ومن الممكن أن يمنح هذا مشروعات الحديد الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الريادة العالمية، نظرًا إلى أن المنطقة مؤهلة تمامًا لتزويد سوق الصلب الرئيسة التي تنمو بوتيرة سريعة في الهند، وكذلك مراكز الطلب على إمدادات الحديد الأخضر مثل أوروبا، وفق تقارير اطلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة...

بقلم: محمد عبد السند

تبرز مشروعات الحديد الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بصفتها ورقةً رابحةً في مسار التحول الأخضر الذي تتطلّع إليه دول المنطقة في إطار التزاماتها بأهدافها المناخية عبر خفض انبعاثاتها الكربونية، اتساقًا مع اتفاقية باريس للمناح 2015.

وتسنح فرصة ذهبية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، للربط بين ريادتها في صناعة الحديد الإسفنجي -المصنّع بتقنية الاختزال المباشر- دي آر آي (DRI) وبين إمكاناتها الهائلة في مجال الهيدروجين الأخضر.

ومن الممكن أن يمنح هذا مشروعات الحديد الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الريادة العالمية، نظرًا إلى أن المنطقة مؤهلة تمامًا لتزويد سوق الصلب الرئيسة التي تنمو بوتيرة سريعة في الهند، وكذلك مراكز الطلب على إمدادات الحديد الأخضر مثل أوروبا، وفق تقارير اطلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.

ويتسارع التحول نحو تقنية الصلب، ويشرع منتجو تلك السلعة الإستراتيجية في التحول من الإنتاج المعتمد على الأفران العالية إلى تقنية الاختزال المباشر التي يمكن أن تعمل بالهيدروجين الأخضر.

وحتى الآن ما يزال تركيز مصنّعي الصلب على استيراد خام الحديد وفحم الكوك لتشغيل الأفران العالية، لكن سيحظى هؤلاء المصنعون الذين لديهم وصول إلى خام الحديد الإسفنجي وتقنية الهيدروجين المتجدد رخيص التكلفة -أو الحديد الأخضر المصنع منهما- بميزة كبيرة.

إزالة الكربون تتسارع

بينما تتسارع وتيرة إزالة الكربون من قطاع الصلب العالمي، ستجري معالجة مزيد من خام الحديد في أماكن تعتمد على موارد الطاقة المتجددة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، إذ يجري شحن الحديد المُنتَج إلى مراكز تشهد ارتفاعًا في الطلب على الصلب.

ومن ثم يمكن أن يتحول الحديد الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى رائد عالمي في تجارة تلك السلعة الحيوية، رغم تنامي المنافسة العالمية، وفي تقارير رصدتها منصة الطاقة المتخصصة.

ويحظى قطاع الصلب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بميزة رئيسة، نظرًا إلى أنه يعتمد على تقنية الاختزال المباشر دي آر آي، باستعمال الغاز بدلًا من الفحم، وفق ما خلصت إليه نتائج دراسة حديثة نشرها موقع معهد اقتصادات الطاقة والتحليل المالي The Institute for Energy Economics and Financial Analysis في كندا، والمعني بدراسة قضايا الطاقة والسياسات والتوجهات ذات الصلة.

وقالت الدراسة، إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها مصدر قوي ومتنامٍ من خام الحديد الإسفنجي، وهي سلعة ذات إمدادات محدودة لا تشكّل سوى ما يتراوح من 3 إلى 4% من إجمالي تجارة خام الحديد العالمية.

خطط استثمارية

تُخطط شركة فالي (Vale) البرازيلية، أكبر منتِج لخام الحديد الإسفنجي -المصنع بالاختزال المباشر- لتأسيس شبكات عملاقة للحديد الأخضر في الشرق الأوسط، التي ستورّد كريات خام الحديد إلى مصانع الاختزال المباشر الكائنة في الموقع نفسه، لإنتاج الحديد المقولب على الساخن إتش بي آي (HBI) بغرض الاستهلاك المحلي والتصدير.

ولا يصدر عن عملية تصنيع الصلب باستعمال الغاز عبر تقنية الاختزال المباشرة سوى انبعاثات قليلة، مقارنةً بالأفران العالية المستهلكة للفحم التي تهيمن على صناعة الصلب في البلدان الأخرى، لكن يمكن تحويلها إلى صناعة الحديد الأخضر عبر التحول إلى استعمال الهيدروجين الأخضر الذي تتراجع كلفته خلال العقد الحالي.

وستتيح موارد الطاقة الشمسية المتوافرة بقوة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمنطقة إنتاج الهيدروجين الأخضر منخفض التكلفة في المستقبل القريب، مع التوسع الملحوظ في إنتاج هذا الوقود النظيف في المنطقة.

وتركز مشروعات الهيدروجين في الوقت الراهن على الصادرات، ومع ذلك فإن تصدير الهيدروجين الأخضر غير كافٍ -على ما يبدو-، وكذلك مرتفع التكلفة.

وينبغي أن يُخصص مزيد من إنتاج الهيدروجين الأخضر في المستقبل للاستعمال المحلي، بهدف إنتاج الحديد الأخضر.

وستسعى شركات تصنيع الصلب العالمية التي تتطلّع إلى إزالة الكربون بقوة إلى استيراد الحديد الأخضر، الذي يجري شحنه في شكل حديد مقولب على الساخن، وهنا يبرز الحديد الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سوقًا تصديرية واعدة في هذا الخصوص.

دور الهيدروجين الأخضر

ينبغي بناء مصانع الصلب التي تعتمد على تقنية الاختزال المباشر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على أن تكون قابلة للتحويل إلى استعمال الهيدروجين الأخضر في أقرب فرصة.

وإلى جانب شركة فالي، تتطلع ريو تينتو (Rio Tint) الأنغلو أسترالية، أكبر مُنتِج لخام الحديد في العالم، لبناء مستقبل تُستبدَل فيه صادرات الحديد الأخضر بصادرات الحديد الخام، إذ يمكن إنتاج الحديد المقولب على الساخن من مواقع ينخفض فيها سعر إنتاج الهيدروجين الأخضر.

وفي أكتوبر/تشرين الأول (2023)، قال رئيس قطاع الصلب العالمي رئيس قسم المعادن والتعدين والأسمدة في شركة آي إن جي (ING)، المالية العالمية التي تقدم الخدمات المصرفية للأفراد، إريك فان دويزوم: "أتوقع أن ينتقل إنتاج الحديد بكميات كبيرة إلى أماكن مثل شمال وجنوب أوروبا، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

وأوضح أن "شركات إنتاج الصلب في أوروبا وكوريا واليابان سيتعين عليها اتخاذ خيارات إستراتيجية صعبة بشأن أماكن إنتاج الحديد في المستقبل".

وتدرس شركات إنتاج الصلب في كوريا الجنوبية واليابان -بالفعل- استيراد الحديد المقولب على الساخن من مناطق مثل الشرق الأوسط، وتخطط لتنفيذ مشروعات ستستعمل في البداية الغاز الطبيعي قبل التحول إلى الهيدروجين الأخضر.

تقنية احتجاز الكربون مثار شك

لخفض الانبعاثات في هذه الأثناء، تدرس بعض هذه المشروعات استعمال تقنية احتجاز الكربون وتخزينه المشار إليها اختصارًا بـ"سي سي يو إس" (CCUS).

وتحذّر الدراسة، الصادرة عن معهد اقتصادات الطاقة والتحليل المالي، من أن تقنية احتجاز الكربون وتخزينه تزيد مخاطر المشروع، كما أن لديها تاريخًا معروفًا من الأداء الضعيف، وفق ما طالعته منصة الطاقة المتخصصة.

وينبغي أن ينصب تركيز مشروعات الحديد والصلب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المستقبل على استعمال الهيدروجين الأخضر المنتَج محليًا.

وتُعد منطقة الشرق الأوسط موطنًا للمشروع الوحيد في تقنية احتجاز الكربون وتخزينه في صناعة الصلب، والواقع في مشروع الريادة التابع لشركة حديد الإمارات أركان (Emirates Steel Arkan) في الإمارات.

ومع ذلك، لا تُسهِم تقنية احتجاز الكربون وتخزينه تلك في إزالة الكربون كاملًا من العملية، إذ لم يجرِ سوى احتجاز 30% فقط من غاز ثاني أكسيد الكريون في العام الماضي (2022).

ويُستعمَل الكربون المحتجز لتعزيز تقنية الاستخلاص المعزز للنفط (EOR)، ما يتسبّب بإطلاق مزيد من الانبعاثات الكربونية.

ويُعرف "الاستخلاص المعزز للنفط" بأنه تقنية تشتمل على استعمال حزمة من التقنيات، مثل الطرق الحرارية أو طرق الامتزاج أو حتى العمليات الكيماوية، التي تهدف خصيصًا إلى رفع مستويات النفط القابلة للاستخراج من حقل نفطي معين، بحسب معلومات طالعتها منصة الطاقة المتخصصة.

وستصبح تقنية الاستخلاص المعزز للنفط غير مقبولة على نحو متزايد لدى مشتري الصلب الذين سيطلبون الحديد الأخضر، ولن يرغبوا بأي حال في وجود مصادر الوقود الأحفوري في سلاسل الإمدادات الخاصة بهم.

كوب 28

ربما تدفع بعض الدول باتجاه تعزيز دور تقنية احتجاز الكربون وتخزينه خلال مؤتمر المناخ كوب 28 الذي من المقرر أن تنطلق فعالياته في دبي 30 نوفمبر/تشرين الثاني (2023).

ومع ذلك، فإن السجل السيئ لتقنية احتجاز الكربون وتخزينه يشير إلى أنها لا تمثل حلًا حاسمًا لإزالة الكربون من قطاع الصلب.

ففي سبتمبر/أيلول (2022)، وجد تقرير منفصل لمعهد اقتصادات الطاقة والتحليل المالي أن مشروعات تقنية احتجاز الكربون وتخزينه ضعيفة الأداء تتجاوز عدد المشروعات المنفذة عالميًا، بهوامش كبيرة، مع وجود نقص في كل من التكنولوجيا والإطار التنظيمي.

وفي تحديثها الصادر في العام الحالي (2023) لخريطتها الخاصة بالحياد الكربوني، قالت وكالة الطاقة الدولية إن "تاريخ تقنية احتجاز الكربون وتخزينه كان -وما يزال- واحدًا من جوانب الأداء الضعيف".

وتنطبق المخاوف ذاتها على الدور الذي تؤديه تقنية احتجاز الكربون وتخزينه كذلك على إنتاج الهيدروجين الأزرق، وفق معلومات رصدتها منصة الطاقة المتخصصة.

وكثيرًا ما يزعم مؤيدو تقنية احتجاز الكربون وتخزينه أن معدلات احتجاز الكربون العالية ممكنة، بل إنها قد ترتفع أحيانًا إلى 95%.

ومع ذلك فإن الأداء التاريخي لتقنية احتجاز الكربون وتخزينه عبر الصناعات المختلفة يشير إلى أن مثل تلك المعدلات المرتفعة لا يمكن تحقيقها على أساس مستدام.

وسيتعيّن على الموردين المحتملين -مثل اليابان وكوريا الجنوبية- في النهاية إدراك حقيقة مفادها بأن الهيدروجين الأزرق ليس نظيفًا كما يُعتَقَد.

منافسة عالمية شرسة

رغم المزايا العديدة المقترنة بتطوير الحديد الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يواجه هذا القطاع منافسة شرسة من بلدان أخرى، بحسب تقارير جمعتها منصة الطاقة المتخصصة.

وتأتي المنافسة الرئيسة في تجارة الحديد الأخضر والحديد المقولب على الساخن من بلدان تنشط في مجال تعدين خام الحديد، أمثال أستراليا والبرازيل وكندا، التي لديها جميعًا وصول إلى مصادر الكهرباء المتجددة، وعلى الأخص الطاقة الكهرومائية.

وتُعد أستراليا أكبر مصدّر لخام الحديد في العالم حتى الآن، غير أن الغالبية العظمى من إنتاجها من الدرجة الرديئة المستعمَلة في الأفران العالية.

ورغم هذا، تخطط شركة بوسكو (POSCO) الكورية الجنوبية لضخ استثمارات كبيرة في ولاية أستراليا الغربية لإنتاج الحديد المقولب على الساخن بغرض التصدير، كما أنها تطور بصورة مشتركة مشروعًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر لتوريده إلى الولاية ذاتها.

بالإضافة إلى ذلك، تدرس شركة نيبون ستيل (Nippon Steel)، عملاقة صناعة الصلب في اليابان، ضخ استثمارات في مشروعات الحديد الأخضر في أستراليا أو البرازيل.

وتصدّر البرازيل معظم خام الحديد المصنع بالاختزال المباشر، كما أن لديها وفرة في موارد الطاقة النظيفة التي تكفي لإنتاج الحديد الأخضر والحديد المقولب على الساخن.

بالإضافة إلى شركة "نيبون ستيل"، تتطلع شركة إتش2 غرين ستيل (H2 Green Steel) السويدية إلى السوق البرازيلية، وقد اتفقت مع شركة فالي لدراسة إمكان إنشاء مركز للهيدروجين الأخضر.

وعلاوة على ذلك، تستكشف شركة "إتش2 غرين ستيل" مشروعًا بقيمة تتراوح من 3-6 مليارات يورو في كندا التي تبرز هي الأخرى منتجًا للحديد المصنع بتقنية الاختزال المباشر.

ووافقت ريو تنتو على تزويد مصنع الحديد الأخضر التابع لشركة "إتش2 غرين ستيل"، والجاري تطويره في السويد، بالحديد الخام من عملياتها في كندا.

الحديد الأخضر والأهداف المناخية

تُعد المنافسة العالمية المتنامية في قطاع صادرات الحديد الأخضر الناشئ علامة إضافية على تسارع وتيرة التحول الحاصل في تقنية الحديد بعيدًا عن مصادر الوقود الأحفوري الحساسة بيئيًا.

ومع وجود بعض الدول التي تتطلع لتنويع مواردها بعيدًا عن النفط والغاز، يبرز تطوير صناعة الحديد الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فرصة ذهبية للمساعدة على تحقيق هذا الهدف الطموح.

وينبغي أن تُبنى مشروعات صناعة الصلب في المنطقة، إذ تكون جاهزة للهيدروجين قدر الإمكان، كما ينبغي للمنطقة أن تحقق الاستفادة القصوى من مزاياها في مجال الطاقة المتجددة رخيصة التكلفة عبر اعتماد الهيدروجين الأخضر لإنتاج الحديد والصلب في أسرع وقت ممكن.

وعبر التحرك الأسرع، مقارنة بمنتجي الحديد الأخضر المحتملين الآخرين، تبرز فرصة ذهبية لأن تتبوّأ مشروعات الحديد الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موقعًا عالميًا في صادرات تلك السلعة النظيفة.

كما أن الاستعمال المبكر للهيدروجين الأخضر يمكن أن يزيل الكربون من الصلب المصنوع للاستهلاك المنزلي.

السعودية وعمان والإمارات

يشهد قطاع الصلب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموًا ملحوظًا، مع وجود خطط عديدة لإنشاء مصانع جديدة تعتمد على تقنية الاختزال المباشر في السعودية وعمان والإمارات، التي ستعمل في البداية بالغاز قبل أن تتحول نحو الهيدروجين في جداول زمنية غير محددة.

ورغم أن تقنية الاختزال المباشر المعتمدة على الغاز أقل كثافة في استعمال الكربون، قياسًا بالأفران العالية المعتمدة على الفحم، فإن هذا التوسع سيزيد من انبعاثات الكربون المحلية في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وقت تتزايد فيه الضغوط لتعزيز طموح خفض الانبعاثات.

ومن المكن أن يساعد تحويل التركيز من صادرات الهيدروجين الأخضر نحو تعزيز الاستعمال المحلي دول المنطقة على تحقيق أهدافها بشأن تقليص الانبعاثات المحلية، كما أنه يضع شركات صناعة الصلب لديها على خريطة قطاع الحديد والصلب العالمي في المستقبل القريب.

اضف تعليق