لا أتذكر في أي عام حصل هذا، لكني أتذكر تفاصيله.. كنت اجلس مع صديق في المقهى، وكان هناك حدث سياسي ساخن في بلد آسيوي، تصاعد فيه صراع القوى من يساريين ويمينيين وغيرهم، وبعد ان تجاذبنا اطراف الحديث وجدنا انفسنا نتحدث عن ازمة ذلك البلد والمأزق الذي هو فيه.. ما ابقى تلك الجلسة في ذاكرتي هو ان احد الجالسين قربنا من المحسوبين على الادباء، اشرك نفسه في الحديث وراح يتكلم وبثقة مفرطة عن ذلك البلد ومن ثم افصح عن (موقفه) المؤيد لبعض القوى على حساب الأخرى.

في الحقيقة انا اعرف من خلال قراءتي المتواضعة لتاريخ هذا البلد ان الذي قاله غير دقيق، وان اغلب المعلومات التي اوردها لا يعتدّ بها كونها مأخوذة من وسائل الاعلام، مادعاني لان اسأله عن مدخلات الحدث هناك والتداعيات التي اوصلته الى هذه الحال.

ومن طبيعة اجوبته عرفنا انه لم يقرأ شيئا مهما، ثم قال مع شيء من الحنق بانه اديب ونزعته انسانية ويرفض الظلم!! فأيقنت انه مأخوذ بأوهام عن الانسانية والموقف، وقد بدا كذلك فعلا حين طلب منه احد الجالسين، وقد توسعت دائرة الحوار، ان يتحدث عن تاريخ الجهة او الحزب الذي هاجمه وعدّه سبب مشاكل تلك البلاد، فلم يرد وراح يتملص وادرك انه وقع في حرج فافتعل زعلا من طبيعة الحوار وغادر ..!

هذا الشخص نموذج لضحايا غياب التكامل القرائي الذي يمثل ركيزة الثقافة لأي انسان يسعى لمعرفة ما يدور من حوله، لاسيما من المتصدين او ممن يوصفون بالمثقفين، فالثقافة مثل الطب، لا يمكن للطبيب ان يعالج مريضه ويعطيه الدواء لمرض معين قبل ان يعرف تفاصيل مهمة عن صحته بشكل عام، مثل وضع القلب ومستوى السكر في الدم وضغطه وغير ذلك، فأخذ دواء لعضو معين يجب ان لايكون على حساب اعضاء اخرى، لان في هذا خطرا على حياة المريض ...

للاسف البعض لا يقرأ خارج الجنس الذي يكتب او يعمل فيه، او قليل القراءة خارجه، فترى هؤلاء ان كانوا ادباء لا يتحدثون عن شيء خارج الادب في جلساتهم الخاصة، وحين يتناولون الشأن العام تجد كلامهم سطحيا ولا ينطوي على قيمة حقيقية، كونه لا يتكئ على مرجعية قرائية تسعفه بالمعلومة او ترسم امامه خارطة عامة للأحداث.

وان الكلام عن الانسانية وابداء التقزز من الصور المؤلمة التي تفرزها الاحداث، لاسيما اذا تطورت الى نزاعات عسكرية، لا يعني ان صاحب هذا الكلام بات انسانيا، لان من اسس الانسانية ان لا يظلم الانسان الاخرين بلسانه، فهذا يعد احيانا اقسى من ايذاء اليد.

أن يضمّن الاديب نصّه قضية سياسية او اجتماعية او اية قضية حياتية اخرى فهذه من مهام الادب ورسالته، لكن بشرط ان يكون مطّلعا على شيء مهم من تلك القضية ويعرف مدخلاتها وليس تداعياتها فقط، لان الدخول اليها من التداعيات يعني السقوط في اوحالها وليس الاطلال عليها بشكل جيد لتسليط الضوء المناسب وتقديم رؤية عنها تقرّب الناس من فهمها وفهم مواقف الفرقاء فيها، فالنص الادبي حين يكون اعمى يتسبب في مشاكل كثيرة لكاتبه، لان الادب والفن وسائل جمالية مؤثرة لتمرير رسائل مختلفة، سياسية واجتماعية واخلاقية وغيرها، وان غياب الوعي الحقيقي يعني الاسهام في تضليل الناس، كما حصل مع صاحبنا الذي لم يكن يقصد بالتأكيد الاساءة لكن غياب التكامل القرائي عنده جعله يتخبط فيما يظن انه صاحب موقف!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق