من المسائل اللافتة للنظر أن المرجع الديني الراحل آية الله السيد محمد الشيرازي الذي نحيي هذه الأيام الذكرى السنوية لوفاته كان قد كرس جزء كبيرا من حياته لفئة الشباب، من خلال مؤلفاته، أو من خلال دروسه أو محاضراته، أو من خلال لقاءاته الاجتماعية مع أفراد المجتمع. وكان يوجه المسلمين-لاسيما أتباعه وأنصاره ومقلديه- إلى الاهتمام بالشباب، إذا ما أريد التغيير، لأنهم أفضل أداة للتجديد، وأهم عنصر للتغيير المجتمعي.

فتأخر الأمم والشعوب وتقدمها يكاد يتوقف على فئة الشباب الخاصة دون غيرهم من الفئات العمرية، فتخلف الأمم وجهلها يكون سببه الأول هو عدم الاهتمام بالشباب، كما أن تطور الأمم وتقدمها وارتقاءها لا يكون إلا من خلال تطوير الشباب وتقدمهم وارتقاءهم. وكل التغيرات المجتمعية الكبرى التي يمكن أن تحدث على هذه الأرض إيجاب أم سلبا قائدها الأول هم الشباب، وكل تصحيح سياسي أو ثقافي أو ديني يكون الشباب في العادة هم صناعه وأدواته.

لذلك؛ وفي كل مناسبة كان المرجع الراحل الإمام الشيرازي يركز على الشباب من ثلاث زاوية أساسية.

الأولى؛ إنه كان يعطي تصورا واضحا عن اهتمام الأديان السماوية والإسلام خاصة بالشباب، وكيف أعطاهم الفرصة لإثبات إمكانياتهم وطاقاتهم، مما ترتيب عليه أن هؤلاء الشباب كان لهم الأثر الكبير في انتشار الإسلام في ارجاء المعمورة وفي استدامته.

والثانية؛ هو تركيزه على دور الشباب وأهميتهم في بناء المجتمع الإسلامي، وأهمية النضج الذي من المفروض أن يتمتعوا به؛ لكي يكونوا قادة المستقبل.

والثالثة؛ كان يوضح أهم الأدوات والوسائل التي يمكن أن يقوم بها المجتمع الإسلامي من أجل ترسيخ دور الشباب في التنمية المستدامة.

يقول الإمام الشيرازي (إننا إذا راجعنا التاريخ متتبعين فيه حياة الأنبياء "عليهم السلام" يتبين لنا أن العديد من الرسالات السماوية إنما قامت على أكتاف الشباب، فهم الذين كانوا يتسابقون إلى الإيمان بالدين وتقبل تلك الأفكار الجديدة، وكانوا على أهبة الاستعداد دائماً للتضحية في سبيل هذه المبادئ القيمة. فمثلاً: نبي الله نوح "عليه السلام" حينما أعلن دعوته التوحيدية في ذلك المجتمع المنحل، من الذي استجاب له ونصره؟ ومن الذي لبّى نداءه، وهو نداء الحق؟ نجد أن الذي تجاوب معه "عليه السلام" هم مجموعة من الشباب الفقراء المؤمنين، الذين سارعوا لنصرة نوح (عليه السلام) والإيمان بما جاء به من الحق، أما بقية قومه وهم كثرة، فإنهم ظلوا على كفرهم، ولم يؤمنوا به، ولم يكتفوا بهذا، بل كانوا ينتقصون منه (عليه السلام) ومن أتباعه، كما ورد في القرآن الكريم حيث قال عز وجل: "وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ" أي يقولون لهم: أنتم مجموعة من الشباب الفقراء خاملي الذكر في المجتمع)

ويضيف الإمام الشيرازي أنه (عندما صدع رسول الله "صلى الله عليه وآله" بالدين الجديد والأفكار الإسلامية الجديدة، نرى أن الذين سارعوا إلى الإيمان به واعتنقوا الدين الجديد كان منهم ثلة من الشباب، فأول من آمن وأسلم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والذي كان عمره لا يتجاوز العشر سنين، وكان منهم جعفر بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، ومصعب بن عمير، وبلال الحبشي، ومعاذ بن جبل، وزيد وغيرهم..

كل ذلك كان مدعاة لأن يولي الرسول (ص) الشباب أهمية كبرى في قيادة الدين ونشره بين أبناء القبائل وفي البلاد التي وصل إليها نور الإسلام. يقول الإمام الشيرازي (لقد نظر رسول الله إلى الشباب نظرةً ثابتة، وأولاهم أهمية قصوى في حركة الأمة.. فنراه "صلى الله عليه وآله" أعطى الراية لأسامة بن زيد الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من العمر ـ وقيل الثامنة عشر ـ وأمر الصحابة أن يأتمروا بأمره ويطيعوا قائد الجيش الشاب، حتى كان بعض المسلمين يناديه بالأمير بقية حياته. فقد جعلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتباع لفتى شاب، وأراد (صلى الله عليه وآله) بهذا الأمر وغيره أن يبين للأمة المقاييس الحقيقية للتفاضل، وأن العمر ليس مقياساً، فالرجل المناسب في المكان المناسب، وكذلك ولى عتاب بن أسيد مكة بعد فتحا وقد قال "صلى الله عليه وآله" في قضية تولية عتاب بن أسيد على مكة بعد فتحها (ولا يحتج محتج منكم في مخالفته بصغر سنه، فليس الأكبر هو الأفضل بل الأفضل هو الأكبر، وهو الأكبر في موالاتنا وموالاة أوليائنا ومعاداة أعدائنا).

لقد كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يختار الشباب المؤمنين الصالحين، ويجعلهم في بعض المناصب والوظائف الحساسة، لإدارة ما يرتبط بالأمة الإسلامية؛ والسبب في ذلك الاختيار يرجع إلى عدة أمور:

أولاً: لأن الشاب في بداية شبابه يشعر بأن له قوة عظيمة تمكنه أن يكون مؤثراً في العالم، وله القابلية على العمل والإبداع، وهو ذو حب كبير للنشاط والخدمة، واستعداد دائم للتضحية من أجل أفكاره وآرائه، ويحاول أن يضحّي بنفسه من أجلها، فإنه عادة لا يتشبّث بالحياة كثيراً كالرجل الكبير؛ لأن طبيعة الإنسان كلما طال بقاؤه في الدنيا ازداد حرصاً وطمعاً فيها، وكما جاء في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث قال: (ويهرم ابن آدم وتشبّ فيه اثنتان: الحرص وطول الأمل) أما كثير من الشباب فتقل فيهم هذه الحالات عادة.

ثانياً: في مرحلة الشباب يشعر الشاب بتفتح عقله، وكذلك يشعر بأن مواهبه تتفجّر، حيث يبدأ بالتفكير الدقيق، فتشخص في ذهنه الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام عن الحياة والمجتمع، والتي لابد له من تحصيل الإجابة عليها؛ لذلك نراه يقوم بالبحث عن الأجوبة، ولو كلّف ذلك حياته أحياناً، فتراه مستعداً لأن يعتنق الفكرة الجديدة التي ينسجم معها أحياناً مهما كانت خطورتها ومصاعبها.

ولعل أكثر المجتمعات الحالية، وهذا ما يؤسف له، بما في ضمنها بعض المجتمعات الإسلامية ما زالوا يقيّمون الإنسان بمقياس العمر والزمن... وما دام الشباب لم يقطعوا من الحياة إلا مسافة قصيرة فإن مجتمع الكبار لا ينظر إليهم نظرة ثقة واحترام -في بعض الأحيان - ولا يفسح لهم مجال التحرك والنشاط، على العكس من المقياس الذي اتخذه الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) في حياته الشريفة، فقد أعلن (صلى الله عليه وآله) رفض الإسلام لمقياس العمر والسن، وجعل المقياس الصحيح هو التقوى والعمل والكفاءة والقدرة على الإبداع، فكان (صلى الله عليه وآله) يختار من بين أفراد المجتمع الإسلامي الطاقات المتفجرة، ويولّيهم إدارة وقيادة المسلمين.

من هذا المنطلق، يؤكد الإمام الشيرازي على فسح المجال للشباب لأن يمارس دوراً اجتماعياً، ويقوم بدور صالح مفيد في المجتمع، يساعده على بناء شخصيته، وينمي فيه كفاءاته، ويزوده بالخبرة الاجتماعية. وإن لم نهتم بالشباب ولم نفسح المجال للشباب في ممارسة رغبته المشروعة بأداء دور اجتماعي ضمن توجيه صالح، فستكون النتيجة أحد أمرين: إما أن تخمد طاقات الشاب وتقتل مواهبه وتدفن طموحاته، وإما أن يبادر إلى ممارسة أدوار منحرفة ويقوم بأعمال فاسدة.

ويوجه الإمام الشيرازي الأمة الإسلامية للاهتمام بالشباب من خلال المحاور الآتي:

1. الاهتمام بنشر الفكر الإسلامي الأصيل في أوساط الشباب، لا سيما المحور العقائدي، لما يشكل أهمية في حياة الشباب، ونكون بذلك قد ضربنا الأسس الفكرية التي تعقد عليها الثقافة والفكر غير الإسلامي، وبنفس الوقت بينا المفاهيم الإسلامية لأبنائنا الشباب بكل وضوح.

2. الاهتمام بالتجمعات الجماهيرية الشبابية، فإنها وسيلة من الوسائل التي يميل إليها الشباب، وبنفس الوقت تكون وسيلة لنشر الثقافة، حيث تتداول فيها الأقوال والأخبار، وهذه التجمعات تارة تكون موجودة، وأخرى نحث على إيجادها؛ لكي نجمع أكبر قدر ممكن من الشباب المشتت الضائع، ولابد أن نصنع برامج بواسطتها يتقدم الشباب خطوات إلى الأمام على الصعيد الاجتماعي والفكري، فعلينا أن نعمل على تشكيل مؤسسات أو مجمعات تحتضن وتحتوي الشباب، وتقدم لهم كل ما يحتاجون إليه.

3. الاهتمام بالعلم المفيد، فعلى الشباب الالتفات إلى ضرورة تحصيل العلم والدراسة بما للكلمة من معنى، لا كالمتعارف في هذا الزمان حيث إنهم إذا اشتغلوا بدراسة العلوم، وأنهوا الجامعة ابتدأوا الحياة تاركين التقدم العلمي وتطوير معلوماتهم أو تنويعها من دون الاستفادة من الـتجارب والنظريات الجديدة؛ لذا يلزم المواظبة على طلب العلم دائماً، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اطلبوا العلم من المهد إلى اللّحد).

4. تهيئة وسائل الترفيه الجسدية والفكرية المشروعة كالسباحة والفروسية والرماية وما أشبه. فقد قال رسول الله "صلى الله عليه وآله": (علّموا أولادكم السباحة والرماية) وكذلك إنشاء مكتبات خاصة لقراءة الكتب والمجلات المفيدة وغيرها.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق