سنة الله مكينة، اكتسحت كل الذين حاولوا التمرد عليها. والسنة التي أثبتت نفوذها ((في)) جميع ((الذين خلوا من قبل))، هي سنة لا معنى للتفكير في مقارعتها. فالإنسان لا يكرر تجربة لها نماذج فاشلة، بعدد كل البشر الذين سبقوا على هذا الدرب. ((و)) لا تحسب أن سنة الله تضعف...
((سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً)).
[(سورة الأحزاب: الآية 62).
في الكون طاقات جبارة متفاعلة، هي بمثابة شبكة الأعصاب في الجسم، شد الله بها الكون. وللحياة سنن وبرامج، نظم الله بها الحياة، وسيرها بهذا الشكل الملحوظ. ونسبة طاقات الفرد الواحد من بني الإنسان في مجموعة طاقات الكون، هي –ذاتها– نسبة حجم الفرد الواحد من بني الإنسان في مجموعة حجم الكون. ونسبة إرادة الفرد الواحد من بني الإنسان في سنن الحياة، هي –ذاتها– نسبة الفرد الواحد من بني الإنسان في مجموع الحياة.
فعلى الفرد الواحد من بني الإنسان، أن يؤسس إرادته على ضوء: نسبة حجمه في حجم الكون، ونسبة طاقته في طاقات الكون، ونسبة ذاته في الحياة، ونسبة إرادته في سنن الحياة.
فإذا أخذ هذه النسب بنظر الاعتبار، يجد: أنه جزء مستهلك في الكون، وأن إرادته مستهلكة في سنن الحياة. فيعرف قدَّه ويلزم حده، ولا يحاول احتواء الكون والحياة، وإنما يحاول الانسجام معهما.
وأما إذا جهل هذه النسب، وأطاش به بعض الاستيعاب لبعض الطاقات الموضوعة تحت تصرفه، ووجد أن فرداً آخر من بني نوعه، وضع قدماً على (القمر) وقدماً على (المريخ)، سعياً للعروج إلى (المجرة)، والتفاهم مع الأحياء الآخرين فيها؛ فظن أنه قمة الكون والحياة، ومن ثم ففي مقدوره الطغيان على الكون وتحريك الحياة، وحتى الخروج على الله؛ فسرعان ما تصدمه طاقة مهملة من طاقات الكون، أو تجرفه سنة بسيطة من سنن الحياة؛ فتحطمه، وتنسف إرادته بأهون مما يعبث السيل بأوراق الخريف.
وكل مراهق نزق، يعجبه: أن يتصيد (النجوم)، وينشرها على رأس صبية ترهقه. وأن يعتصر مصل (الشمس)، في شرايين وردة ذابلة تغريه... ولا تمر لحظات حتى يشعر بأنه لا يستطيع الاستغناء عن رغيف يشد معدته، أو كوب ماء يملأ عروق جسمه...
وأخيراً: تفنيه ذبذبة كهرباء، أو خطأة سير، أو ميكروب صغير لا تراه النظائر المشعة... ويؤذيه – كثيراً – أنه ليس في مستوى تحريك الحياة فقط، وإنما الحياة تحركه – بإرادتها القاهرة – كما تشاء؛ وأنه يجند كل طاقاته لاستجداء الحياة، علَّها تتجاوب مع بعض رغباته.
فأنت – أيها الفرد من بني الإنسان! – لست في مواجهة مع طاقات الكون وسنن الحياة فحسب، وإنما أنت في مواجهة مع ما هو أعلى وأقوى، أنت في مواجهة مع (سنة الله): الذي أفرز كل طاقات الكون وسنَّ جميع سنن الحياة، فلا تفكر في الاصطدام بها. فليست بين يديك تجربة واحدة، أو تجارب قليلة أو كثيرة، وإنما بين يديك تجارب جميع البشر قبلك، وكل هذه التجارب تشير إلى نتيجة واحدة، هي:
أن سنة الله مكينة، اكتسحت كل الذين حاولوا التمرد عليها. والسنة التي أثبتت نفوذها ((في)) جميع ((الذين خلوا من قبل))، هي سنة لا معنى للتفكير في مقارعتها. فالإنسان لا يكرر تجربة لها نماذج فاشلة، بعدد كل البشر الذين سبقوا على هذا الدرب.
((و)) لا تحسب أن سنة الله تضعف أو تتطور فالانحدار والارتفاع –في سلم التطور– من صفات المتغيرات الخاضعة لتفاعلات الحياة، الدائبة في تجميع وتفريق الذرات الكونية، وتنويع الصور؛ حفاظاً على جدة الحياة وطراوتها.
وأما سنة الله، فهي إرادة الله. وإرادة الله فوق الحياة، فلا تخضع لتطوراتها. وإنما هي ثابتة، تصرف الأشياء، ولا يتصرف فيها شيء. فـ ((لن تجد لسنة الله تبديلاً)).



اضف تعليق