فيسبوك مدينة لمستخدميها بتوفير سبل الحماية لهم، بصفتهم مستهلكين ومنتجين. والسؤال هو كيف نحمل الشركة على احترام هذا الالتزام مع احتفاظ زوكربيرج بالقسم الأعظم من قوة التصويت، تصبح قدرة مجلس إدارة فيسبوك على إحداث أي تغيير ضئيلة دون موافقته في اجتماع الشركة السنوي لحاملي الأسهم...
LUCY P. MARCUS

 

لندن ــ عندما طرحت شركة فيسبوك أسهمها في سوق الأوراق المالية في عام 2012، كانت قدرتها في ما يتصل بالحوكمة الشركاتية الفعّالة محل شك بالفعل. وبعد مرور ست سنوات، اكتسبت فيسبوك قدرا هائلا من القوة، والنفوذ، والتأثير ــ ومن نواح كثيرة، أثبتت أن المشككين كانوا محقين.

لم يكن المشككون أقلية صغيرة. بل على العكس من ذلك، كان الإجماع العام بين المستثمرين والمستشارين أن فيسبوك كانت أضخم مما ينبغي، وأن إمكانات نموها كبيرة للغاية، لكنها لا تملك ما يكفي من القدرة لحماية المعلومات الشخصية للملايين الذين يستخدمون منصتها.

وكما أشرت في ذلك الوقت، "تسبح شركة فيسبوك ضد تيار حركة عالمية نحو الشفافية، والمشاركة، والضوابط والتوازنات. ويبدو الأمر كما لو أننا دخلنا جميعا إلى آلة زمن، كما لو كانت كل دروس الحوكمة في السنوات القليلة الماضية ــ بما في ذلك إخفاقات مجالس الإدارات في أزمة القطاع المصرفي ــ لم تحدث قَط".

ولكن كما هي الحال غالبا، تتمكن النشوة من المستثمرين. ولعل مراقبة الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرج وهو يدلي بشهادته أمام الكونجرس الأميركي في أوائل إبريل/نيسان ــ في أعقاب الكشف عن حصد البيانات الشخصية لما يقرب من 90 مليون مستخدم بواسطة شركة الاستشارات السياسية كمبريدج أناليتيكا ــ كانت بمثابة "نوبة صحيان" خشنة لأولئك الذين تعاطفوا مع فيسبوك.

تخللت شهادة زوكربيرج عدة اعتذارات. ولكن برغم أنه تحمل المسؤولية فنيا عن فشل فيسبوك في حماية المستخدمين من "الأخبار الزائفة، والتدخل الأجنبي في الانتخابات، وخطاب الكراهية" أو الحفاظ على خصوصية البيانات، فقد صور فيسبوك على أنها شركة "مثالية" تركز على "الربط بين الناس".

كان في ذلك تكرارا لمحاولات بذلها زوكربيرج في وقت سابق لتصوير نفسه، كلما كان ذلك ملائما، في هيئة زعيم شاب ساذج سليم الطوية. ففي مقابلة مع سي إن إن، أعلن أنه صَدَّق القائمين على شركات مثل كمبريدج أناليتيكا عندما أكدوا لشركة فيسبوك أنهم لم يحتفظوا بأي بيانات من فيسبوك. وعندما واجهه مضيفه في سي إن إن بالسؤال عن السبب وراء عدم إجراء أي تدقيق، أجاب ساخرا: "لا أدري ماذا ترى أنت، لكني اعتدت عندما يتعهد الناس قانونا بالقيام بشيء ما فإنهم يفعلون ذلك".

وكانت اعتذارات زوكربيرج للكونجرس جوفاء بنفس القدر، لأنها ليست الأولى التي تصدر عن فيسبوك. ففي أكتوبر الماضي، في أعقاب الكشف عن قيام مجموعات مرتبطة بروسيا بشراء ما تتجاوز قيمته 100 ألف دولار من الإعلانات على المنصة للتأثير على الانتخابات الرئاسية في عام 2016، أرسلت الشركة مديرة العمليات شيريل ساندبرج إلى واشنطن العاصمة للسيطرة على الأضرار.

وفي لقائها مع العديد من القادة المنتخبين ــ من الكتلة السوداء في الكونجرس إلى المشرعين الذين يحققون في التدخل الروسي في الانتخابات ــ تعهدت ساندبرج مرارا وتكرارا بتقديم "أداء أفضل"، بمعنى أن فيسبوك تعتزم الاستثمار في اجتثاث الأخبار الزائفة والتحقق من المعلنين بشكل أكثر دقة. ولكن من خلال التعامل مع فشل الحوكمة بوصفه أزمة اتصال مؤسسية، سمحت فيسبوك لمشكلاتها الحقيقية بالاستمرار في النمو.

يزعم بعض المراقبين أن مستخدمي فيسبوك لا يجوز لهم أن يلوموا أحدا غير أنفسهم على انتهاكات الخصوصية. فقد وافقوا على الاشتراك في منصة مجانية، وقدموا بياناتهم طواعية. وليس خطأ فيسبوك أنهم لم يطلعوا على شروط الاتفاق المدونة بأحرف صغيرة الحجم.

لكن توقعات حماية المستهلك المعقولة تشكل جزءا لا يتجزأ من اقتصاداتنا. فإذا باعتك إحدى الشركات سيارة لم تخضع للاختبارات بالقدر الكافي، فأسفر ذلك عن إصابتك في حادث، فإن الشركة تدفع الثمن. وينطبق نفس الأمر على أي عمل آخر يتعامل مع مستهلكين، من شركات الطيران إلى موردي الأطعمة. فالمطعم لا يستطيع أن يتهرب من المسؤولية عن تقديم طعام منتهي الصلاحية ببساطة عن طريق وضع لافتة تقول "على العملاء أن يتوخوا الحذر".

علاوة على ذلك، عندما يتعلق الأمر بشركة فيسبوك، فإن المستخدمين ليسوا مجرد مستهلكين سلبيين، لأن الشركة تتاجر في بياناتهم. (من الجدير بالذكر، كما اعترف زوكربيرج أمام الكونجرس، أن شركة فيسبوك تجمع البيانات حتى من أشخاص ليس لديهم حسابات على فيسبوك، عن طريق أصدقائهم ومتصفحاتهم، برغم أن الشركة لن تكون قادرة على بيع هذه البيانات).

الواقع أن مستخدمي فيسبوك أشبه بعمال يجري التعاقد معهم من الباطن لتصنيع المنتج (البيانات) الذي تبيعه الشركة. ونحن نحمل الشركات، إلى حد ما، المسؤولية عن ظروف عمل المتعاقدين معها من الباطن. وعلى أقل تقدير، نخضع هذه الشركات للتنظيم والرقابة.

وعلى هذا فإن فيسبوك مدينة لمستخدميها بتوفير سبل الحماية لهم، بصفتهم مستهلكين ومنتجين. والسؤال هو كيف نحمل الشركة على احترام هذا الالتزام.

مع احتفاظ زوكربيرج بالقسم الأعظم من قوة التصويت، تصبح قدرة مجلس إدارة فيسبوك على إحداث أي تغيير ضئيلة دون موافقته. في اجتماع الشركة السنوي لحاملي الأسهم العام الماضي، جرى التصويت على خمسة مقترحات حول كيفية البدء في معالجة بعض نقاط الضعف التي تعيب فيسبوك، ورُفِضَت جميعها.

وقد شمل ذلك مقترحات تقضي بنشر تقرير عن المساواة في الأجور بين الجنسين، فضلا عن مقترح حول قضايا السياسة العامة المرتبطة بإدارة الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية، بما في ذلك التأثير على العملية الديمقراطية، وحرية التعبير، والمجتمع المتماسك. كما طُرِح مقترح يقضي بإلزام فيسبوك بالإفصاح الكامل عن إنفاقها على جماعات الضغط السياسية. كما اقترح بعض المشاركين ترشيح رئيس مجلس إدارة مستقل وتغيير بنية تصويت المساهمين للحد من نفوذ زوكربيرج.

من قبيل الابتذال أن نقول إن القوة تأتي مصحوبة بمسؤوليات عظيمة. لكنها مقولة ينبغي لزوكربيرج أن يأخذها على محمل الجد. فهو الرئيس التنفيذي لشركة عظيمة النفوذ، وعلى ظهرها تُبنى صناعة جديدة تماما: وفقا لتقرير صادر عن ديلوتي في عام 2017، عملت شركة فيسبوك على تمكين نشاط اقتصادي بقيمة 227 مليار دولار، وساهمت في خلق 4.5 مليون وظيفة على مستوى العالم في عام 2014. ونظرا لمدى انتشار الشركة، وبسبب صعوبة الخروج من المنصة، فإن الاعتذارات الساذجة البريئة لم تعد كافية.

يتعين على شركة فيسبوك أن تتحمل المسؤولية عن سلوكها على النحو الذي يتناسب مع حجم تأثيرها ونفوذها، من خلال تغيير أسلوب الإدارة والحوكمة والسلوك التشغيلي. والواقع أن التحدي أعمق كثيرا من مجرد "موافقة" المستخدمين على مجموعة جديدة من "الشروط والأحكام". بل يمتد التحدي إلى صميم الكيفية التي تُدار بها الشركة.

* لوسي بي. ماركوس، الرئيسة التنفيذية لاستشارات فينشر ماركوس
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق