في كل مرة نظن فيها أن الحوار مجرّد جسور تُمد بين الضفتين، نفاجأ بأن بعض هذه الجسور ليست سوى أفخاخ معلقة في الهواء. وليس أتعس من أن تنزل بقلبك إلى ساحة الكلام وأنت تظنها حديقة، فتجدها ساحة ضجيجٍ أعدّها هواة التشويش، لا الساعين إلى فهم أو تقاطع أو حتى خلاف نبيل...
في كل مرة نظن فيها أن الحوار مجرّد جسور تُمد بين الضفتين، نفاجأ بأن بعض هذه الجسور ليست سوى أفخاخ معلقة في الهواء. وليس أتعس من أن تنزل بقلبك إلى ساحة الكلام وأنت تظنها حديقة، فتجدها ساحة ضجيجٍ أعدّها هواة التشويش، لا الساعين إلى فهم أو تقاطع أو حتى خلاف نبيل.
بعض الحوارات ليست إلا مصيدة للوقت، مصيدة للسلام الداخلي، مصيدة لتلك اللحظات الصغيرة التي كان يمكن أن تُهدى لضحكة، أو نزهة، أو كتاب يُقرأ على شرفة. فما أسهل أن تضيّع نهارك في ملاسنة عابرة مع أحد كائنات الهامش، من أولئك الذين لا يطلبون من الكلمات إلا رنينها العالي، ولا من اللغة إلا أن تُستخدم سلاحاً، لا وسيلة.
خصوم بلا اختلاف حقيقي
في هذا الهامش، لا تجد خصوماً يستحقون اسم “الاختلاف“، بل أصداءً صاخبة لأرواح متربصة، غرائز حزبية، أفواه لم تتعلم الصمت حين تجهل، وعيون لا ترى إلا ما يثيرها للرد، لا ما يحفزها للفهم.
ولأن بعض المعارك لا تُخاض بل تُتجنب، فإن الانسحاب في هذه الساحات ليس هزيمة، بل فضيلة. الحسم هنا ليس صراخاً، بل صمت أنيق يشبه زر إغلاق النافذة في ليلة عاصفة. فهناك دائماً ما هو أثمن من الخوض في وحل، أو الدفاع عن النفس أمام جوقة لا تنتظر دفاعك، بل تنتظر زلتك.
وفيما يلي، عشرة وجوه من ضجيج الهامش، يمرّون من أمامك كما تمرّ أصوات السيارات المزعجة في شارع لا يعرف النوم:
المتربص:
يسكن الظل ويعيش عليه، لا يظهر إلا حين تزلّ خطوة أو تسهو فاصلة. لا يقرأك ليشارك، بل ليرصد لحظة سقوط. صمته ليس احتراماً، بل كميناً.
الجارف:
ريح عاتية تمرّ، لا تعلم من أين هبّت ولا إلى أين ستعود. لا يتوقف عند الفكرة ولا يقرأ السطر، بل يقتحم الحديث مثل فيضان، ويغادر بعد أن يترك في النفس شيئاً من الغبار.
العارف بكل شيء:
يخوض في اللاهوت كما يخوض في طبخ المجدرة. يعرف ما لا يُعرف، ويتقن ما لا يُتقن، ويظنك دائماً دون مستوى إدراكه. كل رأي عنده ناقص، إلا رأيه الذي لا يُرد.
المنتصر الدائم:
لا يخوض النقاش، بل يخوض معركة. يطلب منك الاستسلام أو يُغرقك بسيل من المغالطات. لا تهمه الحقيقة، بل الكلمة الأخيرة. المنطق عنده تابع لشخصه، لا العكس.
الهابط من السقف:
ينزل فجأة من العدم، يعلّق بجملةٍ لاذعة، ساخرة، ثم يعود إلى غيابه كما لو أنه لم يكن. لا يسأل ولا ينتظر إجابة، فقط يترك أثره ويختفي.
الناطِح:
يأتي غاضباً بلا سبب، يهاجم بلا وجهة. يُسقِط في طريقه كل شيء: المنطق، اللياقة، الفكرة. لا يُرجى منه نقاش، لأن الحوار معه ضرب من العبث.
المخرّب الهادئ:
يتكلم بنبرة خافتة، لكن أثره كالسُّم البطيء. لا يواجه، بل يشكّك. لا يُعارض، بل يراوغ. يُغرق النقاش بأسئلة غريبة، كأنه يسعى لتفكيك المنطق لا لفهمه.
المُسانِد العاطفي:
لا يفهم ما يجري، ولا يحاول. لكنه ينضمّ للمعركة لأنك “أنت”، أو لأن صديقاً له في الطرف المقابل. ولاؤه لا للأفكار، بل للصلات الشخصية.
الخفيف:
استثناء نادر، لكنه حقيقي. يخالفك بأدب، يضيء النقاش بابتسامته، ويترك المكان أكثر لطفاً مما وجده. وجوده هدية، وغِيابه يُذكر.
الحفرة:
أسوأهم جميعاً. النقاش معه ليس جدلًا، بل سقوطاً حراً في قاع سحيق. يستخدم الشتائم بلا تردد، والشتائم عنده لغة، والضجيج أداة، والانحدار فخر.
ضجيج مواقع التواصل
حين قال أمبرتو إيكو إن “مواقع التواصل منحت البلهاء الحق في الكلام كما لو أنهم فائزون بجائزة نوبل”، لم يكن متجنياً، بل كان يصف الحقيقة كما هي. لم تعد المنابر تميّز بين فكرٍ ومزاج، بين علمٍ وغضب. وصار على كل من يكتب أن يخوض هذا البحر الهائج من التشويش الذي يشبه الصراخ داخل كهف.
لكن ما يُؤلم أكثر، أن هذا الضجيج ليس ابن التكنولوجيا وحدها، بل ابن ثقافة أعمق، متجذرة. ثقافة ترى في النقاش ثأراً، وفي الاختلاف عداء، وفي الرأي الآخر خيانة. لا يُنظر إلى النص، بل إلى صاحبه: من هو؟ من يعرف؟ هل يشرب النبيذ؟ هل يبتسم كثيراً؟ هل تشبهنا طريقته في الحياة؟
في مجتمعات تحترم العقل، يُسأل: “ماذا قال؟”
أما عندنا، فالسؤال دائماً: “من قال؟”
ولذا، يظل الكاتب متهماً حتى يثبت ولاءه، ويظل مطالباً بأن يرضي الجميع، وأن يكون ابن الجميع، وناطقاً باسم الجميع، ومقيداً بتوقيعات غير مرئية لجموع لا تعرف ما تريد، لكنها تعرف كيف تهاجم.
ومع ذلك، نكتب. نكتب لأن الكتابة ملاذ، ولأنها النافذة الوحيدة في غرفنا المغلقة بالضجيج. نكتب لا لنقنع، بل لنُعبّر. نكتب لنقول الحقيقة كما نراها، لا كما تُفرض علينا. نكتب لأننا نؤمن، كما آمن ساراماغو، أن “الوضوح أخطر من العمى في بيئة عمياء”. وهذا النص؟ ليس رداً، ولا دفاعاً، ولا شكوى. بل هو شرفة نُطل منها على هذا الضجيج، نرمي عليه وردة، ثم نغلق النافذة… ونواصل الكتابة.



اضف تعليق