة على المشهد، مع تزايد المخاوف من عدم الاستقرار السياسي.
* الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: تدمج الأولويات هنا بين ضغوط التضخم (الاقتصاد) والرغبة في إصلاحات إدارية ومكافحة الفساد.
الخلاصة: رسالة من الشعوب إلى القادة
إن ترتيب هذه الأولويات يرسل رسالة واضحة: "الاستقرار يبدأ من جيب المواطن وأمانه الشخصي".
لا يمكن للحكومات أن تتحدث عن مشاريع كبرى أو تحولات رقمية بينما يعاني المواطن من تأمين سكن أو يخشى السير في الشارع ليلاً. إن "أهم مشكلة في العالم" في عام 2026 هي في الحقيقة "مجموعة من الأزمات المتداخلة" (Polycrisis) التي تتطلب حلولاً شمولية لا تكتفي بعلاج الأعراض، بل تنفذ إلى عمق الأزمات الهيكلية في الاقتصاد والحوكمة.
إن النجاح السياسي في المرحلة القادمة لن يُقاس ببراعة الخطاب، بل بالقدرة على خفض تكلفة المعيشة، وتوفير وظائف ذات معنى، وإعادة الهيبة للقانون والمؤسسات. بدون معالجة هذه "الأولويات العالمية"، سيظل العالم يعيش في حالة من "عدم اليقين" المستدام.
ثالثاً: التحليل الإقليمي والقائم على الدخل - خارطة الهموم العالمية
يكشف التحليل العميق للبيانات أن جغرافيا المكان ومستوى الدخل القومي هما المحددان الأساسيان لما يصفه المواطن بأنه "أهم مشكلة". هذا التباين يفرض على القادة تبني حلولاً محلية بدلاً من اتباع نماذج عالمية موحدة.
1. التباين الإقليمي: القارات تتحدث بلغات مختلفة
عند النظر إلى الخارطة العالمية، نجد أن الاقتصاد هو القاسم المشترك، لكن التفاصيل تختلف:
* أمريكا الشمالية (الاستثناء السياسي): هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لا يتصدر فيها الاقتصاد القائمة. بدلاً من ذلك، تبرز "السياسة والحكومة" كأكبر تحدٍ. يعكس هذا حالة الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة وكندا، حيث يرى المواطنون أن الشلل السياسي وسوء الإدارة هما العائق الأكبر أمام حل أي مشكلات أخرى.
* أفريقيا جنوب الصحراء (صراع البقاء): هنا تأخذ المشكلات طابعاً وجودياً. تبرز "الاحتياجات الأساسية" (الغذاء والمأوى) والبطالة كأولويات مطلقة. في هذه المنطقة، يرتبط الاقتصاد مباشرة بالقدرة على تأمين الوجبة التالية، وتعتبر الفجوة في البنية التحتية والفرص الوظيفية للشباب قنبلة موقوتة يخشاها الجميع.
* أوروبا (أزمة التكلفة والضمان الاجتماعي): يركز الأوروبيون بشكل مكثف على "التضخم" وارتفاع تكاليف الطاقة. كما تبرز قضايا الرعاية الصحية والهجرة كعناصر ضغط سياسي واجتماعي تؤثر على استقرار الحكومات.
* الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الاقتصاد والفساد): تمزج هذه المنطقة بين القلق من ارتفاع الأسعار (خاصة في الدول غير النفطية) والمطالبة بإصلاحات إدارية ومكافحة الفساد. كما يظل الأمن أولوية قصوى في الدول التي تعاني من عدم استقرار سياسي أو نزاعات مسلحة.
2. التحليل القائم على الدخل: الفقر يحدد الأولويات
يقسم التقرير الدول إلى أربع مجموعات بناءً على تصنيف البنك الدولي للدخل، وتظهر النتائج ترابطاً وثيقاً بين مستوى ثراء الدولة ونوعية القلق الشعبي:
* الدول ذات الدخل المنخفض: تتركز الهموم حول "الاحتياجات البشرية الأساسية". المشاكل هنا ليست "أرقاماً في البورصة"، بل هي الجوع، ونقص المياه النظيفة، وغياب الكهرباء. الاقتصاد هنا يعني "الفقر المدقع"، والعمل يعني "القدرة على كسب القوت اليومي".
* الدول ذات الدخل المتوسط (الأدنى والأعلى): هذه الدول تعيش في مرحلة "الانتقال القلق". تبرز فيها مشكلات "البطالة" بشكل حاد، حيث تطمح القوى العاملة لوظائف أفضل لكنها تصطدم بضعف الاستثمارات أو الفساد الإداري. في هذه الدول، يطالب الناس بـ "العدالة الاجتماعية" وتوزيع الثروة بشكل أكثر توازناً.
* الدول ذات الدخل المرتفع: هنا تتحول المشكلات إلى "جودة الحياة" و"كفاءة النظام". تبرز "السياسة" و"الإسكان" و"الرعاية الصحية" كأولويات. المواطن في هذه الدول لا يخشى الجوع، بل يخشى عدم القدرة على شراء منزل، أو تدهور جودة التعليم، أو انعدام كفاءة الحكومة في إدارة الأزمات الكبرى.
3. مفارقة الناتج المحلي الإجمالي
من أهم النتائج التي توصل إليها التحليل هي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) لا يؤدي دائماً إلى تقليل قلق الناس بشأن الاقتصاد.
* في دول مثل الهند أو فيتنام، رغم تحقيق معدلات نمو قوية، لا يزال القلق الاقتصادي مرتفعاً بسبب التضخم وعدم وصول ثمار النمو لجميع الفئات.
* هذا يؤكد أن الناس لا يحكمون على الاقتصاد من خلال "بيانات الحكومة"، بل من خلال "المحفظة الشخصية". إذا كانت الأسعار ترتفع أسرع من الأجور، فسيظل المواطن يعتبر الاقتصاد هو مشكلته الأولى مهما كانت الأرقام الكلية إيجابية.
4. الأمن كمتغير عابر للدخل
رغم أن الدخل يفسر الكثير، إلا أن "الأمن" يكسر هذه القواعد. نجد دولاً ذات دخل متوسط أو مرتفع تضع الأمن كأولوية قصوى بسبب الجريمة المنظمة (كما في بعض دول أمريكا اللاتينية) أو بسبب التهديدات الجيوسياسية.
* في أوكرانيا وإسرائيل، يتساوى الجميع في وضع "الأمن" كأهم مشكلة بغض النظر عن مستواهم المادي.
* في تشيلي وكوستاريكا، أدى تصاعد عنف عصابات المخدرات إلى جعل "الأمن" يتقدم على قضايا الرفاهية الاقتصادية التي كانت تتصدر المشهد سابقاً.
5. الخلاصة التحليلية للقادة
إن فهم التباين الإقليمي والقائم على الدخل هو المفتاح لصياغة سياسات ناجحة.
* في المناطق الفقيرة: يجب أن يكون التركيز على "الأمن الغذائي" و"البنية التحتية الأساسية".
* في المناطق الغنية: يجب أن يكون التركيز على "إصلاح المؤسسات السياسية" و"توفير السكن الميسر".
* عالمياً: هناك حاجة ماسة لربط النمو الاقتصادي بالرفاه الفردي؛ فالاقتصاد الذي ينمو على الورق بينما تئن الشعوب تحت وطأة التضخم هو اقتصاد يولد الانفجارات السياسية.
إن رسالة الشعوب في عام 2026 واضحة: "سياقنا المحلي يحدد معاناتنا، وعلى القادة أن يستمعوا لتفاصيل واقعنا لا لمجرد متوسطاتنا الإحصائية". إن معالجة "أهم مشكلة" تتطلب عدسة مكبرة تفهم خصوصية كل إقليم وتستجيب للاحتياجات الاقتصادية بناءً على مستوى الدخل الحقيقي للأفراد.
رابعاً: القسم الأول - الضغوط الاقتصادية: ما وراء الأرقام الكلية
يحتل الاقتصاد المرتبة الأولى كأكبر مشكلة وطنية في 71 دولة من أصل 107 شملها الاستطلاع. وبينما تختلف حدة هذا القلق ونوعه، إلا أنه يظل القاسم المشترك الذي يوحد شعوب الأرض في عام 2026.
1. الفجوة بين "أرقام النمو" و"واقع المعيشة"
واحدة من أبرز النتائج التي كشف عنها التقرير هي "مفارقة النمو". أثبتت البيانات أن نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) الأخير ليس له علاقة ذات دلالة إحصائية باحتمالية تسمية الناس للاقتصاد كأكبر مشكلة.
* الواقع الشخصي مقابل الإحصاءات: يعتمد الناس في تقييمهم للاقتصاد الوطني على تصوراتهم الشخصية لتمويل أسرهم. فمن يشعرون بـ "العيش المريح" هم الأقل قلقاً، بينما تزداد المخاوف لدى من يجدون صعوبة في تلبية احتياجاتهم.
* رسالة للقادة: لا يكفي أن تكون الأرقام الكلية إيجابية؛ فالمصداقية الاقتصادية للحكومات تعتمد على مدى ترجمة هذا النمو إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية للأفراد، وليس مجرد أرقام على ورق.
2. الدخل القومي ونوع المعاناة
يرتبط مستوى ثراء الدولة ارتباطاً وثيقاً بنوع "المشكلة الاقتصادية" التي يشكو منها المواطن:
* الدول ذات الدخل المرتفع: تبلغ نسبة القلق الاقتصادي حوالي 21%، وتتمحور حول تكاليف المعيشة والإسكان.
* الدول ذات الدخل المنخفض: تقفز النسبة إلى 38%، حيث يذكر 14% من هؤلاء السكان صراحةً "الاحتياجات الأساسية" مثل الغذاء والمأوى كأكبر تحدٍ، وهي نسبة أعلى بكثير من أي مجموعة دخل أخرى.
* أمثلة صارخة: في دول مثل ملاوي، وبوليفيا، وفنزويلا، يرى أكثر من نصف السكان أن الاقتصاد هو المشكلة الوحيدة والأهم، نظراً لانهيار العملات أو نقص الغذاء الحاد.
3. الديموغرافيا: من هم الأكثر قلقاً؟
لا يتوزع القلق الاقتصادي بالتساوي بين السكان، بل يتركز في فئات معينة:
* جيل الشباب (15-34 عاماً): يعاني الشباب من أعلى مستويات القلق الاقتصادي عالمياً بنسبة 34%. تظهر هذه الفجوة الجيلية بوضوح أكبر في الدول الغنية مثل نيوزيلندا، وكندا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، حيث يشعر الشباب أن الاقتصاد "يفشل في خدمتهم" رغم رخاء مجتمعاتهم.
* النساء: تزيد احتمالية ذكر النساء للاقتصاد كأهم مشكلة (35%) مقارنة بالرجال (31%). تتسع هذه الفجوة بشكل درامي في الدول الفقيرة (مثل النيجر وميانمار وباكستان) حيث تواجه النساء انعدام أمن اقتصادي حاد.
* مستوى الرفاهية: الأشخاص الذين يصنفون حياتهم ضمن فئة "المعاناة" (Suffering) هم الأكثر قلقاً اقتصادياً بنسبة 36%، مقارنة بـ 30% فقط لمن يعيشون في حالة "ازدهار" (Thriving).
4. أزمات السكن في قلب الرخاء
سلط التقرير الضوء على ظاهرة فريدة: دول غنية جداً لكن مواطنيها يشتكون من عدم القدرة على تأمين "الاحتياجات الأساسية" بسبب تكلفة السكن.
* إيرلندا، أستراليا، وكندا: رغم ثرائها، تبرز هذه الدول ضمن العشرة الأوائل عالمياً في الشكوى من عدم القدرة على تأمين السكن والمأوى.
* تراجع الرضا: تراجعت نسبة الرضا عن توفر سكن بأسعار معقولة في هذه الدول الثلاث لتصل إلى 25% فقط في عام 2025. وهذا يثبت أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يكون حاداً حتى في أرقى الاقتصادات عندما تصبح الاحتياجات الأساسية غير قابلة للتحقيق.
5. الخلاصة: ماذا يعني هذا للقادة؟
يوجه القسم الأول من التقرير رسالة تحذيرية:
1. الأمن الغذائي أولاً: في الدول الفقيرة، الأولوية القصوى هي تأمين الغذاء والمأوى.
2. سد الفجوة الجيلية: في الدول الغنية، يجب معالجة أزمات السكن وتوفير فرص متكافئة للشباب الذين يشعرون بالإقصاء الاقتصادي.
إن الاقتصاد في عام 2026 ليس مجرد مؤشرات بورصة، بل هو "شعور بالأمان" يفتقده الملايين حول العالم، مما يتطلب من القادة التحول من لغة "الأرقام الكلية" إلى لغة "تحسين جودة الحياة اليومية".
خامساً: القسم الثاني - تحديات التوظيف والعمل: أزمة الجودة والاندماج
تأتي قضايا العمل والتوظيف في المرتبة الثانية عالمياً كأهم مشكلة وطنية بنسبة (10%). ومع ذلك، يكشف التقرير أن هذه النسبة تخفي وراءها تعقيدات تتجاوز مجرد معدلات البطالة الرسمية، لتصل إلى صلب العلاقة بين الإنسان وعمله.
1. التفاوت بناءً على دخل الدولة
تتأثر المخاوف المتعلقة بالعمل بشكل مباشر بمستوى الدخل القومي للدولة، ولكن ليس بشكل خطي بسيط:
* الدول ذات الدخل المرتفع: تبلغ نسبة القلق 4% فقط. في هذه المجتمعات، توفر شبكات الأمان الاجتماعي والأنظمة الاقتصادية المستقرة نوعاً من الحماية، مما يجعل العمل أقل إلحاحاً كمشكلة وطنية كبرى مقارنة بالسياسة أو الاقتصاد.
* الدول ذات الدخل المتوسط (الأدنى والأعلى): تشهد هذه الدول ذروة القلق، حيث تصل النسبة إلى 20% في الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى. يعكس هذا تطلعات الطبقات العاملة التي تسعى للاستقرار في اقتصادات تنمو لكنها لا توفر فرصاً كافية أو عادلة للجميع.
* الدول ذات الدخل المنخفض: تنخفض النسبة إلى 13%. والسبب ليس تحسن سوق العمل، بل لأن "البقاء" وتأمين الاحتياجات الأساسية (الغذاء والمأوى) يطغى على التفكير في جودة أو توفر العمل.
2. ما وراء البطالة: البحث عن "الوظيفة الجيدة"
يوضح التقرير أن هناك علاقة واضحة بين معدلات البطالة المرتفعة وزيادة القلق الشعبي. ومع ذلك، فإن البطالة وحدها لا تفسر كل شيء.
* المفارقة الفردية: المثير للدهشة هو أن الأشخاص العاملين فعلياً والذين هم خارج القوة العاملة (مثل المتقاعدين والطلاب) يتساوون في نسبة قلقهم بشأن العمل (10% لكل منهما).
* الوعي النظامي: هذا يعني أن الناس لا يقلقون فقط من "فقدان وظائفهم"، بل يعبرون عن قلق تجاه "النظام العمالي" ككل، بما في ذلك ركود الأجور، غياب الأمان الوظيفي، وظروف العمل غير المنصفة.
* الوظائف الجيدة: تبرز ندرة "الوظائف الجيدة" كعامل محبط عالمياً. الوظيفة الجيدة هي التي توفر دخلاً لائقاً، حقوقاً، واستقراراً مستداماً، وهو ما يفتقده الملايين حتى في الاقتصادات النامية.
3. تكلفة "عدم الاندماج" الوظيفي
يسلط التقرير الضوء على مفهوم "الاندماج الوظيفي" (Employee Engagement)، وهو مدى الالتزام العاطفي للموظف تجاه منظمته وأهدافها.
* الواقع العالمي الصادم: كشف تقرير "حالة مكان العمل العالمي 2025" أن 21% فقط من الموظفين مندمجون في عملهم، بينما الغالبية العظمى (62%) غير مندمجين، و17% غير مندمجين بفعالية (نشطون في التعبير عن عدم رضاهم).
* الخسارة الاقتصادية: هذا الغياب للشغف والالتزام ليس مجرد مشكلة نفسية؛ بل هو استنزاف اقتصادي هائل. يقدر التقرير أن تحويل القوى العاملة العالمية إلى قوى مندمجة تماماً قد يضيف 9.6 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي، ما يعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
4. حالة دراسية: فنلندا - عندما يصبح العمل أولوية في بلد السعادة
رغم تصنيفها كواحدة من أسعد دول العالم، برزت فنلندا كحالة استثنائية حيث ذكر 17% من مواطنيها أن "العمل" هو المشكلة الأكبر، وهي نسبة تفوق بأربعة أضعاف متوسط الدول الغنية.
* أدى ارتفاع معدلات البطالة إلى أعلى مستوياتها في عقد من الزمان (وصلت لـ 10.3% في 2025) إلى انهيار التفاؤل المحلي بفرص العمل.
* تثبت الحالة الفنلندية أن استقرار الرفاهية الاجتماعية لا يغني عن الحاجة لأسواق عمل حيوية توفر الأمل والفرص للنمو الشخصي والمادي.
5. ما الذي يحتاجه الناس من قادتهم؟
يختتم هذا القسم برسائل واضحة لصناع القرار:
1. تجاوز لغة الأرقام: خلق الوظائف الكمي (مجرد تقليل نسبة البطالة) لا يكفي؛ فالناس يطالبون بكرامة العمل وجودته.
2. تعزيز الاندماج: يجب على الحكومات والشركات العمل معاً لتحسين بيئات العمل، حيث أن الموظف المندمج هو محرك للإنتاجية والنمو الوطني.
3. العمل كأساس للرفاه: التقدم في مجالات الصحة والتعليم لن يؤتي ثماره إذا لم يجد الأفراد وظائف تسمح لهم باستخدام مهاراتهم وتحقيق ذواتهم.
إن تحديات التوظيف في عام 2026 تعكس رغبة عالمية في "عمل كريم" يمثل جسراً نحو المستقبل، وليس مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة.
سادساً: القسم الثالث - الاستياء السياسي وضعف الثقة: عندما تصبح الحكومة هي المشكلة
في عام 2026، برزت قضايا الحوكمة والسياسة كثالث أكبر اهتمام وطني على مستوى العالم بنسبة (8%). ورغم أن هذه النسبة قد تبدو أقل من الهموم الاقتصادية، إلا أن عمق تأثيرها يكمن في كونها تمس "الشرعية" و"الثقة" التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة.
1. الجغرافيا السياسية للاستياء
يكشف التقرير عن تباين صارخ في كيفية إدراك الشعوب لمشكلة السياسة بناءً على مناطقهم الجغرافية:
* أمريكا الشمالية: تتصدر القائمة عالمياً بنسبة (23%)، حيث يرى ربع السكان تقريباً أن الصراعات السياسية هي المشكلة الأكبر، متجاوزة في كثير من الأحيان الهموم المعيشية.
* أوروبا: تأتي في المرتبة الثانية بنسبة (15%)، مدفوعة بصعود التيارات الشعبوية والانقسامات حول ملفات الهجرة والطاقة.
* الشرق الأوسط وأفريقيا: تنخفض النسبة إلى (4% و6% على التوالي)، ليس بسبب الرضا السياسي، ولكن لأن الضغوط الاقتصادية والأمنية من الحدوة بحيث تزيح السياسة عن قمة الأولويات المعلنة.
2. مفارقة الثراء والتوقعات
هناك علاقة طردية مثيرة للاهتمام بين دخل الدولة ومستوى الاستياء السياسي. ففي حين أن المواطن في الدول الفقيرة يصارع لتأمين لقمة العيش، يوجه المواطن في الدول الغنية بوصلة لومه نحو "أداء الحكومة".
* الدول ذات الدخل المرتفع: يذكر (14%) من مواطنيها السياسة كأهم مشكلة. يعزو التقرير ذلك إلى أن تأمين الاحتياجات الأساسية يجعل الناس أكثر تفرغاً لمراقبة جودة الحكم ومطالبة الحكومات بمستويات أعلى من الشفافية والكفاءة.
* فجوة التوقعات: في المجتمعات المزدهرة، تنمو توقعات الناس بشكل أسرع من قدرة المؤسسات البيروقراطية على التطور، مما يولد شعوراً مزمناً بالإحباط تجاه البطء الحكومي أو الفساد الإداري.
3. رابط الثقة: المحرك الخفي للاستياء
يمثل "مؤشر الثقة المؤسسية" حجر الزاوية في هذا القسم. فقد وجد التقرير أن الثقة في خمس مؤسسات رئيسية (الحكومة الوطنية، النظام القضائي، نزاهة الانتخابات، الجيش، والمؤسسات المالية) تحدد بشكل قاطع مدى رضا المواطن عن الوضع السياسي.
* الارتباط الوثيق: الأشخاص الذين يثقون في مؤسسة واحدة فقط أو لا يثقون في أي منها، هم أكثر عرضة بمرتين (15%) لاعتبار السياسة هي المشكلة الأكبر، مقارنة بمن يثقون في أربع أو خمس مؤسسات (8%).
* حالات دراسية للفجوة: تبرز دول مثل هنغاريا (بفارق 26 نقطة بين الواثقين وغير الواثقين)، فنلندا (21 نقطة)، والولايات المتحدة (20 نقطة) كأكثر الدول التي يظهر فيها هذا الانقسام الحاد في الرؤية السياسية بناءً على مستوى الثقة في المؤسسات.
4. قضايا الهجرة والقيم الاجتماعية
يتطرق التقرير إلى ملفات حساسة بدأت تسيطر على النقاش السياسي، وعلى رأسها الهجرة والقضايا الاجتماعية:
* الهجرة: رغم أن النسبة العالمية هي (1%) فقط، إلا أنها تقفز في دول المقصد مثل المملكة المتحدة إلى (21%)، وهولندا وقبرص (13%). والملاحظ أن القلق من الهجرة لا يرتبط دائماً بالأرقام الحقيقية للمهاجرين، بل بمدى استخدام هذا الملف في الإعلام والسجال السياسي.
* القضايا الاجتماعية: في نيوزيلندا وفنلندا وألمانيا، يضع جزء كبير من السكان "التمييز العنصري" و"الفقر الاجتماعي" كأهم مشكلة، وهو اهتمام لا يقتصر على الشباب بل يمتد عبر كافة الأجيال.
5. تايوان: الحالة الاستثنائية
سجلت تايوان أعلى نسبة عالمية في اعتبار السياسة والحوكمة هي المشكلة الأهم بنسبة (50%)، وهو رقم يعكس ليس فقط التحديات الداخلية، بل والضغوط الجيوسياسية الهائلة التي تجعل من "القرار السياسي" مسألة وجودية بالنسبة للمواطن التايواني.
6. التوصيات للقادة: الحل يبدأ من "المحلي"
يختتم التقرير هذا القسم بخلاصة جوهرية للقادة الذين يسعون لاستعادة الثقة:
* الخدمات المحلية هي المفتاح: أثبتت أبحاث "جالوب" أن شعور المواطن بجودة الخدمات في محيطه المباشر (الإسكان، الرعاية الصحية، التعليم، ونظافة الطرق) هو أقوى متنبئ لثقته في المؤسسات الوطنية الكبرى.
* من "عائق" إلى "حل": لكي تكف الشعوب عن رؤية السياسة كمشكلة، يجب أن يشعروا بأن الدولة تعمل بإنصاف وكفاءة. استعادة الثقة لا تتم عبر الخطابات السياسية الكبرى، بل عبر التحسين المستمر والملموس في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
إن الاستياء السياسي في عام 2026 هو صرخة احتجاج ضد "الشلل المؤسسي" ومطالبة بحوكمة أكثر استجابة وشفافية. إن القادة الذين سينجحون هم أولئك الذين سيتوقفون عن الجدال السياسي العقيم ويبدأون في بناء جسور الثقة من خلال التميز في تقديم الخدمات الأساسية.
يتناول القسم الرابع من التقرير واحدة من أكثر الحاجات الإنسانية أساسية، وهي "الحاجة إلى الأمان". ورغم أن القضايا الأمنية قد لا تتصدر القائمة العالمية بنفس نسبة الاقتصاد، إلا أنها عندما تظهر، فإنها تطغى على كل ما سواها، وتصبح هي المقياس الوحيد لاستقرار الدولة ومستقبلها.
سابعاً: القسم الرابع - الأمن والسلامة: القاعدة التي لا غنى عنها
يمثل الأمن والسلامة (بما يشمل الجريمة، العنف، الحروب، والنزاعات) رابع أكبر اهتمام وطني عالمياً بنسبة (7%). يوضح التقرير أن الأمن ليس مجرد "غياب للحرب"، بل هو شعور يومي بالسلامة الشخصية يسمح للأفراد بممارسة حياتهم وأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية دون خوف.
1. هيمنة الأمن في بؤر النزاع
عندما تندلع الحروب، يتراجع كل شيء آخر. يكشف التقرير أن الدول التي تشهد صراعات مسلحة تظهر مستويات من القلق الأمني لم تسجلها أي فئة أخرى:
* أوكرانيا: تتصدر دول العالم بنسبة (83%)، حيث يرى الغالبية العظمى من السكان أن الأمن هو المشكلة الأكبر بعد الغزو الروسي الشامل.
* إسرائيل وفلسطين: سجلت إسرائيل (71%) ودولة فلسطين (55%) كأعلى مستويات القلق الأمني، مما يعكس الأثر العميق للنزاع المستمر على الوعي الوطني.
* روسيا: رغم بعد الكثير من مدنها عن خطوط المواجهة المباشرة، إلا أن (43%) من الروس يضعون الأمن كأولوية قصوى، مما يشير إلى القلق الداخلي من تداعيات الحرب.
2. تهديدات الجريمة المنظمة في "واحات الأمان" السابقة
إحدى أكثر الظواهر إثارة للقلق في تقرير 2026 هي صعود المخاوف الأمنية في دول كانت تُعد تاريخياً مستقرة وآمنة، خاصة في أمريكا اللاتينية.
* الإكوادور: سجلت (43%)، حيث تعصف بها موجة غير مسبوقة من عنف العصابات المرتبطة بتجارة المخدرات.
* كوستاريكا وتشيلي: برزت هاتان الدولتان ضمن القائمة، حيث يعاني مواطنوهما من صدمة ناتجة عن تحول بلادهم من "ملاذات آمنة" إلى مناطق تشهد جرائم عنف منظمة وتصفيات بين العصابات. يرى التقرير أن هذا النوع من "الأمن المفقود" يدمر الثقة في الحكومات بشكل أسرع من الأزمات الاقتصادية.
3. الأمن كمعيق للتنمية الاقتصادية
يسلط التقرير الضوء على تكلفة انعدام الأمن. ففي دول مثل تشيلي، تُقدر التكلفة الاقتصادية للجريمة والعنف بنحو 8 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يخنق النمو الاقتصادي ويحرم الدولة من موارد كان يمكن استثمارها في التعليم أو الصحة.
* الهروب من الواقع: انعدام الأمن هو المحرك الأول لـ "الهجرة القسرية". فعندما يفقد الناس الأمان في أحيائهم، فإنهم يغادرون بلدانهم بحثاً عن السلامة قبل البحث عن العمل، مما يخلق أزمات لجوء وضغوطاً على دول الجوار.
4. العلاقة بين الأمن والثقة المؤسسية
هناك رابط قوي بين قدرة الدولة على توفير الأمن وبين شرعية مؤسساتها.
* في الدول التي تضع "الأمن" كأهم مشكلة، غالباً ما تكون هناك مطالبات شعبية بـ "القبضة الحديدية"، وهو ما قد يؤدي أحياناً إلى تراجع الحريات المدنية مقابل الحصول على الأمان.
* السجون العملاقة: يشير التقرير إلى توجه بعض الدول (مثل كوستاريكا متأثرة بنموذج السلفادور) نحو بناء سجون ضخمة واتخاذ إجراءات أمنية مشددة استجابةً لضغط الشارع المطالب بالأمان.
5. الأمن السيبراني والتهديدات الحديثة
رغم أن العنف الجسدي هو ما يشغل بال الناس في الاستطلاعات المفتوحة، إلا أن التقرير يشير إلى قلق "صامت" ولكنه متزايد بشأن الأمن الرقمي. فالناس في الدول المتقدمة يخشون الجريمة السيبرانية وسرقة الهوية بقدر خشيتهم من الجريمة التقليدية، مما يضيف بعداً جديداً لمفهوم "السلامة العامة".
6. ما الذي يحتاجه الناس من قادتهم؟
يوجه هذا القسم رسائل حاسمة للقادة:
1. الأمن هو الأساس: لا يمكن بناء اقتصاد قوي أو نظام سياسي مستقر على رمال أمنية متحركة. توفير الأمان هو الوظيفة الأولى والأساسية لأي حكومة.
2. الاستجابة المبكرة: يجب على القادة في الدول المستقرة الانتباه للمؤشرات الأولى لصعود الجريمة المنظمة قبل أن تصبح متغلغلة في مفاصل الدولة.
3. المقاربة الشاملة: معالجة الأمن لا تقتصر على الحلول الشرطية فقط، بل تتطلب معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للعنف، مثل بطالة الشباب والفقر المدقع.
إن الأمن في عام 2026 لم يعد مجرد مسألة عسكرية، بل أصبح جوهر "العقد الاجتماعي". المواطن يخبر قادته بوضوح: "بدون أمان، لا قيمة لأي إنجاز آخر". إن الشعور بالسلامة في الشوارع والبيوت هو الاختبار الحقيقي لنجاح الحكومات في هذا العام المليء بالتحديات.
يختتم التقرير العالمي لعام 2026 فصوله بوضع خارطة طريق عملية لصناع القرار. هذا القسم ليس مجرد نصائح عامة، بل هو استجابة مباشرة لآمال ومخاوف ملايين البشر الذين تم استطلاع آرائهم. إليك تحليلاً مفصلاً لهذا القسم الحيوي (حوالي 1000 كلمة):
ثامناً: ما الذي يجب على القادة فعله؟ - استراتيجيات القيادة في عالم مضطرب
في ظل الأزمات المتداخلة التي كشف عنها التقرير، من الاقتصاد المترنح إلى ضعف الثقة السياسية، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للقادة تحويل هذه التحديات إلى فرص للاستقرار والنمو؟ يقترح التقرير خمس ركائز أساسية للعمل القيادي الفعال في عام 2026.
1. سد الفجوة بين المؤشرات الكلية والرفاه الفردي
أول درس يجب على القادة تعلمه هو أن "الأرقام لا تطعم الجياع". إن التركيز الحصري على نمو الناتج المحلي الإجمالي لم يعد كافياً لكسب ثقة الجمهور.
* السياسات الموجهة للفرد: يجب على القادة الانتقال من قياس نجاح الدولة عبر الأرقام الكبيرة إلى قياسها عبر "المحفظة الشخصية" للمواطن. وهذا يعني التركيز على كبح جماح التضخم في السلع الأساسية وتوفير السكن الميسر.
* الشفافية في توزيع الثروة: إن النمو الذي لا يشعر به المواطن البسيط في دخله اليومي يؤدي إلى الاحتقان. يجب أن يرى الناس عدالة في توزيع ثمار التنمية لتقليل القلق الاقتصادي الذي يهيمن على 23% من سكان العالم.
2. إعادة تعريف "العمل" كقيمة إنسانية واقتصادية
كشف التقرير أن أزمة العمل ليست مجرد بطالة، بل هي أزمة "اندماج" ومعنى.
* الاستثمار في جودة الوظائف: على الحكومات تشجيع الشركات ليس فقط على التوظيف، بل على خلق بيئات عمل تحترم كرامة الموظف وتستثمر في مواهبه. إن تحسين الاندماج الوظيفي ليس عملاً خيرياً، بل هو ضرورة اقتصادية يمكن أن تضيف تريليونات الدولارات للناتج العالمي.
* مواءمة المهارات: يجب تحديث أنظمة التعليم والتدريب المهني لتتوافق مع متطلبات السوق الجديدة، مما يقلل من قلق الشباب (الفئة الأكثر قلقاً عالمياً) بشأن مستقبلهم المهني.
3. استعادة الثقة من خلال "التميز المحلي"
أهم نتيجة عملية للتقرير هي أن الثقة في المؤسسات الكبرى تبدأ من الخدمات الصغرى.
* القيادة من القاعدة إلى القمة: يميل القادة للتركيز على السياسات الخارجية والماكرو-اقتصادية، لكن المواطن يبني ثقته بناءً على جودة المستشفى المحلي، وسهولة المواصلات، وكفاءة المدرسة القريبة.
* الحوكمة الشفافة: إن محاربة الفساد الإداري في المعاملات اليومية للمواطنين هي أقصر طريق لاستعادة الشرعية السياسية. عندما يشعر الناس أن "النظام يعمل من أجلهم" في تفاصيل حياتهم، سيتوقفون عن رؤية السياسة كمشكلة وطنية.
4. الأمن كشرط مسبق وليس كخيار
لا يمكن الحديث عن اقتصاد أو ديمقراطية في غياب الأمن الشخصي والقومي.
* الاستباقية الأمنية: في الدول التي تعاني من صعود الجريمة المنظمة، يجب على القادة التحرك بسرعة لفرض سيادة القانون. فالأمن هو "البنية التحتية غير المرئية" التي بدونها يهرب الاستثمار وتهاجر العقول.
* توازن القوة والحرية: في بؤر النزاع، يحتاج القادة إلى بناء استراتيجيات أمنية تحمي المواطنين دون تدمير النسيج الاجتماعي، مع التركيز على إنهاء الصراعات التي تجعل الأمن الهم الوحيد لـ 83% من البشر في مناطق معينة.
5. التواصل الصادق وإدارة التوقعات
في عصر المعلومات المضللة والاستقطاب، يصبح "الخطاب القيادي" أداة حاسمة.
* الاعتراف بالتحديات: القائد الذي يعترف بصعوبة الواقع الاقتصادي ويقدم خطة واضحة ومبنية على الحقائق هو أكثر قدرة على كسب ثقة الناس من الذي يقدم وعوداً وردية غير واقعية.
* إشراك المواطن: يجب تحويل المواطن من "مستهلك للسياسات" إلى "شريك في الحل". إن إشراك الناس في تحديد الأولويات الوطنية يقلل من الشعور بالاغتراب السياسي.
6. التعامل مع ملف الهجرة بحكمة
بما أن الهجرة أصبحت قضية سياسية متفجرة في الدول الغنية، يجب على القادة:
* فصل الحقائق عن الأوهام: إدارة النقاش العام حول الهجرة بناءً على الأرقام والاحتياجات الاقتصادية الفعلية للدولة، وليس بناءً على السجالات الإعلامية المستقطبة.
* الإدماج الاجتماعي: العمل على برامج إدماج فعالة تقلل من مخاوف المجتمعات المضيفة وتستفيد من طاقات المهاجرين.
خاتمة التقرير: الرسالة النهائية
إن "أهم مشكلة في العالم" ليست قدراً لا يمكن تغييره، بل هي نتيجة لسياسات وتوجهات معينة. إن القادة الذين سيذكره التاريخ في عام 2026 هم أولئك الذين استمعوا لصوت الناس بصدق، ولم يكتفوا بقراءة التقارير الإحصائية.
إن العمل على "الاحتياجات الأساسية" في الدول الفقيرة، و"إصلاح المؤسسات" في الدول الغنية، و"توفير الأمن" في مناطق النزاع، هي المسارات الثلاثة التي ستحدد نجاح أو فشل الحكومات في السنوات القادمة. الرسالة واضحة: "اجعلوا المواطن يشعر بالتحسن في بيته، وعمله، وشارعه.. وستجدون طريقكم إلى الاستقرار والازدهار".



اضف تعليق