العراق يملك النفط والأرض والمياه والموارد البشرية والسوق ورأس المال الممكن توفيره، لكنه ما زال يهدر جزءًا كبيرًا من هذه الإمكانات بسبب سوء إدارة المركب الاقتصادي، لهذا سيكون السؤال الذي يواجه علي الزيدي في نهاية المطاف بسيطًا وحاسمًا: هل أدار الاقتصاد الريعي بصورة أفضل، أم بدأ فعلًا بإخراج العراق منه؟...

لا يحتاج العراق اليوم إلى حكومة أخرى تدير الاقتصاد الريعي بالأدوات نفسها، وتنتظر ارتفاع أسعار النفط لكي تتنفس الموازنة، ثم تدخل في دائرة القلق كلما انخفضت الإيرادات أو ازدادت النفقات. وإذا كان رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي يمتلك خبرة اقتصادية تميزه عن عدد من أسلافه، فإن هذه الخبرة ترفع سقف المسؤولية السياسية الملقاة على عاتقه، وتجعل الملف الاقتصادي أحد أهم المعايير التي ينبغي أن يُقاس بها نجاح حكومته أو إخفاقها.

لقد وصلت اختلالات الاقتصاد العراقي إلى مستوى لا يسمح بمواصلة سياسة التأجيل. فما زال النفط يمول القسم الأعظم من الدولة، وما زالت كتلة الرواتب والنفقات التشغيلية تستهلك جزءًا ضخمًا من الموارد، فيما يعاني الدينار ضغوطًا متواصلة تنعكس على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطن. وفي الوقت نفسه، ما زالت حركة الدولار والتحويلات الخارجية خاضعة بدرجات مؤثرة لإجراءات النظام المالي الأميركي، بما يكشف هشاشة الاستقلال المالي والنقدي للعراق.

وفوق ذلك تتفاقم مشكلة البطالة، فيما تدفع الجامعات والمعاهد سنويًا بأعداد كبيرة من الخريجين إلى سوق عمل عاجزة عن استيعابهم. وهؤلاء يتجهون إلى الدولة مطالبين بالتعيين، لأن الاقتصاد لم يوفر لهم بديلًا حقيقيًا. ولا يجوز لوم الشباب على البحث عن وظيفة حكومية ما دام القطاع الخاص المنتج ضعيفًا، والصناعة متعثرة، والزراعة دون إمكاناتها، والاستثمار غير قادر على توليد العدد المطلوب من فرص العمل.

هنا تحديدًا يبدأ الاختبار السياسي لحكومة علي الزيدي.

فالمطلوب ليس معالجة أزمة الرواتب عندما تقع، ولا الدفاع عن سعر صرف معين، ولا تقديم قروض ومبادرات متناثرة، وإنما الشروع في تغيير بنية الاقتصاد العراقي نفسها: تقليل الاعتماد التدريجي على النفط، توسيع القاعدة الإنتاجية، إعادة الحياة إلى الصناعة والزراعة، تحرير طاقات القطاع الخاص المنتج، إصلاح النظام المصرفي، ربط التعليم بسوق العمل، وتحويل الإنفاق العام من أداة لتوزيع الريع إلى أداة لبناء القدرة الاقتصادية.

العراق يملك النفط والأرض والمياه والموارد البشرية والسوق ورأس المال الممكن توفيره، لكنه ما زال يهدر جزءًا كبيرًا من هذه الإمكانات بسبب سوء إدارة المركب الاقتصادي.

لهذا سيكون السؤال الذي يواجه علي الزيدي في نهاية المطاف بسيطًا وحاسمًا: هل أدار الاقتصاد الريعي بصورة أفضل، أم بدأ فعلًا بإخراج العراق منه؟ الفرق بين الجوابين هو الفرق بين حكومة تدير الأزمة وحكومة تبدأ مشروع التحول.

اضف تعليق