يعرض المقال قضية مناهج تفسير القرآن الكريم بوصفها إشكالية جدلية بين المفسرين، ثم يقرأ كتاب السيد مرتضى الشيرازي «مناهج التفسير واتجاهاته» باعتباره محاولة لتحديد المنهج الأصوب. ويخلص إلى أن الأصل هو تفسير القرآن بمحكماته وبمعتبر الروايات، مع ضبط الاجتهاد العقلي، واعتماد الاتجاه الاجتهادي التربوي، والتأسيس لفقه تفسير يحمي النص...
علم التفسير، كأي علم آخر، له قضاياه الخاصة به، والتي تنشأ عن سيرورة العلم ذاته، وخلفيات المشتغلين به، ورؤيتهم لحقيقة القرآن، وطبيعة تنزّلاته، وخصائص لغته، ومرجعيات فهمه، وأثر تطورات الأزمان في توليد معانيه واستكشاف دلالاته... وما نقصده بقضايا التفسير، هي تلك المسائل والإشكالات الجدلية الدائرة حول آليات تفسير النص القرآني وتحديد مراداته، كقضية الوحي والنسخ والمجاز وغيرها قديمًا، وحديثًا كقضية الإعجاز العلمي، وتاريخانية النص القرآني، ومقاصديته وغيرها. ولأن هذه المسائل جدلية، أي تستدعي نقاشًا واختلافًا بين المتجادلين فيها لاختلاف مشاربهم الفكرية، ما يوجب انعدام إجماعهم حولها، فهي مستعصية على الغلق، ومنفتحة على تلقي الرؤى الجديدة حول معالجتها.
قضية مناهج التفسير
من قضايا التفسير المهمة التي اشتغل عليها المهتمون بالدراسات القرآنية في العقود الأخيرة، قضية مناهج التفسير. هذه القضية التي لفت أنظار الباحثين إليها المستشرق المجري إجناس جولد تسيهر في كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي»، الذي طُبع لأول مرة في لندن سنة 1920م، حيث تحدث عن منهج التفسير الأثري ومنهج التفسير بالرأي، إضافة إلى موضوعات أخرى أثارت ردودًا كثيرة. إلا أن فاتحة الكتب العربية التي عُنيت بالحديث عن هذه المناهج، هو كتاب «التفسير والمفسرون» للدكتور محمد حسين الذهبي (1977م)، وكان في الأصل أطروحة علمية حصل بها على الدرجة العالمية «الدكتوراه» عام 1946م من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
منذ ذلك الحين، والحديث لا يزال مستمرًا عن هذه المناهج التفسيرية أنواعًا، وتاريخًا، وتوصيفًا، ونقدًا، سواء أكان ذلك بشكل كتاب مستقل أم ضمن كتب علوم القرآن الكريم عند الحديث عن علم التفسير. وقد يجد المتابع لحركة التأليف عند الإمامية اهتمامًا ملحوظًا بهذه القضية في العقدين الأخيرين، إنْ على مستوى الكتابة حول منهج بعينه، كـ «المنهج الأثري في تفسير القرآن الكريم، حقيقته ومصادره وتطبيقاته» لهدى جاسم أبو طبرة، وإنْ على مستوى الكتابة حول رصد هذه المناهج وبيان مشروعيتها وخطواتها وإيجابياتها وسلبياتها، كـ «دروس في المناهج والاتجاهات التفسيرية للقرآن» لمحمد علي الرضائي الأصفهاني، و«المناهج التفسيرية عند الشيعة والسنة» لمحمد علي أسدي نسب، و«المناهج التفسيرية في علوم القرآن» للشيخ جعفر السبحاني، و«مدارس التفسير الإسلامي» لعلي أكبر بابائي، وغيرها. هذا فضلًا عن الكتب التي تحدثت عن هذه القضية ضمن كتب علوم القرآن، وهي كثيرة.
المنهج الأصوب في التفسير
في سياق الاهتمام نفسه بقضية مناهج التفسير، صدر في العام 2025م للسيد مرتضى الحسيني الشيرازي، كتاب قيّم حمل عنوان «مناهج التفسير واتجاهاته». وهو كتاب وإنْ شابه عنوانه مضمون العناوين السابقة، إلا أنه يتقدم في معالجة هذه القضية خطوة مهمة، وهذه الخطوة تتمثل في سؤال/مشكلة البحث التي صيغت على النحو الآتي: المشكلة تكمن في الاختلاف الشديد، على مستوى العقل النظري والعملي، على مر التاريخ، بين المفسرين في الأصوب من المناهج والأنفع من الاتجاهات في تفسير القرآن الكريم.
في سعيه لتقديم رؤية إسلامية أصيلة تعالج هذه القضية، اعتمد السيد الشيرازي على منهج مركب من عدة مناهج كالعقلي - النقلي، والاستقرائي - التحليلي - النقدي، إضافة إلى استثمار معطيات المنطق الكلاسيكي والضبابي، وقواعد علم الأصول والكلام والفلسفة واللغة والبلاغة.
وبعد بيان الفرق بين المنهج التفسيري والاتجاه التفسيري، والمتمثل في أن «المنهج» يرمز إلى الحجة التي تعني الكاشف والدليل المعتمد الذي يلقي الضوء على معاني الآيات الكريمة وشتى دلالاتها، وقد خص السيد الشيرازي بالتحليل والنقد منها: المنهج الظاهري، والمنهج النقلي/الأثري، والمنهج الاجتهادي/العقلي، ومنهج تفسير القرآن بالقرآن، والمنهج الباطني/العرفاني/الصوفي، والمنهج التاريخي، والمنهج العلمي، والمنهج الهرمنيوطيقي.
في حين أن «الاتجاه» هو الطابع العام الغالب على التفسير، فقد يكون التركيز بالأساس أو في الأكثر على المسائل الكلامية أو الفقهية أو الأدبية أو الاجتماعية. ولم يتطرق السيد إلا للاتجاه الاجتماعي - النهضوي فقط في الكتاب. على هذا، تكون النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، إذ قد يكون الاتجاه العام كلاميًا أو اجتماعيًا ويكون المنهج عقليًا أو نقليًا، فهي مادة الاجتماع، وقد يفترقان من هذه الجهة أو تلك. ثم تجري مناقشة كل منهج واتجاه على حدة عبر تعميق الفهم لطبيعة المنهج أو الاتجاه ذاته، وتحليل معطياته وإمكاناته وفق منهج البحث المركب السابق.
بعد كل ذلك، ينتهي الكتاب إلى جواب سؤال/مشكلة البحث، والذي يتلخص في الآتي:
أولًا: الأصل في المناهج التفسيرية هو التفسير بمحكمات الكتاب الكريم، مع التفسير بمعتبرات الروايات الشريفة؛ ذلك لأنهما يمثلان المرجع المعتمد في التفسير وغيره، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44). ولأن المجموع منهما يشكل «الثقلين» اللذين ورد عنه (صلى الله عليه وآله) في المتواتر لدى الفريقين التمسك بهما: «إني تارك فيكم أمرين، إن أخذتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وأهل بيتي عترتي. أيها الناس، قد بُلِّغت أنكم ستردون عليّ الحوض، فأسألكم عما فعلتم في الثقلين. والثقلان كتاب الله وأهل بيتي، فلا تسبقوهم ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم».
أما التفسير العقلي، فإن أُريد به المستقلات العقلية وما كان في دائرة الملازمة، فإنه وإن صحّ إلا أن دائرته محدودة جدًا. وإن أُريد به التفسير الاجتهادي، فإنه لا يكون حجة إلا إذا اعتمد على مجموعة من الضوابط دون القياس والاستحسان والذوق والمسبقات العقلية والنفسية، وإلا كان من التفسير بالرأي. وأما التفسير العلمي، فإنه محدود النطاق جدًا، والمتوسع فيه متورط، كثيرًا ما، في ضرب من ضروب التفسير بالرأي. وأما التفسير الباطني، فلا حجة له أبدًا. والضابط العام أن يُعرض كل شيء على الكتاب والسنة، فما وافقه يُؤخذ به، وما خالفه يُطرح.
ثانيًا: الأصل في الاتجاهات التفسيرية هو الاتجاه الاجتهادي - التربوي؛ فهذا النوع أعم فائدة، فهو يشمل جميع الناس بآثاره وبركاته، ولشموله كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
خاتمة
ما يجدر الالتفات إليه بعد هذه الخلاصة الموجزة لبنية الكتاب الرئيسة أمران:
1. أن الكتاب تضمن تقديم رؤى جديدة لقضايا تفسيرية شائكة أخرى، كقضية فلسفة المحكمات والمتشابهات، وقضية التأويل وأبعادها ومرجعياتها، وقضية تعارض العقل والنقل في التفسير، والموقف من القراءات الحداثوية. وهي رؤى جديرة بالمناقشة والفحص.
2. أن الكتاب، بما اعتمده من منهجية مركبة في المعالجة، يمكن عدّه خطوة مهمة في التأسيس لعلم «فقه التفسير»، وهو علم قمين بالحوزة العلمية أن تبيّن مفهومه وعناصره وشروطه ومديات حجيته؛ حتى لا يكون الكتاب العزيز عرضة لمذقة شارب هنا، ونهزة طامع هناك، وقبسة عجلان هنالك.



اضف تعليق