غياب الاحترام بين الطُّلاب والمعلمينَ مؤشِّر تربوي خطير يعكس خللًا في منظومة القيم وأساليب التنشئة والتَّواصل داخل المجتمع التَّعليمي. فالمعلِّم حين تُنتقص مكانته تُصاب رسالة التَّعليم في جوهرها، ويضعف أثر المدرسة في بناء الإنسان القادر على الانضباط واحترام الآخر. الاستثمار الحقيقي في التَّعليم ينطلق من ترسيخ مكانة المعلِّم...

من السُّلوكيات المقلقة التي بدأت تظهر بشكل ملحوظ في عدد من المؤسسات التَّعليميَّة مظاهر ضعف احترام بعض الطُّلاب للمعلمين، وهي تمثِّل إشكاليَّة تربويَّة عميقة تتجاوز مجرَّد الخروج عن قواعد الانضباط، لتنعكس بشكل مباشر على فعَّاليَّة البيئة التَّعليميَّة، ونوعية العلاقة التَّربويَّة بين المعلِّم والطَّالب؛ فالتَّقدير المتبادل بين الطَّرفين ركيزة محوريَّة لضمان تفاعل تربوي سليم ومثمر، يُشارك في بناء مناخ تعليمي يتَّصف بالثِّقة، والانضباط، والاحترام المتبادل.

إنَّ المعلم، بوصفه فاعلًا تربويًا محوريًا يمتد أثره ليشمل التَّوجيه، والقدوة، وغرس القيم، وبناء الشَّخصيَّة المتوازنة للطَّالب، ولا يقتصر دوره على نقل المعرفة أو تقديم المعلومة. وحين يُنتقص من مكانته أو يُضعف احترامه داخل الصَّف؛ فإنَّ ذلك يهدد بنية النِّظام التَّربوي ذاته، ويُحدث خللًا في سلطة المعرفة والقدرة على التَّأثير التَّربوي.

ولذلك، فإنَّ معالجة هذه الظَّاهرة تبدأ من إعادة تأهيل مفاهيم الاحترام داخل المنظومة التَّعليميَّة، ودعم أدوار الأسرة والمؤسسة التَّربويَّة والإعلام في ترسيخ مكانة المعلِّم، بما يضمن إعادة الاعتبار لدوره الفاعل في تنشئة الأجيال وبناء المجتمعات.

المحور الأوَّل: أسباب تراجع احترام الطُّلاب للمعلمين.

يمكن تفسير تراجع احترام بعض الطُّلاب لمعلميهم بوجود مجموعة من العوامل المتداخلة، تتعلَّق بالسِّياق الأسري والاجتماعي والتَّربوي، وتشير إلى خلل في أنظمة التَّنشئة التي تُساهم في تشكيل اتِّجاهات الطَّالب وسلوكياته داخل المدرسة. ومن أبرز هذه العوامل:

1. ضعف التَّنشئة الأسريَّة.

 الأسرة الحاضنة الأولى التي تتشكَّل فيها ملامح القيم والأخلاق في نفس الطفل، ومنها يتعلَّم كيف يرى نفسه والآخرين. وقد حمَّل القرآن الكريم الوالدينِ هذه الأمانة بوضوح حين قال الله (تبارك وتعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (1)، وهي وقاية تشمل البعد العقدي والبعد الفقهي، وتمتدّ لتشمل البعد الأخلاقي، وفي طليعته ترسيخ احترام الآخرين، ولا سيما من يحملون دورًا معرفيًا أو تربويًا في حياة الأبناء.

 وقال أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام): "حَقُّ الوَلَدِ علَى الوالِدِ أن يُحَسِّنَ اسمَهُ، ويُحَسِّنَ أدَبَهُ، ويُعَلِّمَهُ‌ القرآنَ" (2). في إشارة عميقة إلى أنَّ التربية صناعة إنسان متوازن في سلوكه وقيمه ونظرته إلى من حوله. 

 وحين تتَّسع الفجوة داخل الأسرة بين ما يُقال نظريًا وما يُمارس عمليًا، يفقد الطفل الإحساس الحقيقي بمعنى التَّقدير والانضباط. وفي مثل هذه البيئات، يتحوَّل احترام المعلِّم من قيمة راسخة إلى خيار قابل للتجاوز، وتُختزل العلاقة التَّعليميَّة في بعدها النفعي الضيِّق، بوصفها وسيلة للحصول على النتائج الأكاديمية فحسب، لا مسارًا تربويًا يسهم في بناء الشخصيَّة وصقل الوعي.

 كما أنَّ غياب القدوة داخل الأسرة، أو وجود نماذج سلبيَّة تعتمد على التَّهكم أو التَّقليل من مكانة الآخرين، ينعكس مباشرة على سلوك الطِّفل داخل المدرسة، وقد يُسقط تلك الأنماط السُّلوكيَّة على علاقته بالمعلِّم، فيضعف لديه الشُّعور بالاحترام الواجب، ويختل إدراكه لأهميَّة الأدوار التَّربويَّة في حياته.

2. التَّأثيرات الثَّقافيَّة والإعلاميَّة.

 يجد الطالب المعاصر نفسه محاطًا بفضاء إعلامي وثقافي متخم بالرَّسائل المتدفقة؛ رسائل لا تُصاغ في الغالب وفق ضوابط تربويَّة أو موازين أخلاقيَّة واضحة. فكثير من البرامج المرئية، وما يُتداول على منصَّات التواصل الاجتماعي، صار يمرّر -صراحة أو تلميحًا- صورًا من السلوك المتحرر من الضبط، أو المستخف بالرموز التربويَّة والمؤسسات الرسميَّة؛ الأمر الذي يترك أثره العميق في وعي الطَّالب، وينعكس تلقائيًا على تصرفاته داخل البيئة المدرسيَّة.

 وهذا الواقع ليس غريبًا عن التَّحذير القرآني؛ إذ ينبِّه القرآن الكريم إلى خطورة الانسياق وراء الخطاب السَّائد حين يكون منحرفًا عن القيم، كما في قوله (سبحانه): (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (3)، حيث تصوّر الآية حالة الاستسلام الثَّقافي لما هو مألوف، حتَّى وإن كان فاسدًا في جوهره. وهو توصيف ينطبق بوضوح على واقع التَّقليد الأعمى لبعض المضامين الإعلاميَّة المعاصرة، التي تُفرغ مفهوم الاحترام من مضمونه، وتعيد تشكيل الوعي على أسس بعيدة عن القيم الأصيلة.

إنَّ الطَّالب عندما يتعرَّض باستمرار لمضامين تُظهر المعلِّم بصورة ساخرة، أو تُضخِّم من قيمة الاستهزاء والتَّهكُّم بوصفها وسائل للتعبير عن الذَّات، يتشوه لديه مفهوم السُّلطة التَّربويَّة، وتضعف قدرته على بناء علاقات قائمة على الاحترام والتَّقدير. كما أنَّ غياب الضَّوابط في كثير من المحتويات الرَّقميَّة يجعل الطَّالب عرضة لاستهلاك نماذج لا تتناسب مع القيم المدرسيَّة، وقد تصطدم معها، ممَّا يولِّد نوعًا من التَّناقض بين ما يُطلب منه في المدرسة وما يتلقَّاه في الخارج.

ولذلك، فإنَّ التَّأثيرات المجتمعيَّة، ولا سيما الإعلاميَّة منها، باتت تشكِّل مصدرًا تربويًا غير رسمي يزاحم دور المدرسة والأسرة، ويستدعي تدخلًا واعيًا من الطَّرفين لضبط الأثر وتوجيهه، عبر النَّقد الواعي للمحتوى، وبناء وعي إعلامي يُمكِّن الطَّالب من التَّمييز بين النَّموذج البنَّاء والنَّموذج المضلِّل.

3. غياب القدوة الإيجابيَّة.

 يؤسِّس القرآن الكريم لمنهج تربوي عميق يجعل القدوة محور التَّأثير الحقيقي في بناء الإنسان، ولا يكتفي بالتَّوجيه النَّظري؛ ولكن يربطه بالنموذج الذي يُجسِّد القيم في الواقع، كما في قوله (عزَّ وجلَّ): (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (4). حيث تتحوَّل الرِّسالة من كلمات تُسمع إلى سلوك يقتدى به. وعندما يغيب هذا المبدأ عن الأسرة أو المدرسة، يفقد الطالب بوصلته، ويتخبَّط بين نماذج متعارضة، لا يعرف أيُّها أصدق ولا أيُّها أجدر بالاتِّباع.

 وفي هذا السِّياق، يضع أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدة تربويَّة بالغة الأهميَّة حين يقول: "مَنْ نَصَبَ نَفْسَه لِلنَّاسِ إِمَاماً، فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِه قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِه، ولْيَكُنْ تَأْدِيبُه بِسِيرَتِه قَبْلَ تَأْدِيبِه بِلِسَانِه، ومُعَلِّمُ نَفْسِه ومُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومُؤَدِّبِهِمْ" (5)، فيربط الهيبة التربويَّة والمكانة المعنويَّة بالانسجام بين القول والفعل، ويجعل المربِّي مسؤولًا أوَّلًا عن سلوكه قبل خطابه؛ لأنَّ حضور النموذج الإيجابي يشكِّل ركيزة محوريَّة في توجيه الطَّالب وبناء وعيه، ولا سيما في المراحل العمريَّة المبكرة التي تتسم بحساسية عالية اتِّجاه التقليد والتأثر. 

 وحين لا يجد الطالب القدوة المناسبة تتجسَّد في سلوك الوالدين، أو المعلمين، أو الشخصيات المؤثرة في محيطه الاجتماعي، يصبح أكثر عرضة للانجراف وراء أنماط سلوكيَّة مضطربة، أو قيم دخيلة لا تمتّ إلى المنظومة الأخلاقيَّة المنشودة بصلة. وفي مثل هذا الفراغ، لا يكون الانحراف وليد سوء نية بقدر ما يكون ثمرة غياب المثال الذي يهدي الطَّريق.

4. الضُّغوط النَّفسيَّة والاجتماعيَّة.

 يمرُّ عدد من الطُّلاب خلال مراحلهم الدراسيَّة بتجارب نفسيَّة أو ظروف اجتماعيَّة ضاغطة تؤثِّر بشكل مباشر في سلوكهم وتفاعلهم داخل البيئة المدرسيَّة؛ فقد يعاني بعضهم من مشكلات أسريَّة، أو شعور بالإهمال العاطفي، أو يعيش في بيئات تفتقر إلى الاستقرار والأمان، ما يؤدِّي إلى تراكم مشاعر القلق أو الغضب أو الرَّفض، ويُترجم أحيانًا في صورة سلوكيات غير متزنة، من بينها العدوانيَّة أو قلَّة الاحترام اتِّجاه المعلمين.

قد تتفاقم هذه السُّلوكيات عندما لا يجد الطَّالب متنفسًا مشروعًا للتعبير عن مشاعره، أو حين تفتقر المدرسة إلى آليات الدَّعم النَّفسي المناسبة، فتتحوَّل قاعة الصَّف إلى ساحة يُفرغ فيها الطَّالب توتره أو إحباطه، من دون وعي منه بحجم تأثير تصرفاته. كما أنَّ بعض الطُّلاب يستخدمون سلوك عدم الاحترام بوصفها وسيلة دفاعيَّة لإثبات الذَّات أو للفت الانتباه، خاصَّة إذا كانوا يشعرون بالتَّهميش أو قلَّة التَّقدير من المحيطين بهم.

من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة سلوك الطَّالب في عزلة عن ظروفه النَّفسيَّة والاجتماعيَّة؛ وإنَّما يجب أن يُفهم ضمن سياقه الأوسع، ممَّا يستدعي أن تتعامل المدرسة مع مثل هذه الحالات بمزيج من الحزم التَّربوي والاحتواء النَّفسي، من خلال برامج الدَّعم والإرشاد، والتَّعاون الفعَّال مع الأسرة.

5. اختلال قنوات التَّواصل بين الطَّالب والمعلِّم.

حين يختلّ خيط التَّواصل بين الطَّالب والمعلِّم، لأي سبب كان، يبدأ الشرخ بهدوء ثمَّ يتَّسع من حيث لا يُلتفت إليه. 

قد يكون السبب أسلوبًا جافًا، أو غياب حسّ تربوي يراعي اختلاف الطبائع والاستعدادات، وقد يكون نابعًا من الطَّالب نفسه، لكن النتيجة واحدة: علاقة يتحوَّل فيها الفهم إلى سوء فهم، والاحترام إلى مسافة باردة. وفي مثل هذا المناخ، لا يكون مستغربًا أن يعبِّر الطَّالب عن هذا الانفصال بسلوكيات تتشح بالرَّفض أو تقلّ فيها مراعاة المكانة.

 وفي تجارب كثيرة، يشعر الطالب أنَّ المعلِّم لا يسمعه حقًا، أو لا يقدِّر ظروفه، أو يتعامل معه بنوع من القسوة أو التحيُّز، فينطفئ داخله الدافع للتفاعل، ويتحصَّن خلف مواقف دفاعية تعيق نشوء علاقة سليمة قائمة على الثقة والتقدير. وحين ينحصر التواصل داخل الصف في أوامر تعليميَّة جافَّة، ويغيب عنه البعد الإنساني والتفاعلي، يفقد المعلِّم حضوره التربوي، ويُختزل في كونه ناقلًا للمعلومة لا أكثر، لا قدوة تُلهم ولا شخصيَّة تُشعر الطَّالب بالأمان والانتماء.

غير أنَّ هذا المسار لا يقف أثره عند حدود العلاقة الصفيَّة؛ ويمتدُّ ليطال الطَّالب نفسه على المدى البعيد. ولهذا يلفت أمير المؤمنين (عليه السلام) النظر إلى بُعد أعمق حين يقول: "إِيَّاكَ أَنْ تَسْتَخِفَّ بِالْعُلَمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُزْرِي بِكَ وَيُسِيءُ الظَّنَّ بِكَ..." (6)، في إشارة دقيقة إلى أنَّ الاستخفاف بالمعلِّم انعكاس لخلل داخلي يمسّ وعي الإنسان بذاته وقيمته. 

المحور الثَّاني: من آثار ضعف الاحترام على الطَّرفين.

يمثِّل احترامُ الطُّلاب لمعلِّميهم أحد الأعمدة الأساسيَّة لاستقرار العمليَّة التربويَّة وتوازنها، وأيُّ إخلالٍ به لا يقف عند حدود السلوك الفردي، وتتشعَّب آثاره لتطال أطراف العلاقة التعليميَّة جميعًا. ومن هنا تتبدّى خطورة هذا السلوك في انعكاساته العميقة على الطَّالب والمعلم معًا، نفسيًا وتربويًا وسلوكيًا، داخل الصف وخارجه.

 الفرع الأوَّل: أثره على الطَّالب.

1. تدهور الأداء الأكاديمي.

 احترامُ الطَّالب لمعلِّمه يشكِّل أحد المفاتيح الجوهريَّة لتعميق فهمه للمحتوى التَّعليمي داخل الصَّف؛ إذ يفتح هذا الاحترام باب التَّفاعل الإيجابي، ويُهيِّئ النَّفس لتلقِّي المعرفة بروح من الإصغاء والانفتاح. أمَّا حين يتراجع هذا السلوك، فإنَّ الطَّالب يجد نفسه أمام عوائق متعدِّدة تُضعف اندماجه مع الدرس، وتنعكس سلبًا على مستوى استيعابه وجودة تعلُّمه للمفاهيم المطروحة. ويزداد الأثر عمقًا حين يحرم الطَّالب نفسه – من حيث لا يشعر – من فرص ثمينة للدَّعم التربوي والتَّوجيه الفردي، وهي فرص غالبًا ما تزيد في ظلِّ علاقة يسودها التَّقدير والاحترام. فالعلاقة التربويَّة القائمة على هذا الأساس تدفع المعلِّم بطبيعتها إلى بذل عنايةٍ أكبر، وتقديم رعاية تعليميَّة أكثر قربًا وملاءمة لاحتياجات الطَّالب وقدراته.

2. تدهور العلاقات الاجتماعيَّة.

 يترك ضعفُ احترام الطَّالب لمعلِّمه أثرًا جليًّا على طبيعة تفاعلاته مع أقرانه؛ إذ غالبًا ما يُنظر إلى هذا السلوك بوصفه تجاوزًا لقواعد الاحترام والالتزام المعتمدة داخل المدرسة؛ الأمر الذي يضع الطَّالب في دائرة التَّصنيف السَّلبي. ومع مرور الوقت، يقود هذا التَّصنيف إلى نوعٍ من العزلة الاجتماعيَّة وتراجع المكانة بين الزملاء، فيضعف شعوره بالانتماء، ويتآكل إحساسه بالقبول داخل الجماعة المدرسيَّة.

 ولا يقف أثر غياب الانضباط والسلوك المتمرِّد عند حدود العلاقة بين الطَّالب والمعلِّم، ويتجاوزها ليطال نسيج العلاقات الاجتماعيَّة بين الطُّلاب أنفسهم؛ حيث تتراجع قيم الاحترام المتبادل والالتزام في التَّعامل اليومي. وينتج عن ذلك صعوبة في بناء علاقات إيجابيَّة مستقرة، وتزايد مظاهر النِّزاع والخلاف، بما يفضي إلى تكوين بيئة مدرسيَّة غير حاضنة للنمو النَّفسي والاجتماعي السَّليم للطَّالب، ويترك انعكاسات مباشرة وسلبيَّة على تحصيله الدِّراسي وسلوكه العام.

3. ضعف الانضباط الذَّاتي وأبعاده المستقبليَّة.

 إنَّ تبنِّي الطَّالب لسلوكيات غير محترمة اتِّجاه معلميه يعكس نقصًا في قدرته على ضبط نفسه وتنظيم تصرفاته، وهو مؤشر على ضعف الانضباط الذَّاتي لديه. ويترتب على هذا الضعف سلسلة من الآثار السلبيَّة التي تتجاوز حدود الصَّف الدراسي؛ إذ يصبح الطَّالب أكثر عُرضة للفشل في مواجهة المسؤوليات، واتِّخاذ القرارات الصحيحة، والتكيُّف مع متطلبات الحياة العمليَّة والمهنيَّة. وبذلك تتقلص أمامه فرص تحقيق طموحاته الأكاديميَّة والمهنيَّة، ويضعف بناء شخصيته المستقلة والمسؤولة في المستقبل. 

الفرع الثَّاني: أثره على المعلِّم.

1. الإحباط النَّفسي لدى المعلِّم.

 عندما يواجه المعلِّم سلوكيات تتسم بقلَّة الاحترام أو التَّجاهل، يتسلل إلى نفسه شعور موجع بالإحباط، ويتزعزع لديه الإحساس بالتَّقدير المهني والإنساني. وهذا الأثر النَّفسي ينعكس بوضوح على مستوى التزامه وأدائه داخل الصَّف الدراسي في بعض الأحيان.

 ومع تكرار هذه المواقف، قد يفتر حماسه، ويضعف تفاعله مع الطلاب، ويقل اندفاعه في إعداد الدروس أو متابعة تطورهم العلمي؛ الأمر الذي يترك أثرًا مباشرًا في جودة العمليَّة التعليميَّة. كما أنَّ شعور المعلِّم بعدم الاحترام يزيد من احتمالات تعرضه للإرهاق النَّفسي والمهني، ممَّا ينعكس في النهاية سلبًا على المناخ التَّعليمي العام وعلى مستوى تحصيل الطُّلاب ونموهم العلمي.

2. ضعف علاقة المعلِّم بالطُّلاب الآخرين.

 قد ينتهي تعرُّض المعلِّم لمواقف متكررة من قلِّة احترام بعض الطلاب إلى تبنِّي سلوكيات دفاعية تتمثَّل في الحذر الزَّائد أو التشدد المفرط في التَّعامل مع بقيَّة الطلاب، كآلية وقائية لمنع تكرار تلك السلوكيات السلبيَّة. وهذا الأسلوب قد يخلق جوًّا من التوتر والضغوط النفسيَّة داخل الصف، حيث يشعر الطُّلاب بالانزعاج نتيجة تطبيق قواعد الانضباط بصرامة غير متوازنة أو ممارسات قد تُفسَّر على أنَّها تمييزيَّة.

3. فقدان الهيبة التعليميَّة.

إنَّ استمرار مظاهر عدم الاحترام الموجَّهة إلى المعلِّم، من دون اعتماد إجراءات واضحة ورادعة، يفضي تدريجيًا إلى إضعاف موقعه التربوي داخل المؤسَّسة المدرسيَّة. فحين يُدرك الطُّلاب أنَّ المعلِّم يفتقر إلى القدرة على ضبط السلوك الصفي أو فرض النظام، تتراجع صورته بوصفه مرجعًا تربويًا، ويضعف التَّفاعل البنَّاء معه، سواء على المستوى التَّعليمي أو السلوكي.

ولا يقتصر هذا الأثر على العلاقة بين المعلِّم وطلابه فحسب، ويتجاوز ذلك ليطال المناخ المدرسي العام؛ إذ يسود إحساس ضمني بغياب الحزم وتراخي الضبط؛ الأمر الذي ينعكس اضطرابًا في النظام الصفي، واختلالًا في الانضباط المؤسسي، بما يحدُّ من فاعلية البيئة التعليميَّة ويقوّض أهدافها التربويَّة.

المحور الثَّالث: خطوات علاج المشكلة.

إنَّ معالجة ضعف احترام الطُّلاب لمعلِّميهم تتطلَّب جهدًا تكامليًا تتقاسمه المدرسة والأسرة، بحيث ينهض كلٌّ منهما بدوره ومسؤوليته في ترسيخ قيم الاحترام والتَّقدير، ومن أهمِّ هذه المسؤوليات:

الفرع الأوَّل: دور المدرسة.

1. تعزيز القيم التربويَّة داخل البيئة المدرسيَّة.

 لا خلاف على أنَّ المدرسة تمثِّل البيئة التربويَّة الثَّانية بعد الأسرة، لما لها من أثر بالغ في بناء شخصيَّة الطَّالب وصقل سلوكياته الاجتماعيَّة؛ حيث تشارك عبر مناهجها التعليميَّة وأنشطتها المختلفة في ترسيخ مبادئ الأخلاق، وتنمية مهارات التفاعل الإيجابي مع الآخرين، ممَّا يجعلها ركيزة محوريَّة في إعداد الفرد للحياة داخل المجتمع.

ويمكن للمؤسَّسة المدرسيَّة أن تضطلع بدور فاعل في ترسيخ قيمة الاحترام من خلال إعداد برامج توعويَّة منهجيَّة، وحملات تثقيفيَّة، وورش عمل تربويَّة، تُبرز مكانة الاحترام بوصفه ركيزة في بناء مجتمع تعلُّمي واعٍ وقادر على التقدُّم. فهذه الأنشطة تدعم تشكيل وعي جماعي يُعيد تعريف العلاقات داخل المدرسة على أساس التقدير المتبادل والشعور بالالتزام الأخلاقي والاجتماعي.

غير أنَّ الأثر الحقيقي لهذه الجهود لا يتحقَّق ما لم تتحوَّل إلى سلوك يومي مُعاش داخل البيئة المدرسيَّة، بحيث تصبح ثقافة الاحترام جزءًا أصيلًا من البناء النَّفسي والسلوكي للطَّالب، تنعكس آثارها في علاقاته داخل المدرسة وخارجها على حدٍّ سواء. ومن هنا، فإنَّ المرجعيَّة الأولى في ترسيخ هذا المفهوم تتمثَّل في القرآن الكريم وسيرة العترة الطاهرة (عليهم السلام)، إلى جانب الاستفادة من التجارب التربويَّة النَّاجحة التي تنسجم مع القيم الدِّينيَّة ولا تتعارض مع أحكام الشريعة.

وقد أكَّد القرآن الكريم هذا المعنى حين قرن رفعة الدرجات بالإيمان والعلم، فقال (تعالى): (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (7)، في إشارة واضحة إلى المكانة السامية لأهل العلم وضرورة احترام موقعهم في المجتمع. كما تجلَّى هذا المبدأ بوضوح في كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام)، حين بيَّن حقَّ المعلِّم، فقال: "وَحَقُّ سَائِسِكَ بِالْعِلْمِ التَّعْظِيمُ لَهُ، وَالتَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ، وَحُسْنُ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ، وَأَنْ لَا تَرْفَعَ عَلَيْهِ صَوْتَكَ، وَأَنْ لَا تُجِيبَ أَحَداً يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُجِيبُ، وَلَا تُحَدِّثَ فِي مَجْلِسِهِ أَحَداً، وَلَا تَغْتَابَ عِنْدَهُ أَحَداً، وَأَنْ تَدْفَعَ عَنْهُ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَكَ بِسُوءٍ، وَأَنْ تَسْتُرَ عُيُوبَهُ، وَتُظْهِرَ مَنَاقِبَهُ، وَلَا تُجَالِسَ لَهُ عَدُوّاً، وَلَا تُعَادِيَ لَهُ وَلِيّاً؛ فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ شَهِدَ لَكَ مَلَائِكَةُ اللَّهِ بِأَنَّكَ قَصَدْتَهُ وَتَعَلَّمْتَ عِلْمَهُ لِلَّهِ جَلَّ اسْمُهُ لَا لِلنَّاسِ" (8). فجعل تعظيمه، واحترام مجلسه، وحسن الإصغاء إليه، وضبط السلوك في حضرته، والدفاع عن سمعته، وإظهار محاسنه، من لوازم التعلُّم الحقيقي الذي يُقصد به وجه الله (سبحانه وتعالى) لا مجرَّد تحصيل المعرفة الشكليَّة.

2. تطبيق لوائح انضباطية.

 من الرَّكائز الضروريَّة لضمان احترام النظام داخل المؤسسات التعليميَّة اللوائح الانضباطيَّة، ويجب أن تتسم هذه اللوائح بالوضوح والدقَّة في تحديد العقوبات المترتبة على سلوكيات عدم احترام المعلمين. وينبغي أن تكون هذه اللوائح مفهومة من جميع الأطراف المعنية -الطلاب، وأولياء الأمور، والهيئة التدريسيَّة- ومطبقة بحزم وعدالة لضمان فاعليتها بوصفها آلية رادعة تمنع تكرار السلوكيات غير اللائقة.

 علاوة على ذلك، يجب أن تكون هذه اللوائح متوافقة مع الإطار الشَّرعي والقانوني المعمول به، لضمان احترام الحقوق والحريات لكلٍّ من الطلاب والمعلمينَ. 

3. تدريب المعلمين على مهارات التَّعامل مع الطلاب.

 ويتطلَّب ذلك تزويد المعلمين بمهارات متقدِّمة في التَّواصل الفعَّال وحل النزاعات، ممَّا يمكِّنهم من فهم أسباب السلوك السلبي والتعامل معه بطريقة تربويَّة بنَّاءة تهدف إلى تصحيح السلوك من دون التَّصعيد.

4. التواصل المستمر والبنّاء بين المدرسة والأسرة.

 يؤسِّس القرآن الكريم لمبدأٍ تربويٍّ بالغ الأهميَّة يقوم على الشَّراكة والتَّكامل بين مختلف الأطراف المعنيَّة ببناء الإنسان، ويمكن إدراج التَّعاون بين المدرسة والأسرة ضمن هذه الأطراف، إذ يقول الله (تبارك وتعالى): (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (9)، وهي آية ترسم إطارًا أخلاقيًا واضحًا لأيِّ علاقة تعاونيَّة، وتُحدِّد غايتها في ترسيخ القيم وضبط السلوك.

 وانطلاقًا من هذا الأصل القرآني، تبرز الحاجة إلى أن تعتمد المدرسة آليَّة عمليَّة منظَّمة تضمن التَّواصل المستمر والفعَّال مع أولياء الأمور، بحيث يتم إشعارهم على نحوٍ فوريٍّ بأيِّ سلوكيات غير لائقة أو مظاهر خلل سلوكي تصدر عن الطَّالب. فالتدخُّل المبكر يفتح المجال أمام تنسيق واعٍ بين الأسرة والمؤسَّسة التعليميَّة، يُوحِّد الخطاب التربوي، ويُعزِّز فرص توجيه الطالب وتصحيح مساره ضمن إطار من المسؤولية المشتركة والتكامل التربوي.

5. الاهتمام بالحالة النَّفسيَّة للطلاب.

 تغدو الحاجة إلى الإرشاد النَّفسي داخل المدرسة حاجةً ملحَّة لا يمكن تجاوزها؛ إذ إنَّ توفّر مرشدين نفسيين مختصّين يُشكّل خطَّ الدفاع الأوَّل في رصد الإشكالات التي قد يمرُّ بها الطالب في مراحلها المبكرة. فالقدرة على اكتشاف مؤشرات القلق والتوتّر أو آثار الصراعات الأسريَّة في وقتٍ مبكِّر تتيح التعامل معها بوعيٍ مهني، قبل أن تتحوَّل إلى أزمات سلوكيَّة أو تعليميَّة أكثر تعقيدًا.

 وحين تقوم المدرسة بدورها في هذا الجانب، فإنَّها تتوجّه إلى جذورها النفسيَّة والإنسانيَّة، بما يوفِّر للطالب بيئةً آمنة داعمة، تساعده على الاستقرار النَّفسي والتكيُّف السليم، وتنعكس إيجابًا على تحصيله الدراسي وسلوكه داخل المجتمع المدرسي.

الفرع الثَّاني: دور الأسرة في تقوية احترام المعلمين.

1. تربية الطفل على قيم الاحترام.

 إنَّ تكرار الممارسات السلوكيَّة الإيجابيَّة في البيت تنشئ لدى الأبناء وعيًا متأصلًا بأهمية تقدير دور المعلِّم، الذي يُعد رمزًا للعلم والتربية. فعندما يظهر الأهل احترامًا متبادلًا اتِّجاه الآخرين ويتحدَّثون بإيجابيَّة عن دور المعلمينَ، فإنَّهم يرسِّخون لدى أولادهم مواقف إيجابيَّة نحو المدرسة والمجتمع التَّعليمي بأكمله.

2. مراقبة سلوكيات الطفل.

 يقع على عاتق الأهل مسؤوليَّة متابعة تصرفات أبنائهم، والتأكد من التزامهم بقيم السلوك الحضاري في جميع الأوقات وفي مختلف البيئات الاجتماعيَّة. وعند ملاحظة أي سلوك غير لائق أو خروج عن قواعد الأدب والاحترام، ينبغي على الأهل التدخل الفوري، من خلال الحوار الهادف والتوجيه المستمر، لضمان تصحيح السلوك قبل أن يتسرَّب ويصبح عادة متكررة. وهذا الدور الرقابي المتواصل يرسِّخ أيضًا مفاهيم الاحترام المتبادل.

 وممَّا مرَّ نعرف أنَّ غياب الاحترام بين الطُّلاب والمعلمينَ مؤشِّر تربوي خطير يعكس خللًا في منظومة القيم وأساليب التنشئة والتَّواصل داخل المجتمع التَّعليمي. فالمعلِّم حين تُنتقص مكانته تُصاب رسالة التَّعليم في جوهرها، ويضعف أثر المدرسة في بناء الإنسان القادر على الانضباط واحترام الآخر.

وإذا كانت أسباب هذه الظاهرة متعدِّدة ومتشابكة، فإنَّ علاجها يتطلَّب رؤية تكامليَّة تشترك فيها المدرسة والأسرة والمجتمع، تقوم على إعادة الاعتبار لقيمة الاحترام بوصفها أساسًا للتعلُّم، وضمانًا لاستقرار البيئة التعليميَّة، ومفتاحًا لبناء علاقة تربويَّة إنسانيَّة قائمة على الثِّقة والتَّقدير المتبادل.

إنَّ الاستثمار الحقيقي في التَّعليم ينطلق من ترسيخ مكانة المعلِّم في الوعي الجمعي، وتربية الطَّالب على أنَّ الاحترام دليل نضجه، وأحد شروط نجاحه الأكاديمي والإنساني، وبناء مجتمع متوازن ومتماسك قادر على صناعة مستقبله.

...................................................

الهوامش:

1. سورة التحريم: الآية: 6.

2. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج١٩، ص365.

3. سورة البقرة/ الآية: 170.

4. سورة الأحزاب: الآية: 21.

5. نهج البلاغة: ص٤٨٠.

6. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص47.

7. سورة المجادلة/ الآية: 11.

8. مكارم الأخلاق: ص420.

9. سورة المائدة/ الآية: 2.

اضف تعليق