يطرح المقال مقاربة أخلاقية عميقة تفكك ظاهرة تحول العمل الإنساني إلى استعراض رقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مبرزاً الفرق الجوهري بين الإنسانية كشعار براق والإنسانية كسلوك يومي خفي وخالص يرتكز على المواقف الصادقة واحترام كرامة الإنسان...
في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة لها المساحة الكافية لعرض المواقف والمشاعر حسب ما يفكر الشخص له. تغيرت طريقة تعاملنا مع فعل الخير. أصبح البعض يفكر أن العمل الإنساني لا يكتمل إلا إذا التقطت له صورة ونشرت معه عبارة مؤثرة. لكن قيمة الخير لا تقاس بعدد المشاهدات. ولا بعدد الإعجابات. ولا بحجم التعليقات. هناك أعمال جميلة تحدث بعيدا عن الكاميرات ولا يعرف بها أحد ومع ذلك تظل عظيمة لأنها خرجت من قلب أراد أن يفعل الخير بدون الجهر به لا أن يظهر بصورة الإنسان الكريم صاحب المواقف الطيبة .
حيث في عالم تنوعت فيه الكلمات وكثرت فيه العبارات التي تتحدث عن الرحمة والتسامح والتكافل. بات من السهل أن نعلن إنسانيتنا بجملة أو صورة أو منشور عابر. وعبارات عديدة لكن الإنسانية الحقيقية لا تحتاج إلى مكبرات صوت ولا إلى جمهور يصفق لها لأنها تظهر في اللحظة التي لا يكون فيها أحد موجودا ليراقبنا.
تظهر عندما نساعد شخصا لا نعرفه وعندما نمنح فرصة لمن أخطأ وحينما نصغي إلى إنسان أنهكه التعب بدل أن نحاكمه وحين نختار أن نكون عونا لا عبئا على من يمر بظرف صعب. فالمواقف وحدها تكشف ما تخفيه القلوب وما بين القول والفعل تتحدد حقيقة الإنسان.
قد نتحدث طويلا عن الأخلاق ونحفظ عبارات كثيرة عن الرحمة لكن موقفا واحدا قد يكشف من نحن أكثر مما تكشفه سنوات من الحديث. أن ترى شخصا يحتاج المساعدة ولا تتجاهله، أن تقف إلى جانب إنسان في لحظة انكساره دون أن تسأله ماذا سيقدم لك في المقابل أن تحفظ كرامة محتاج وأنت قادر على مساعدته تلك هي الإنسانية عندما تتحول من فكرة جميلة إلى سلوك يومي.
وليس المقصود بالإنسانية أن نحل مشكلات العالم كلها لأننا لا نملك القدرة على ذلك. أحيانا تكون الإنسانية في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها بالنسبة إلى صاحبها كبيرة جدا كلمة طيبة في وقتها ابتسامة صادقة فسح المجال لكبير في السن احترام عامل يؤدي عمله مواساة شخص فقد عزيزا أو حتى الامتناع عن كلمة جارحة نعرف أنها ستترك أثرا مؤلما في نفس إنسان آخر.
إن المجتمعات لا تقاس فقط بما تمتلكه من أبنية ومؤسسات وطرق حديثة بل بما تتركه من مساحة للضعيف وبمقدار احترامها للإنسان حين يكون في أمس الحاجة إلى الاحترام. فالتقدم الحقيقي لا يكون في الأشياء وحدها وإنما في طريقة تعامل الإنسان مع الإنسان.
ولعل أجمل ما في الإنسانية أنها لا تحتاج إلى إمكانات استثنائية. يستطيع أي شخص أن يمارسها من موقعه في بيته في عمله في الشارع في الجامعة وفي كل مكان يلتقي فيه بالآخرين. لا تحتاج الإنسانية إلى منصب أو ثروة أو شهرة تحتاج فقط إلى قلب يرى الآخرين بشرا لهم مشاعر وكرامة وحكايات.
وفي النهاية تبقى الكلمات جميلة ما لم تتحول إلى أفعال. يمكن للإنسان أن يتحدث عن الرحمة طوال حياته لكن موقفا واحدا في لحظة حاسمة قد يكون أكثر صدقا من كل ما قاله. لذلك فإن الإنسانية ليست شعارا نرفعه عندما نريد أن نبدو أفضل. بل موقف نختاره عندما يكون بإمكاننا أن نفعل شيئا ولا نفعله. إنها أن نترك في حياة الآخرين أثرا طيبا ولو كان بسيطا وأن نمر في هذا العالم دون أن نزيد أوجاعه. فالإنسانية الحقيقية لا تقال كثير إنها ترى.



اضف تعليق