لم أر في الكليات الأهلية عملية علمية رصينة يتطلع لها بلد يريد مسابقة الزمن لتعويض تأخره عن العالم، بل وجدت كوفيات جرى تهيئتها على أحسن ما يكون لإشباع رغبات الشباب، الى درجة ان الموجودين فيها أكثر من الحاضرين في الصف، ومع ذلك لا تستطيع ادارات الكليات اتخاذ قرارات حاسمة...

انتهت تجربتي الوجيزة في التدريس بالكليات الأهلية، وزياراتي المتكررة لبعض الزملاء العاملين فيها، ومتابعتي لبعض طلبتها الى انه ليس بالبعيد ذلك اليوم الذي يؤثر فيه المستثمرون في التعليم الأهلي بتنصيب وزراء التربية والتعليم العالي بما يحقق مصالحهم ويعظّم مواردهم، فاذا بقت حال البلاد على ما هي عليه، فأني أرى ذلك اليوم كما أرى أصابع يدي، فهم قوة مالية هائلة، تنمو بسرعة فائقة، والمال سلطة مؤثرة بمقدورها عمل الأهوال في بلد أضعف ما فيه سلطة القانون، وما يعزز هذا الرأي، هو التشبيك الذي يعمل عليه المستثمرون مع جهات فاعلة وسياسيين متنفذين. لذا ليس من الحكمة السياسية جعل المال الطائل بيد الأفراد من دون ضوابط شديدة سواء في التعليم او في غيره.

ومن الأشياء التي أسفت لحدوثها أشد الأسف تحّول الكثير من عمداء الكليات الأهلية ومعاونيهم الى جُباة أموال للمستثمرين، وليس مخططين لكيفية الارتقاء بالتعليم العالي، وتحقيق مستوى من الجودة بحيث لا تكون الشهادات العلمية التي تمنح للطلبة مجانية. الملاحظات تشير الى ان الجميع ينجح ويحصل على الشهادة، بينما المستوى العلمي يتراجع، وعندما تتعثر الدولة في ايجاد فرص عمل للكم الهائل من الخريجين، فانهم يتظاهرون منددين بتقصير الحكومة، ومطالبين بإنصاف الكفاءات واستثمار طاقاتهم التي أنفقوا عليها ما أنفقوا، وهذا هو (وهم المعرفة)، الذي هو أخطر على البلاد من الجهل. نتطلع لتعليم أهلي مكملا للتعليم الرسمي وليس مخربا.

لا يمكن أن يفارق ذاكرتي منظر ام الشهيدين، تلك المرأة الستينية بعباءتها السوداء ووجها الشاحب الحزين وهي تتوسل أحد عمداء الكليات الأهلية من أجل تقسيط المبلغ المتبقي من الأجور الدراسية لولدها على دفعتين، أقصاها رأس الشهر ونحن في اسبوعه الأول، لكن العميد رفض ذلك رفضا قاطعا، وعندما أوشكت دموعها على الانهمار حاول تبرير ذلك بعدم قبول المستثمر، ولا يقتصر الأمر على هذه المرأة، بل هناك المئات من العوائل التي تتعرض لهذا الاذلال، من وضع عوائلنا في هذا الموقف المذل؟ فليس جميع من يدرس في الكليات الأهلية من عوائل ثرية؟ بل أجبروا على ذلك، وأسباب ذلك شتى، ولها حديث آخر. لابد أن تُحدد الأجور الدراسية وطرق تسديدها ونسب التخفيض بشكل مركزي من الوزارة وبمتابعة جادة، وليس على هوى المستثمرين.

أسمع من الزملاء ان العميد او المعاون الذي يتراخى في جباية الأموال يمسح المستثمر به الأرض، ولن يكون له مكانا في الكلية، بل سيطرد شر طردة، وكيف يفرط هؤلاء بمنصب ورواتب مجزية وجلهم من المتقاعدين؟ ان الاعتراض على ما يريده المستثمر يعني موتا بطيئا في بيوتهم، او الاستسلام لذل البطالة بالنسبة للتدريسين غير المعينين في الكليات الرسمية. المستثمرون يحددون الرواتب على هواهم مع التمنن، ومن الرواتب ما يندى لها الجبين، ما يضطرهم على القبول وان كان الاذلال واضحا.

لم أر في الكليات الأهلية عملية علمية رصينة يتطلع لها بلد يريد مسابقة الزمن لتعويض تأخره عن العالم، بل وجدت كوفيات جرى تهيئتها على أحسن ما يكون لإشباع رغبات الشباب، الى درجة ان الموجودين فيها أكثر من الحاضرين في الصف، ومع ذلك لا تستطيع ادارات الكليات اتخاذ قرارات حاسمة، حتى الفاشلون في الامتحانات لابد من نجاحهم الا في حالة عدم أداء الامتحان، لأن فشلهم يعني حرمان الكلية من مورد مالي، فضلا عن رسم صورة سلبية عنها في أذهان الراغبين بدخولها مستقبلا. ويتوافق ذلك مع طلبة يشغلهم الحصول على شهادات وليس اكتساب علم ومهارات، الشهادة تؤهل صاحبها للمطالبة بالتعيين في القطاع العام، وكثيرا ما يحدث ذلك على حساب طالب توافر على تأهيل حقيقي بحدود مقبولة في الكليات الرسمية. كثيرة هي الأمور المستفزة في هذه الكليات، وأكثرها عندما يقول لك عميد كلية أهلية: بأنه غير ملزم بتعليمات الوزارة وضوابطها.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق