ضعف الدولة يرتبط غالباً بانتشار ثقافة غير ديمقراطية، فضلاً عما يمكن أن يؤدي إليه من زعزعة النظام العام وبالتالي إشاعة الفوضى أو عدم الاستقرار في المجتمع. الأمر الذي يقف حائلاً أمام التطور الديمقراطي. وبالتالي فان قوة الدولة ضرورة ملحة لهذا التطور وليس العكس. والدولة القوية...
بقلم: ياسر خالد الوائلي

سادت أدبيات العلاقات الدولية العديد من المفاهيم والاتجاهات والآراء عكست بيئة التفاعل الدولي، فبعد أن كانت مفاهيم مثل الصراعات، النزاعات، الثورية، القمعية سائدة طوال قرون عديدة بسبب الظروف الدولية التي جسدتها الحروب العالمية، ظهرت مفاهيم أخرى مثل التعاون، السلم الدولي، الانفتاح الرفاهية، الديمقراطية تسود لكي تعبر عن واقع جديد يعكس جنوح المجتمعات الدولية إلى تحقيق الأمن والسلم الدوليين وتتطلع إلى مزيد من التقدم والازدهار.

وأخذت هذه المفاهيم تنمو وتتعمق بنمو الأحداث الدولية، وكان من الطبيعي أن يستجيب النظام الدولي الجديد إلى مثل هذه المفاهيم، إذ غدت ثورة المعلومات وتقنية الاتصالات ووسائل الإعلام حاجة ملحة لكل شعوب العالم المتطلعة إلى التطور التقني والعلمي، وكان لابد لهذه الشعوب أن تسلك سلوك التعاون والاعتماد المتبادل سبيلاً لتحقيق أهدافها وبناء ديمقراطية جديدة قائمة على احترام كافة الآراء والاتجاهات، وان تتخلص من جميع القيود المفروضة عليها سواء من قبل الحكومات الثورية والتسلطية التي كانت تمارس عليها سياساتها التعسفية أو من قبل البلدان المستعمرة.

وحيث أن "الدولة" بوصفها بيئة التفاعل الدولي التي تجري فيها معظم الأحداث والمحرك الأساس لكل القوى والانتماءات، التي بدأت تعلو أصواتها مطالبة الكف من تقييد الحريات والسماح للمؤسسات المدنية والأفراد والجماعات لتأخذ دورها في التعبير عن رأيها وممارسة الديمقراطية، فإن الدولة أو دور الدولة تجاه تطبيق الديمقراطية يحكمه عوامل عديدة، أبرزها نسبية دور الدولة، بمعنى قدرة الدولة أو عدم قدرتها على تنفيذ متطلبات وشروط التطور الديمقراطي.

وإزاء ذلك ظهر اتجاهان مختلفان: الأول يدعو إلى وجود سلطة قوية تمارس دورها لأداء وضبط متطلبات التطور الديمقراطي من خلال الإشراف المباشر على الأجهزة والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية ومتابعة دور المنظمات غير الحكومية.

والثاني: يدعو إلى تقليص سلطة الدولة في الإشراف على العملية الديمقراطية على اعتبار أن المؤسسات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني قادرة على أداء دورها في ضبط وتقييم متطلبات النمو الديمقراطي.

إذن هناك إشكالية رئيسية تنبع من أن للدولة بوصفها "سلطة" يحكمها عاملان رئيسيان في ممارستها للديمقراطية والانفتاح، هما عامل القوة وعامل الضعف.

وإزاء هذه الإشكالية، لابد من وضع فرضية ما تقوم على أساسها تبيان وتوضيح العلاقة بين قوة الدولة بوصفها "سلطة" والديمقراطية، وهي أن هناك علاقة طردية بينهما، إذ كلما زادت قوة الدولة وقدرتها على تحقيق التثقيف السياسي كلما حققت نجاحاً مطلوباً للديمقراطية إذا استندت على خطط متوازنة ومتكاملة يمكن أن تكون الأساس لنجاح ثقافة سياسية متطورة.

وابتداءً نقول: إن الديمقراطية كما ظهرت في العديد من الأدبيات السياسية هي حكم الشعب للشعب، بمعنى بزوغ مرحلة جديدة تظهر فيها تيارات سياسية واجتماعية متعددة قادرة على التعبير عن خصوصيتها السياسية والاجتماعية والثقافية مع تعددية في الأحزاب السياسية.

فما بين التيار الداعي إلى تفعيل وزيادة قوة الدولة بوصفها "سلطة" سبيلاً لنجاح الديمقراطية، وما بين التيار الآخر الذي ينادي بضرورة تقليص هذه السلطة، لابد أن يكون هناك اتجاه وسط يعمل على تحقيق التوازن في كلا التيارين.

حيث أن استمرار قوة الدولة لا ينطوي على عنصر سلبي بشأن التطور الديمقراطي ومستقبله. فليست هناك علاقة ضرورية بين الديمقراطية وضعف الدولة، ولا بين السلطوية Authoritarianism وقوة الدولة.

فالتطور الديمقراطي الناجح المستند على زيادة ورفع مستوى الوعي السياسي لقيم المشاركة السياسية الديمقراطية والبناء القانوني والمؤسساتي لمجتمع الدولة، يحتاج إلى مجتمع قوي ناضج وحديث، ولا يتعارض على هذا النحو مع وجود دولة قوية، بل على العكس يحتاج نجاح التطور الديمقراطي إلى وجود دولة قوية ولكنها منفتحة وحديثة. على أن ما نقصد به من وجود سلطة قوية للدولة هنا ليس بمعنى ممارسة التعسف والإكراه واستخدام القوة والقهر، وإنما سلطة قوية تمتلك عناصر قوتها من الشعب الذي يدعم هذه الدولة بمعنى آخر أن تكون الدولة مع المواطن في تحقيق الأهداف ومنها الديمقراطية.

فبعض عمليات التحول الديمقراطي والمراحل الانتقالية فيها قد تحمل أحياناً في البلدان ذات المجتمعات التعددية مخاطر الانقسام والنزاعات الأهلية، وضعف الدولة يمكن أن يؤدي إلى تدعيم الانتماءات الأولية العائلية والعشائرية والدينية أي الانتماءات الأدنى من الانتماء للدولة. ولا شك أن شيوع هذه الانتماءات يقلص احتمالات التطور الديمقراطي لأنها ترتبط بثقافة غير ديمقراطية، تقوم على التعصب وليس على التسامح، والانغلاق لا الانفتاح، والجمود بدلاً من المرونة وهكذا.

فالمسألة المهمة عند تناولنا لأصول ومفاهيم الديمقراطية تكمن في الآليات التي يمكن أن تطبق فيها الديمقراطية. فهناك اختلاف كبير بين الديمقراطية الغربية القائمة على التجاوز غير المحدود للأفكار والعادات والتقاليد، وبين الديمقراطية القائمة على أسس ومبادئ ثابتة وفق ضوابط معينة، تستمد شرعيتها من الإسلام نفسه ومن القرآن الكريم كما في قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم)، وكذلك في قوله تعالى (لا أكراه في الدين)، ذلك أن الإسلام دين تسامح ومحبة لكل شعوب العالم لا يتقاطع في إرشاداته مع السلوك والممارسة الديمقراطية الشائعة إلا بفوارق اختلافية شأنه في ذلك شأن الاختلاف الطبيعي في المجتمعات.

ففي المجتمعات الغربية تعتبر الديمقراطية ظاهرة عامة بمعنى إعطاء الحرية بكامل أشكالها سواء للرجل أو المرأة. أما الديمقراطية في بلداننا فهي تختلف، إذ تتحدد بعوامل مقيدة بالإسلام كما اشرنا. فهناك حقوق وواجبات وضمانات، فمن الواجبات ما ينبغي للرجل القيام بها وقد يصعب على المرأة مشاركته بها أو تجاوزها بمعنى أن هناك قيم وأخلاق وربما عادات وتقاليد سامية الزم الإسلام المسلمين بها كافة لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. هذا هو الخلاف أو الفارق الجوهري بين الديمقراطية الغربية والديمقراطية المفيدة لبلداننا، فالديمقراطية لا يمكن أن تعمل دون مصداقية وهذه المصداقية بالنسبة للمجتمعات الإسلامية والعربية تنبع جذورها من الإسلام.

كما أن نفس هذا العامل (أي ضعف الدول) قد يغري بعض القوى غير الديمقراطية لاستخدام الوسائل التي تتيحها الديمقراطية كمجرد وسيلة للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب على الديمقراطية ذاتها قبل أن يتعمق الالتزام بها.

ويعني ذلك أن ضعف الدولة يرتبط غالباً بانتشار ثقافة غير ديمقراطية، فضلاً عما يمكن أن يؤدي إليه من زعزعة النظام العام وبالتالي إشاعة الفوضى أو عدم الاستقرار في المجتمع. الأمر الذي يقف حائلاً أمام التطور الديمقراطي. وبالتالي فان قوة الدولة ضرورة ملحة لهذا التطور وليس العكس. والدولة القوية في النهاية ليست مرادفة للدولة التسلطية، ونقصد بالدولة القوية هنا هي الدولة التي تمتلك عوامل وأدوات القوة سواء من الناحية الاقتصادية أو البشرية أو العسكرية أو الأمنية وغيرها.

وإذا كان هناك بطء في التطور الديمقراطي في البلدان التي تتسم فيها الدولة بالقوة، فهذا لا يعود إلى قوة الدولة وإنما إلى تعقيدات هذا التطور لأسباب متعددة منها:

1. ضعف الثقافة الديمقراطية في المجتمع عموماً. ويظهر ذلك جلياً في ضعف الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني نفسه، بل وفي النقابات المهنية أيضاً، فقد أدت سيطرة أنصار اتجاه سياسي بعينه على أغلبية المقاعد في مجالس أدارتها إلى احتكارهم السلطة فيها، وتوجيهها سياسياً بشكل يكاد يكون كاملاً ويخرجها عن دورها الطبيعي. فالديمقراطية ليست وجود مؤسسات شكلية فقط فحسب ولكنها ثقافة مؤسسات أيضاً مما يعني وجود مؤسسات حقيقية قائمة على التعدد والتنوع وثقافة ديمقراطية يمارسها المواطن من خلال هذه المؤسسات.

2. وجود مخاوف متبادلة قائمة بين الأحزاب والقوى السياسية، فكل منها يخشى احتكار الآخر للسلطة إذا وصل أليها. ويتمثل ذلك في الخطاب السياسي لمختلف الاتجاهات السياسية سواء اليسارية والليبرالية والإسلامية.

3. العامل الثالث هو ضرورات التنمية الاقتصادية، فارتفاع مستوى المعيشة ضروري لزيادة المشاركة السياسية، ولا يعني ذلك قبول النظرية القائلة بأن الكثير من معدلات النمو الاقتصادي خلال العقود الأخيرة قد تحققت في ظل حكومات غير ديمقراطية. ولكن التجارب توضح أن المشاركة السياسية تزداد بزيادة وتحسن الأداء الاقتصادي واتساع حجم الطبقة المتوسطة وارتفاع مستوى التعليم وبالتالي الوعي العام.

ومن هنا تظهر أهمية النمو المتوازن للديمقراطية وقوة الدولة (في الجانب الاقتصادي) وصولاً إلى النموذج الأفضل الذي يجمع بين الحرية السياسية والاقتصادية وفقاً لظروف كل بلد وإمكانياته وقبول ما يتلاءم مع خصوصياته وتوجهاته العامة ورفض الأخرى.

إن الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات سياسية أو انتخابات أو تعددية حزبية، بل هي أيضاً تحولات عميقة في بنية المجتمع وفي الثقافة السياسية السائدة وبالتالي فالديمقراطية هي عملية بناء وتأسيس تبدأ بالإنسان أولاً، وهذا يعني أن مقاربة الديمقراطية في بلد ما يجب ألا تقتصر على التمظهرات الخارجية للمؤسسات السياسية، بل يجب الغوص داخل البنى العميقة للمجتمع وقواه الفاعلة الظاهرة والخفيفة للتعرف عما إذا كانت قد تمثل قيم الديمقراطية أم لا.

فالديمقراطية نهج وأسلوب يُتبع سواء داخل مؤسسات الدولة لتوسيع رقعة الحريات السياسية وتعزيز المشاركة الجماهيرية في صناعة القرار، أو داخل المنظمات غير الحكومية وفي الحياة العامة وفق ضوابط محددة.

وهنا نتساءل إذا كانت الديمقراطية كنهج لابد منه في الحياة السياسية العربية، هل أن بنية وتكوين المجتمع العربي مهيأة لاستيعاب استحقاقات الديمقراطية؟ وما هي المؤشرات التي يستدل منها على وجود عملية انتقال نحو الديمقراطية في البلدان العربية؟.

إن النظم السياسية العربية لمرحلة ما بعد الاستقلال وصلت إلى مأزق سياسي إيديولوجي بحيث أن المرجعيات التقليدية التي كانت تفضي على النظام السياسي مشروعيته تآكلت وفقدت مصداقيتها وبالتالي أصبحت التنمية ضرورة لابد منها لمصلحة النظام ومصلحة الشعب وبما يتوافق مع تحديات العصر. إلا أن الإحساس بضرورة تحديث بنية النظام السياسي لا يعني حتمية إحداث قطعية -في المرحلة الأولى- مع كل ما يمت بصلة لبنية النظام القديم، ولا يعني بالضرورة أن الديمقراطية الغربية هي النموذج الذي يجب نسخة بحذافيره.

بل يمكن لكل مجتمع عربي -كخطوة أولى- أن يوفق ما بين المبادئ العامة للديمقراطية، الانتخابات النزيهة والتعددية السياسية وحرية التعبير عن الرأي واحترام حقوق الإنسان ودولة القانون والخصوصيات التي تتعلق بالثوابت انطلاقاً من ثابت معرفي تقر به كل العلوم الاجتماعية وهو أن لا مجتمع يتطابق مع آخر نظراً لاختلاف المحددات التاريخية والثقافية والاقتصادية وبالتالي فإن التطبيق الديمقراطي في المجتمعات العربية يأخذ شكلاً مغايراً للغرب أو بصيغة أخرى أن هناك مداخل متعددة للديمقراطية.

فالمشكلة الأساسية لبنية النظام السياسي العربي هو تهافت الوقوع ما بين أنظمة ثورية أو رجعية أو أنظمة استبدادية وهذا التهافت ناتج عن انهيار الثنائية القطبية وافرازاتها في العالم الثالث، من جانب، ومن جانب آخر إلى استحقاقات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي أصبحت قاسماً مشتركاً وهدفاً مشتركاً سواء كان واضحاً أو معلناً أو كان خفياً يلمح إليه بتعبيرات مختلفة.

فهذه الأنظمة العربية كانت بمجملها أنظمة تابعة للغرب يضاف إلى ذلك فإن تركيبة المجتمع العربي لم تكن مستعدة لتبني مبادئ الديمقراطية بالرغم من أن أعداد من المفكرين والمثقفين العرب كانوا مدركين وواعين لمخاطر ثورات لا تملك من الثورة إلا اسمها ومحذرين من استبدادية جديدة مغلفة بإيديولوجيات براقة ولكنهم لم يبلوروا مشروعاً فكرياً موحداً، حيث كانوا ينتمون لمدارس ومشارب متعددة من جانب، ومن جانب آخر كانت حالة الحماس الجماهيري وشعارات الثورة الاشتراكية مستحوذة على أذهان الجماهير ومن جهة ثالثة، أن الأنظمة العربية الملكية أو التقليدية لم تكن غالبيتها تشجع على حالة التحرر والاستقلال بسبب كونها أنظمة تابعة للغرب.

وعموماً يمكن تلخيص أهم الأسباب وراء ضعف الديمقراطية والثقافة السياسية في البلدان العربية منها:

1. غياب نموذج عربي حقيقي للحكم الديمقراطي يمكن الرجوع إليه واستلهامه.

2. غياب مفكرين ديمقراطيين متنورين في مركز القرار السياسي أو في مركز التأثير في أصحاب القرار، قادرين على بلورة رؤية أو مشروع يربط بين عالمية الفكرة الديمقراطية وعملية استثمارها محلياً بما يتواءم مع الخصوصية الاجتماعية العربية والإسلامية.

3. غياب ثقافة الديمقراطية، فالديمقراطية كما اشرنا ليست مؤسسات ولكنها ثقافة أيضاً، وما يحدث في المجتمعات العربية هو أن خلق المؤسسات الديمقراطية سبق نشر الفكر الديمقراطي- عكس ما حدث في الغرب حيث مهد فكر عصري النهضة والأنوار لتأسيس النظم الديمقراطية.

ومن هنا نجد تعارضاً بين الثقافة الجماهيرية الغالبة التي هي أما أصولية أو ثورية انقلابية أو ثقافية خضوع وانقياد للحاكم من جهة، والثقافة الديمقراطية من جهة أخرى، بمعنى آخر أن الديمقراطية مطلب نخبوي أكثر مما هو مطلب جماهيري.

4. عملية الاستقطاب الدولي سياسياً وأيديولوجياً أظهرت وكأن الديمقراطية هي خاصة غربية إمبريالية وبالتالي نظر إليها كجزء من الثقافة الغربية الاستعمارية وان المطالبة بتطبيق هذه المقولات يدخل في باب الغزو الثقافي الغربي.

إن عملية التحول نحو البناء الديمقراطي في المجتمعات العربية تستلزم توافر مجموعة من المؤشرات ينبغي تفعيلها لكي تؤسس ثقافة سياسية واعية على النهوض بمستلزمات الديمقراطية، ومن بين هذه المؤشرات وجود فهم ووعي وإدراك للمجتمع السياسي هو بالأساس تركيبة مؤسساتية ترمي بالدرجة الأولى إلى التوفيق بين حرية الأفراد والجماعات وبين وحدة النشاط الاقتصادي والقواعد الاجتماعية ووجود انسجام متكامل بين الثقافة الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية، ذلك أن العكس يحدث انعكاسات سلبية تهدد الديمقراطية وبالتالي النظام الاجتماعي ككل.

فالمؤسسات الديمقراطية بما هي وعاء يقوم بوظائف متعددة من تمثيل وتأطير ودمج وتنمية وتنشئة....الخ يتطلب بالمقابل وجود ثقافة سياسية تسمح باستيعاب هذه الوظائف وعدم التصادم معها.

يضاف إلى هذه المؤشرات عملية البناء الديمقراطي لمؤسسات الدولة وضرورة المشاركة في الحياة السياسية بالشكل الذي يقود إلى بناء ثقافة سياسية واعية لحاجات ومتطلبات الشعب.

وفي ضوء ذلك ينبغي للدولة أن تقوم بدور المراقب المباشر لتطبيق الديمقراطية فهذا الدور ينبع من كونها البيئة التي تجري فيها عمليات التفاعل الديمقراطي والمحرك الأساس للقوى والانتماءات الأخرى لكي تؤدي دورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهذا الدور المباشر وغير المباشر للدولة ينبغي أن يستلزم وجود قوة ليس بمعنى السلطة والقهر وإنما القدرة الفاعلة في التأثير في بنية ومكونات المجتمع وهذا ما يؤكد صحة فرضيتنا السابقة.

والديمقراطية لا تقوم فقط على القوانين، بل تقوم قبل كل شيء على مستوى ونوعية الثقافة السياسية وهذه الأخيرة لا يمكن أن تنشأ وتتبلور ما لم يكن هناك فهم وإدراك للمجتمع السياسي بعملية البناء الديمقراطي وهنا تبرز قوة دور الدولة في تبصير وتنوير مكونات الشعب بأحقية مبدأ الديمقراطية ويتجسد ذلك بإقامة المؤتمرات والندوات التثقيفية لزيادة الوعي ومستوى التثقيف السياسي لدى المواطن فضلاً عن السماح للأحزاب والكيانات السياسية الأخرى لكي تدلي بدلوها في الحياة السياسية.

ومن جهة أخرى تضطلع الدولة بدور أساسي ومهم في نشر الديمقراطية والثقافة السياسية وهو تحقيق الوحدة في ظل الاختلاف، فالتباين العرقي والثقافي والاقتصادي والديني أمر مسلم به في كل مجتمع وهنا يقع على عاتق الدولة مسؤولية تحقيق الانصهار والتعايش بين مختلف الطوائف والكيانات عبر مؤسسات الدولة المختلفة وصولاً إلى تحقيق هدفها في المستقبل تحقيق مبدأ المواطنة المشتركة.

والمجتمع العراقي مثال بارز على ذلك بما يمتلك من تعددية في الأديان والثقافات والأعراق، فالمسألة الأساسية تنحصر في إطار الدولة كونها القادرة على تحقيق التوافق والانسجام الكامل بين هذه الانتماءات وهو ما يستلزم وجود دولة قوية تمتلك عناصر قوتها من الشعب نفسه الذي انتخبها وأعطى شرعيته لها.

وهذا الدور الرئيس للدولة مرهون بقدرة القائمين على السلطة في تحقيق مطامح وآمال الشعب العراقي وتعميق الديمقراطية التي تجسدت أبرز صورها في الانتخابات العراقية التي عبرت عن مضمون وتلاحم الشعب العراقي بكافة أطيافه.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية

www.mcsr.net

** نشر في شبكة النبأ المعلوماتية – آيار 2005 - ربيع الثاني 1426

اضف تعليق