إن خطر الذكاء الاصطناعي الأكبر لن يكون الفقر المادي، بل التحكم غير المرئي؛ حيث ستنتقل السلطة من حائزي المال والنفط إلى من يبرمج الخوارزميات ويحتكر الحوسبة الفاخرة، ليتحول الصراع القادم من حروب على الموارد إلى ثورات ضد الروبوتات ومطبخي خوارزمياتها...
أطلق إيلون ماسك في مقابلته الأخيرة مع “نيوزويك” أكثر من نبوءة، أهمها أن الروبوتات ستتحكم بحياتنا في عام 2036، وأننا لن نعود بحاجة إلى النقود لأننا سنصل إلى مرحلة ما يسمى “اقتصاد الوفرة” (Post-Scarcity Economy)، إذ ستوفّر لنا الروبوتات كل ما نحتاجه من سلع وخدمات بأكثر مما نحتاج.
اقتصاديًا، هذا يعني وجود وفرة في عرض السلع والخدمات أكبر بكثير مما يحتاجه البشر أو يستطيعون استهلاكه، تمامًا كما تتوفر على الإنترنت مقاطع فيديو ومحتوى أكثر بكثير مما تستطيع مشاهدته، فتصبح كلفة المشاهدة صفرًا. فالسعر هو نقطة التوازن بين العرض والطلب، وبما أن الطلب الفعلي يبقى محدودًا بينما العرض لا نهائي (كما هو حال الهواء مثلاً)، فسيكون سعر كل السلع والخدمات مساويًا للصفر.
هذا الطرح يثير أسئلة كبرى تخص الاقتصاد والمجتمع، إن تحقق فعلاً:
هل سينتهي الفقر وينتهي الصراع الطبقي؟
هل لن نحتاج فعلاً إلى النقود؟
إذا كانت الندرة مصدر القوة والسلطة للبعض ومصدر الضعف والخضوع للآخرين، فهل ستنتهي مصادر القوة الحالية؟ وما هي مصادر السلطة البديلة حينها؟ وما شكل المجتمع المتوقع؟
هذه بعض الأسئلة الكبرى التي سبق أن ناقشتها في مقالات نُشرت قبل نحو سنتين، وسأحاول الإجابة عنها بإيجاز هنا.
هل سينتهي الفقر؟
هل سينتهي الفقر بسبب وفرة كل شيء ووصول الكلفة إلى الصفر كما تنبأ ماسك؟ الحقيقة أن كل الثورات، ومنها الثورة الصناعية، بشّرت بانتهاء الفقر، وهذا ما تفعله أيضاً الثورة الرقمية التي يُعد ماسك أحد روادها.
ففي عصر الوفرة الذي يصنعه الذكاء الاصطناعي، ستصبح السلع المادية الرخيصة وفيرة، لكن أنواعاً جديدة من الندرة ستظهر، وهي أغلى بكثير من السلع المادية التي نتنافس بالطلب عليها الآن، مثل ندرة الحوسبة. فمن سيمتلك القدرة على الوصول إلى الحوسبة الأرقى والأسرع والأذكى سيكون هو الغني، في حين لن تتوفر للفقير سوى الحوسبة العامة، تماماً كما هو الفرق بين رواد المدارس الخاصة والحكومية، أو بين المشترك في يوتيوب العادي والمشترك في النسخة المدفوعة، أو بين من يمتلك آخر إصدارات الآيفون ومن لا زال يستخدم موبايل “طابوكه”.
هل سننتهي من الحاجة إلى النقود؟
لا أعتقد ذلك، لأن للنقود ثلاث وظائف:
1. وسيلة لتبادل السلع: وهذه الوظيفة قد تضعف بفعل وفرة السلع وسهولة الوصول إلى كثير منها إذا تحولت الروبوتات إلى منتج لا نهائي منها، تماماً كما أصبحت الطباعة الورقية أو ألعاب الملاهي الإلكترونية شبه مجانية، لكنها كوظيفة لن تنتهي تماماً.
2. مخزن للقيمة والمكانة: وهذه أيضاً يمكن أن تضعف لكن لن تنتهي.
3. مقياس للقيمة (وحدة حساب): إذ تُقوَّم بها السلع والخدمات بوحدة مشتركة، فيسهل بذلك المقارنة والتسعير ومسك الحسابات، بدل الاعتماد على عدد هائل من النسب السعرية المتبادلة. وهذه الوظيفة لن تنتهي.
باعتقادي، قد يختفي شكل النقود الورقية التقليدية، لكن النقد كمفهوم لن ينتهي.
هل ستنتهي مصادر القوة؟
إذا كانت الندرة مصدر القوة للبعض ومصدر الضعف للآخرين، فهل ستنتهي مصادر القوة الحالية؟ وما هي مصادر السلطة البديلة؟
نشأ التباين في القوة، ثم في السلطة، مع نشوء ملكية السلع. فمن وجد مثلاً، في بداية الثورة الزراعية، سبيلاً لتكون أرضه على ضفة النهر مباشرة، زرع أكثر، ثم صار أغنى، وبعدها صار أقوى. وهكذا تدريجياً نشأت طبقات الإقطاع والغنى. وهكذا كان التحكم في عصر الندرة سهلاً: فمن يتحكم بالخبز (الزراعة) والمصنع مثلاً يتحكم بالناس.
أما الآن، فستستند القوة، ومن ثم السلطة والتحكم، إلى مصادر جديدة. فمثلاً، سيتمكن الجميع من الوصول إلى طبيب ذكاء اصطناعي، لكن طبيب الذكاء الاصطناعي الخاص بالنخبة سيكون أسرع وأدق ومرتبطاً بأفضل المختبرات. وسيكون التحكم بالخوارزمية هو الحاسم: فإذا كان كل شيء وفيراً، فمن سيقرر ماذا نرى أولاً هو الحاكم الحقيقي. لن تكون السياسة حول من يوزّع الدعم، بل حول من يبرمج خوارزمية التوزيع، وهذا خطر أكبر من الفقر لأنه تحكم غير مرئي.
هذا بالضبط ما يقود سباق الذكاء الاصطناعي في عالم اليوم ويجعل القيمة السوقية لكل من شركتي آبل وانفيديا تصل إلى أكثر من 4.5 تريليون دولار! كل الخشية أن هذا السباق (غير المنضبط بقواعد وقوانين) نحو التفوق والإمساك أولاً بمصادر الحوسبة الرقمية سيكون مشابهاً لتسابق الدول الإمبريالية في بدايات القرن العشرين للسيطرة على آبار النفط في مناطق أورو آسيا والشرق الأوسط والذي انتهى بالحربَين العظميين الأولى والثانية. فهل ننتظر حرباً ثالثة يقودها ماسك وآلهة الذكاء الاصطناعي؟ غالباً هذا ما سيحصل إن لم يتم ضبط دولي لهذا السباق وعلى أساس نظام دولي مختلف عن الذي يتحكم بحياتنا اليوم. ولا تستبعدوا ثورات شعبية مستقبلية، ليس ضد الإقطاعيين أو الرأسماليين أو الطغاة هذه المرة بل ضد الروبوتات ومن يتحكم بها.
ولن أستغرب تطوير نسخة من النظرية الشيوعية تُبرمَج بذكاء اصطناعي متاح لكل شخص مجاناً، لكنها لن تصمد بالتأكيد أمام رأسمالية منمذجة اصطناعياً، حيث تمتلك الكثرة وصولاً آمناً إلى الحد الأدنى من الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات، مقابل قلة تمتلك القدرة على الوصول إلى الذكاء الاصطناعي الفاخر (Pro AI).



اضف تعليق