يقدم المقال تحليلاً آكاديمياً ونقدياً لظاهرة التسقيط الرقمي والتشهير الإلكتروني الموجه ضد القيادات والمؤسسات، ولا سيما البيئة الأكاديمية والجامعية. ويسلط الضوء على الفوارق الجوهرية بين النقد البناء القائم على الحجة والدليل وبين الحملات المنظمة القائمة على اجتزاء المواقف وتضخيم الأخطاء، داعياً إلى حماية الثقة المؤسسية والاعتماد على الإنجاز والأثر كرد حقيقي على ضجيج منصات التواصل الاجتماعي...

لم تعد معارك اليوم تُخاض جميعها في ساحات المواجهة المباشرة؛ فقد انتقلت أجزاء واسعة منها إلى فضاءٍ أكثر اتساعاً وسرعةً وتأثيراً: وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك، حيث تختلط الحقيقة بالانطباع، والرأي بالمعلومة، والنقد بالتشهير، يمكن لمنشورٍ عابر أن يصنع ضجيجاً كبيراً، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يصنع حقيقة.

ومن أخطر الظواهر التي أفرزها هذا الفضاء ما يمكن تسميته بـ "التسقيط الرقمي"؛ حين يتحول الاختلاف من وسيلة للحوار وتصحيح المسار إلى محاولة للنيل من الأشخاص، وحين تُستخدم المنصات الرقمية لا لمناقشة القرارات والوقائع، وإنما لتشويه السمعة، واجتزاء المواقف، وتضخيم الأخطاء، وصناعة صورة ذهنية لا تستند إلى ميزان موضوعي أو دليل موثوق.

وهنا تبرز إشكالية تستحق التأمل: متى يكون النقد نقداً؟ ومتى يتحول إلى إساءة؟ النقد الحقيقي لا يخشى الحقيقة؛ لأنه يقوم على المعلومة، ويناقش القرار، ويقدم الحجة، ويترك مساحة للرد والتصحيح. أما التسقيط، فإنه غالباً ما يبحث عن الإنسان بدلاً من الفكرة، وعن التشويه بدلاً من التقويم، وعن الإثارة بدلاً من الحقيقة.

وفي المؤسسات الأكاديمية تحديداً، تصبح المسألة أكثر حساسية؛ لأن الجامعة ليست مجرد بنايات ومكاتب ومناهج، وإنما مؤسسة معرفية تقوم فلسفتها على الحوار، والدليل، واحترام الرأي الآخر، والاحتكام إلى الأطر العلمية والقانونية والمؤسسية.

ومن هنا، فإن الاختلاف مع عميد كلية أو رئيس جامعة أو أي مسؤول أكاديمي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية، كما أن نقد أداء المسؤول لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لإسقاط شخصه. فالمسؤول يُحاسب على قراراته وأدائه وفق الأطر المؤسسية، لا وفق حملات التواصل الاجتماعي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا السياق هو أن يصبح عدد المشاركات والتعليقات معياراً للحقيقة، وأن تتحول كثافة التداول إلى بديل عن الدليل. فليس كل ما ينتشر صحيحاً، وليس كل ما يُكتب يستحق التصديق، وليس كل ما يلقى تفاعلاً يمثل رأياً عاماً.

إن الخوارزميات قد تمنح المنشور مساحة واسعة، لكنها لا تمنحه بالضرورة قيمة معرفية أو أخلاقية. وهنا تقع مسؤولية النخب الأكاديمية والإعلامية في مواجهة هذا النوع من الخطاب؛ فالأستاذ الجامعي ليس متلقياً عادياً للمحتوى الرقمي، بل ينبغي أن يكون نموذجاً في التثبت، والتحليل، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين النقد والتشهير، وبين المساءلة الموضوعية والخصومة الشخصية.

لقد علمتنا التجارب أن الشخصيات التي تتولى المسؤوليات العامة لا تستطيع أن تمنع الآخرين من الحديث عنها، لكنها تستطيع أن تختار كيف تتعامل مع هذا الحديث. فليس كل صوت يستحق الرد، وليس كل إساءة تستوجب معركة، وليس كل منشور يستحق أن تتحول المؤسسة بسببه إلى ساحة سجال.

أحياناً يكون الصمت موقفاً، والاستمرار في العمل جواباً، والإنجاز حجة، والنتائج وثيقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. إن القائد الأكاديمي الحقيقي لا تُقاس قوته بقدرته على الرد على كل منشور، وإنما بقدرته على الحفاظ على اتزانه حين يشتد الضجيج، وعلى مؤسسته حين تتعدد الضغوط، وعلى قراره حين تتقاطع المصالح. فالمنصب ليس منصة للرد على الخصوم، وإنما مسؤولية لخدمة المؤسسة.

ومن هنا، فإن التعامل مع حملات التسقيط ينبغي ألا يكون بمنطق "من ينتصر في المعركة الرقمية؟"، وإنما بمنطق: كيف نحمي الحقيقة والمؤسسة والوعي المجتمعي من التضليل؟

إن أخطر نتائج التسقيط لا تتمثل في الإساءة إلى شخص بعينه فحسب، وإنما في إمكانية إرباك ثقة المجتمع بالمؤسسات، وإشاعة الاعتقاد بأن كل نجاح خلفه مؤامرة، وكل قرار وراءه مصلحة، وكل مسؤول موضع شبهة، من دون دليل.

وهذا منطق خطير؛ لأنه يهدم الثقة دون أن يقدم بديلاً، ويزرع الشك دون أن يقدم حقيقة، ويصنع الخصومة دون أن يقود إلى إصلاح. ولذلك، فإن الدفاع الحقيقي عن المؤسسات لا يكون بالتطبيل للمسؤولين، كما أن حماية المسؤول من النقد ليست من المهنية في شيء؛ بل إن الحماية الحقيقية تتمثل في ترسيخ ثقافة النقد المسؤول التي تقول للمسؤول: أخطأت حين تخطئ، وأصبت حين تصيب، وتناقش قرارك بالدليل، وتحاسب أداءك وفق القانون والمؤسسة، لا وفق المزاج الشخصي.

وهذه هي المسافة الدقيقة بين النقد الذي يبني، والتسقيط الذي يهدم. أما أولئك الذين يظنون أن بإمكانهم صناعة حقيقة جديدة عبر تكرار الاتهام، فعليهم أن يدركوا أن الحقيقة لا تُبنى بكثرة التكرار، وإنما بقوة الدليل.

والتاريخ الأكاديمي لا يحتفظ بعدد المنشورات التي كتبها الناس عن الشخص، وإنما يحتفظ بما أنجزه ذلك الشخص، وبما تركه من أثر، وبما قدمه لمؤسسته وطلبته ومجتمعه، قد يستطيع منشور أن يشعل جدلاً لساعات، وقد تحتل قصة ما مساحة واسعة من التفاعل لأيام، لكن الإنجاز الحقيقي يعمل بصمت، ويحتاج إلى وقت، ثم يتحول إلى أثر يصعب إنكاره. ولذلك، فإن من اختار طريق العمل المؤسسي عليه ألا يجعل مزاج المنصات الرقمية قائداً لقراراته، كما أن من اختار طريق النقد عليه أن يدرك أن قوة موقفه لا تأتي من ارتفاع نبرة الخطاب، وإنما من قوة حجته. 

في النهاية، ليست القضية قضية رئيس دولة او وزير او رئيس جامعة او عميد أو مسؤول أو شخص بعينه؛ إنها قضية ثقافة عامة. هل نريد فضاءً رقمياً يحاكم الناس بالشائعة أم بالدليل؟ هل نريد نقداً يفتح أبواب الإصلاح أم خطاباً يغلق أبواب الحوار؟ هل نريد جامعةً تختلف داخل قاعاتها بالحجة والعلم، أم تمتد خصوماتها إلى صفحات التواصل الاجتماعي؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد الكثير من ملامح المشهد الأكاديمي والإعلامي الذي نريده.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في مواجهة الضجيج:

لا تجعلوا أصوات المشوشين أعلى من صوت الإنجاز، ولا تجعلوا سرعة انتشار الشائعة أسرع من وصول الحقيقة.

فالحقيقة قد تتأخر أحياناً، لكنها لا تحتاج إلى صخب كي تصل. والإنجاز قد لا يملك آلاف التعليقات، لكنه يملك شيئاً أكثر قيمة: الأثر. أما الذين يراهنون على إسقاط الأشخاص بالكلمات، فعليهم أن يتذكروا أن الكلمات قد تصنع ضجيجاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تهدم مسيرةً صنعتها سنوات من العمل. وحين يعجز البعض عن مواجهة الإنجاز بالحجة... قد يلجؤون إلى تشويه صاحبه. لكن الإنجاز يبقى، والحقائق تبقى، والمؤسسات تبقى، ويبقى الزمن في النهاية أكثر عدلاً من كل منصات التواصل الاجتماعي.

اضف تعليق