مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر لعبور النفط، بل أصبح مرآة لهشاشة النظام الاقتصادي العالمي حين تتقاطع الجغرافيا مع الحرب والطاقة. الأزمة الحالية تكشف أن العالم، رغم كل ما راكمه من أدوات مالية وتقنية، ما يزال شديد الاعتماد على عقد طاقة ضيقة وقابلة للاهتزاز. كما تكشف أن إيران، رغم...
يشكل مضيق هرمز واحدا من أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد الدولي، لا لكونه ممرا مائيا استراتيجيا فحسب، بل لأنه يمثل شريانا حيويا يتقاطع عنده الأمن الجيوسياسي مع أمن الطاقة وسلامة التجارة العالمية واستقرار الأسواق المالية. وعندما يتحول هذا المضيق إلى ساحة مواجهة بين إيران والولايات المتحدة، فإن التداعيات لا تبقى محصورة في الخليج، بل تمتد بسرعة إلى أسعار النفط والغاز، وتكاليف النقل والتأمين، ومعدلات التضخم، والسياسات النقدية، وسلاسل الإمداد، وحتى الأمن الغذائي العالمي.
في هذا المشهد العام، نحن أمام أزمة تتجاوز إطار التوتر العسكري التقليدي، لتتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية ثالثة كبرى بعد جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية. فالولايات المتحدة أعلنت فرض سيطرة بحرية على حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية، في حين لوحت إيران بالرد عبر استهداف موانئ خليجية وتهديد الأمن البحري في الخليج وخليج عمان. وفي الوقت نفسه، بقي مضيق هرمز مغلقا عمليا أو شبه معطل، مع تراجع حاد في حركة الناقلات، وتكدس كميات ضخمة من النفط والمنتجات المكررة داخل الخليج، وعودة أسعار الخام إلى مستويات مرتفعة تجاوزت مئة دولار للبرميل، وسط تقديرات بأن الأسعار الفورية الحقيقية أعلى بكثير من الأسعار القياسية المعلنة.
مرونة الاقتصاد العالمي والصمود الايراني
هذه الأزمة لا تنبع فقط من كون نحو خمس إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، بل أيضا من أن المنطقة تمثل عقدة مركزية لتصدير الغاز الطبيعي المسال والمواد الأولية البتروكيميائية والأسمدة. ولذلك فإن تعطل الملاحة لا يعني فقط شحا في الوقود، بل يهدد بإطلاق موجة تضخم واسعة، واضطراب في الصناعة، وارتفاع في كلفة الزراعة، ثم ضغوط لاحقة على أسعار الغذاء والنقل والطيران والكهرباء. وفي هذا الإطار، يبرز السؤال الجوهري: هل يملك الاقتصاد العالمي من المرونة ما يسمح له باحتواء هذه الصدمة، أم أن إيران بما راكمته من خبرة في التكيف مع العقوبات والحصار، قد تكون أكثر قدرة على امتصاص الضغوط في الأمد القصير من خصومها وشركائهم التجاريين؟
للإجابة عن ذلك، لا بد من تفكيك الأزمة إلى مستوياتها المختلفة: البعد الجيوسياسي والعسكري، البعد الطاقوي، البعد الاقتصادي والمالي، ثم مقارنة عناصر الصمود لدى إيران وعناصر القوة والضعف في الاقتصاد العالمي، وصولا إلى السيناريوهات المستقبلية المحتملة.
منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير، تبلورت مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران، انتهت إلى وقف إطلاق نار هش لم يصمد سياسيا. فالمحادثات التي عقدت في إسلام آباد لم تنتج تسوية نهائية، بل كشفت عمق الفجوة بين الطرفين. الولايات المتحدة أرادت من الحرب والمفاوضات اللاحقة تحقيق جملة أهداف: إنهاء قدرة إيران على تهديد جيرانها بالصواريخ والطائرات المسيرة، وقف برنامجها النووي، وإنهاء دعمها لحلفائها الإقليميين، فضلا عن دفع الداخل الإيراني نحو إضعاف النظام. لكن المعطيات الواردة تشير إلى أن هذه الأهداف لم تتحقق بالكامل. فإيران ما تزال تحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة، وبمخزون من اليورانيوم المخصب، ولم تظهر مؤشرات واضحة على انهيار سياسي داخلي أو معارضة منظمة قادرة على إزاحة القيادة.
في المقابل، حاولت إيران توظيف موقعها الجغرافي وسيطرتها المؤثرة على المضيق باعتبار ذلك ورقة تفاوضية واستراتيجية من الطراز الأول. فهي تعلم أن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة في هرمز لا يضغط على واشنطن وحدها، بل على العالم كله، وخاصة الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة، وأوروبا المتأثرة أصلا بارتفاع تكاليف الطاقة، والأسواق الناشئة التي تعاني من هشاشة مالية وديون مرتفعة. ولهذا رفعت سقف مطالبها، بما في ذلك السعي إلى انتزاع اعتراف بدورها في المضيق ورفع العقوبات والحد من الوجود العسكري الأمريكي في الإقليم.
إذن، نحن أمام وضع لا يشبه فقط حصارا بحريا أو أزمة عبور ملاحي، بل أمام صراع إرادات تتداخل فيه حسابات الردع والسيادة، مع رهانات الطاقة والاقتصاد. ومن هنا جاءت حدة ردود الفعل في الأسواق العالمية. فأسعار النفط، ارتفعت بأكثر من سبعة بالمئة عند استئناف التداولات، وعادت إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، لكن المتعاملين يرون أن الأسعار القياسية لا تعكس حقيقة الاختناق الفعلي في الإمدادات، لأن المصافي مستعدة لدفع علاوات تصل إلى خمسين دولارا فوق السعر القياسي للحصول على شحنات فورية. وهذا يعني أن الأسواق الورقية لا تزال أقل توترا من الأسواق المادية الفعلية، وهي إشارة خطيرة على احتمال استمرار القفزات السعرية إذا طال أمد الأزمة.
وتزداد أهمية هذا التطور عندما نعلم أن إيران نفسها كانت تصدر قبل الحصار نحو 1.84 مليون برميل يوميا في مارس، ونحو 1.71 مليون برميل يوميا في أبريل، إضافة إلى وجود أكثر من 180 مليون برميل محملة على سفن في البحر حتى مطلع الشهر. هذا يعني أن منع الملاحة من وإلى إيران لا يحرم الأسواق فقط من تدفقات يومية مهمة، بل يعقد أيضا وضع المخزونات العائمة ويزيد من تداخل ملف العقوبات مع ملف التأمين والشحن والمدفوعات، ما يضيف إلى الأزمة أبعادا قانونية ولوجستية لا تقل تأثيرا عن نقص الكميات.
أما بالنسبة لباقي المنتجين الخليجيين، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في فقدان إنتاجهم المباشر فقط، بل في تعطل قدرتهم على التصدير. فالمشكلة في هرمز هي مشكلة مرور قبل أن تكون مشكلة إنتاج. وحتى إذا بقيت بعض الحقول في السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر تعمل، فإن صعوبة عبور الناقلات، وارتفاع أقساط التأمين، وخشية الشركات من المخاطر العسكرية أو انتهاك العقوبات، كلها عوامل تقلص فعليا حجم المعروض القابل للوصول إلى السوق العالمية. وقد أظهرت الوقائع الواردة أن عددا من الناقلات تردد أو عاد أدراجه، وأن مئات الملايين من البراميل ظلت عالقة داخل الخليج، ما يبرز حجم الاختناق.
صدمة التضخم والعبء الانتخابي
ومن هنا جاءت تقديرات المحللين بأن السوق النفطية العالمية انتقلت من توقع فائض مريح في المعروض إلى توقع عجز قد يبلغ في المتوسط 750 ألف برميل يوميا خلال العام، مع بلوغ العجز نحو ثلاثة ملايين برميل يوميا في الربع الثاني. وفي بعض التقديرات، تسببت الحرب فعليا في تقليص الإمدادات بنحو تسعة إلى أحد عشر مليون برميل يوميا في ذروة الاضطراب. وهذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات قطاعية، بل لها أثر مضاعف على الاقتصاد العالمي كله، لأن النفط ليس سلعة نهائية فقط، بل مدخل إنتاج أساسي في النقل والصناعة والتوليد والبتروكيماويات والزراعة.
وعندما ترتفع الطاقة، يبدأ التضخم بالانتشار في كامل البنية الاقتصادية. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، شهدت بحسب النص ارتفاعا في التضخم السنوي إلى 3.3 بالمئة في مارس، مع قفزة شهرية كبيرة في أسعار الوقود بلغت 21.2 بالمئة، وهي زيادة وُصفت بأنها غير مسبوقة منذ عقود. هذا التطور لا يضغط فقط على المستهلك الأمريكي عبر أسعار البنزين، بل يهدد بنقل التكاليف إلى سلع أخرى عبر الشحن البري والزراعة والصناعة والخدمات. ولذلك لم يكن مفاجئا أن تتراجع ثقة المستهلك الأمريكي إلى مستويات متدنية للغاية، وأن تتنامى المخاوف السياسية داخل الحزب الجمهوري من أن تتحول أزمة الطاقة إلى عبء انتخابي قبل انتخابات التجديد النصفي.
وفي أوروبا، تبرز أزمة من نوع آخر. فالقارة التي خرجت بصعوبة من صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا تجد نفسها مجددا أمام ارتفاع تكاليف الوقود والغاز، في وقت لا تزال فيه بعض الاقتصادات الأوروبية تعاني تباطؤا في النمو وهشاشة في القطاع الصناعي. ولهذا أعلنت المفوضية الأوروبية عن خطط لمعالجة ارتفاع تكاليف الطاقة، وربطت الأزمة مجددا بالحاجة إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية، وتقوية الربط الكهربائي بين دول الاتحاد. وفي ألمانيا وإيرلندا والسويد، ظهرت استجابات حكومية مباشرة عبر خفض ضرائب الوقود وتوسيع الدعم لتخفيف العبء عن الأسر والشركات. وهذه الإجراءات، رغم ضرورتها الاجتماعية والسياسية، تكشف أن الحكومات الأوروبية تخشى من أن تتحول الصدمة الطاقوية إلى أزمة معيشية أوسع، وربما إلى ضغط على التنافسية الصناعية والاستقرار السياسي.
الطبيعة المتسلسلة للأزمة
أما في آسيا، فهي الأكثر تعرضا بحكم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة العابرة من الخليج. الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا ترتبط بدرجات متفاوتة بإمدادات النفط والغاز القادمة عبر هرمز. غير أن الصين تبدو في وضع أفضل نسبيا من غيرها. فقد ساعدها تنويع مصادر الإمداد، وتوسيع الاحتياطات الاستراتيجية، والتقدم في الطاقة المتجددة والطاقة النووية، على تخفيف الصدمة المباشرة. كذلك فإن بكين لم تضطر إلى السحب السريع من احتياطاتها، ما يعني أنها تملك هامش مناورة لا يتوفر بسهولة لدى دول آسيوية أخرى. لكن هذا لا يعني أن الصين ستكون بمنأى عن الأزمة؛ فارتفاع الأسعار العالمية وتباطؤ الاقتصاد الدولي ينعكسان حتما على صادراتها وصناعاتها، كما أن بعض قطاعاتها، مثل المصافي الصغيرة والصناعات الكيميائية وأشباه الموصلات، تواجه مخاطر إضافية بسبب تعطل تدفقات الخام الإيراني والهيليوم والمواد الوسيطة.
ويستحق قطاع الأسمدة اهتماما خاصا، لأن تأثيراته تتجاوز الطاقة إلى الأمن الغذائي. فدول الخليج تمثل حصة مهمة من إنتاج الأسمدة ومدخلاتها، بينما أدى تعطل الملاحة وارتفاع أسعار الغاز إلى إغلاق أو خفض نشاط مصانع عدة، مع بقاء عشرات السفن عالقة. ونتيجة لذلك قفزت أسعار بعض المنتجات مثل اليوريا، وظهرت مخاوف من أن تمتد الأزمة إلى المواسم الزراعية في آسيا وإفريقيا، ثم إلى أسعار الغذاء بعد أشهر. وهذا ما يفسر تحذير صندوق النقد من احتمال انزلاق عشرات الملايين الإضافيين إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد إذا استمرت الحرب. هنا تتضح الطبيعة المتسلسلة للأزمة: اضطراب في الممر الملاحي، يليه ارتفاع للطاقة، ثم للأسمدة، ثم للمحاصيل، ثم للغذاء، وأخيرا للاضطرابات الاجتماعية والمالية.
ومن القطاعات التي تعرضت لصدمة مباشرة أيضا قطاع الطيران. فارتفاع وقود الطائرات إلى أكثر من ضعف مستواه السابق، وتعطل الرحلات في الخليج، وتحول المسارات الجوية، كلها أمور دفعت الشركات إلى إعادة النظر في التوسع والرحلات والأسعار. وهذا التطور مهم لأنه يعكس كيف تنتقل أزمة الطاقة من سوق النفط الخام إلى اقتصاد الخدمات العالمي. كما أنه يظهر أن حتى الهدنة أو وقف إطلاق النار الهش لا يكفيان لعودة الأمور إلى طبيعتها بسرعة، لأن شركات الطيران والملاحة والتأمين تعتمد على تقدير المخاطر المستقبلية، لا على مجرد إعلان سياسي مؤقت.
ازمة التكاليف المتوالية
في ظل هذه الصورة، يطرح هذا السؤال بقوة: من سيكون أكثر تحملا، إيران أم الاقتصاد العالمي؟
من حيث الحجم والقدرات الشاملة، لا شك أن الاقتصاد العالمي أكبر بما لا يقاس من الاقتصاد الإيراني. العالم يمتلك تنوعا جغرافيا وإنتاجيا وماليا هائلا، ولديه احتياطات استراتيجية، ومؤسسات مالية دولية، وأسواق قادرة على امتصاص جزء من الصدمات، وإمكانيات لإعادة توجيه التجارة والإمدادات. كما أن كبار المنتجين من خارج الخليج، مثل الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا وبعض أعضاء أوبك+، يمكن أن يسهموا في تعويض جزء من النقص إذا سمحت الظروف الزمنية واللوجستية. لذلك، إذا كان السؤال يتعلق بالقدرة النهائية على البقاء، فإن الاقتصاد العالمي بالتأكيد أقدر على النجاة من إيران.
لكن إذا كان السؤال يتعلق بقدرة التحمل في الأمد القصير إلى المتوسط، فإن الإجابة تصبح أكثر تعقيدا. إيران، رغم ضعف اقتصادها النسبي، تكيفت طوال سنوات مع العقوبات والعزل والضغوط الغربية. اقتصادها اعتاد على العمل في ظروف نقص الاستثمار الأجنبي، وضعف الوصول إلى النظام المالي العالمي، وتقلب سعر العملة، واعتماد أكبر على أدوات الالتفاف والاقتصاد غير الرسمي والشبكات الإقليمية. كما أن السلطة السياسية في إيران أظهرت، وفق المعطيات، تماسكا نسبيا وقدرة على الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية دون حدوث انهيار داخلي سريع. وهذا يمنحها قدرة معينة على تحمل الألم، خصوصا إذا كانت تراهن على أن خصومها الغربيين سيواجهون ضغوطا سياسية واجتماعية أسرع بسبب ارتفاع الأسعار والتضخم.
في المقابل، الاقتصاد العالمي أكثر حساسية للسرعة والانتشار. فحتى إن كان أقوى بنيويا، إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة يضرب شرائح واسعة من المستهلكين والمنتجين بسرعة، ويقيد البنوك المركزية، ويزيد كلفة الاقتراض، ويضغط على الأسواق الناشئة المثقلة بالديون. الدول الديمقراطية الغربية، على وجه الخصوص، تواجه حساسية سياسية عالية تجاه أسعار الوقود والمعيشة، ما يعني أن صبرها السياسي قد يكون أقل من صبر إيران على المعاناة الاقتصادية. ولذلك يمكن القول إن إيران قد تكون أقدر على تحمل الصدمة سياسيا ونفسيا لفترة محدودة، بينما الاقتصاد العالمي أقدر على تجاوزها بنيويا على المدى الأطول إذا لم تتفاقم إلى حد الانهيار الواسع.
عناصر الصمود ونقاط الضعف
إن عناصر الصمود الإيرانية تتمثل في أربعة عوامل رئيسية. أولها، الخبرة الطويلة في إدارة العقوبات وبناء مسارات بديلة للتجارة والتمويل. ثانيها، امتلاك ورقة جغرافية حاسمة في مضيق هرمز تجعل تكلفة تجاهلها باهظة على الجميع. ثالثها، بقاء قدراتها العسكرية والردعية الأساسية رغم الحرب. رابعها، وجود خصوم دوليين منقسمين، حيث لم تنجر كل دول الناتو إلى الحرب أو الحصار، بل فضلت التركيز على إعادة فتح الممر الملاحي. أما نقاط الضعف الإيرانية فتتمثل في هشاشة الاقتصاد الداخلي، وتضرر البنية التحتية، وارتفاع الحاجة إلى إعادة الإعمار، وتراجع الإيرادات إذا طال تعطيل الصادرات، إضافة إلى مخاطر الاستنزاف الداخلي على المدى الطويل.
أما عناصر صمود الاقتصاد العالمي فتشمل اتساع القاعدة الإنتاجية، وتعدد مراكز الاستهلاك، وإمكانية استخدام الاحتياطات الاستراتيجية، ومرونة التجارة الدولية في إعادة التوجيه، وقدرة المؤسسات الدولية على تقديم تمويل طارئ للدول الأضعف. لكن نقاط ضعفه تكمن في التضخم، وتشابك سلاسل الإمداد، وارتفاع المديونية، والانقسام السياسي الدولي، وتضاؤل القدرة على تنسيق استجابة جماعية فعالة كما حدث في أزمات سابقة.
وعليه، فإن الإجابة الأدق هي أن إيران قد تكون أكثر صمودا تكتيكيا في المدى القصير، بينما الاقتصاد العالمي أكثر صمودا استراتيجيا في المدى البعيد. لكن هذه المعادلة نفسها ليست مستقرة، لأنها تتغير بحسب مدة الأزمة وشدتها وطبيعة الردود السياسية والعسكرية.
تحليل السيناريوهات المستقبلية
أما السيناريوهات المستقبلية، فيمكن تصنيفها إلى أربع احتمالات رئيسية.
السيناريو الأول هو الاحتواء الجزئي والتسوية المؤقتة. وفيه تنجح الضغوط الدولية، وربما الوساطات الإقليمية والدولية، في تثبيت وقف إطلاق النار وتخفيف القيود على الملاحة دون التوصل إلى اتفاق سياسي شامل بين واشنطن وطهران. في هذا السيناريو، يُعاد فتح المضيق تدريجيا، لكن مع بقاء مخاطر التأمين ورسوم العبور والعقوبات والتهديدات العسكرية. وتبقى أسعار النفط مرتفعة نسبيا فوق مستويات ما قبل الحرب، ثم تبدأ بالانخفاض التدريجي خلال أسابيع أو أشهر. هذا السيناريو لا ينهي الأزمة، لكنه يمنع الأسوأ. وهو الأكثر فائدة للاقتصاد العالمي، كما يمنح إيران فرصة للتفاوض من موقع لم ينكسر تماما، دون أن تحقق كل أهدافها.
السيناريو الثاني هو الاستنزاف الطويل منخفض الحدة. وفيه لا تقع مواجهة شاملة جديدة، لكن يبقى المضيق معطلا جزئيا، وتستمر التحرشات البحرية والتهديدات المتبادلة والقيود المفروضة على السفن. هذا السيناريو قد يكون الأخطر اقتصاديا، لأنه يطيل أمد عدم اليقين ويمنع عودة الثقة، ما يبقي الأسعار مرتفعة والتأمين مكلفا والاستثمارات مؤجلة. وفي هذه الحال، سيتباطأ النمو العالمي، ويرتفع التضخم لفترة أطول، وتتعاظم الضغوط على الدول الفقيرة والمستوردة للطاقة. كما ستتأثر الزراعة والصناعة والطيران والنقل البحري تباعا. إيران في هذا السيناريو قد تنجح في فرض كلفة مستمرة على خصومها، لكنها بدورها ستعاني من الاستنزاف الاقتصادي وتآكل القدرة على إعادة البناء.
السيناريو الثالث هو التصعيد العسكري الواسع. وفيه تنهار الهدنة نهائيا، وتتسع الهجمات لتشمل الموانئ الخليجية والبنية التحتية للطاقة وربما إغلاقات أشد للمضيق. هذا السيناريو قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير، ويطلق صدمة تضخمية عالمية جديدة، ويزيد احتمالات الركود في عدد من الاقتصادات الكبرى، ويهدد الأسواق الناشئة بأزمات ميزان مدفوعات وديون. كما قد يؤدي إلى تدخلات عسكرية إضافية، وتوسع رقعة عدم الاستقرار في الإقليم. وفي هذه الحالة، سيكون الجميع خاسرا، لكن الخسائر ستكون أشد على الدول الهشة والمستوردة للطاقة، وعلى الاقتصادات المفتوحة ذات الاعتماد العالي على التجارة. أما إيران فقد تدفع ثمنا عسكريا واقتصاديا فادحا، لكنها قد تراهن على أن خصومها سيدفعون ثمنا سياسيا واستراتيجيا لا يقل فداحة.
السيناريو الرابع هو إعادة تشكيل خريطة الطاقة والتجارة. وهذا ليس سيناريو آنيا بقدر ما هو مسار متوسط إلى طويل الأجل. فإذا استمرت الأزمة أو تكررت، فإن العالم سيسرع من جهود تنويع الإمدادات، وزيادة الاستثمار في الطاقات المتجددة والطاقة النووية والبنية التحتية البديلة وخطوط الأنابيب والمخزونات الاستراتيجية. أوروبا بدأت بالفعل في هذا المسار، والصين تبدو أكثر استعدادا له، ودول كثيرة ستعيد حساباتها بشأن أمن الطاقة. في هذا السيناريو، قد تتمكن إيران على المدى القصير من استخدام المضيق كورقة ضغط، لكنها على المدى الطويل قد تدفع العالم إلى تقليل الاعتماد النسبي على المنطقة، وهو ما يضعف قيمة هذه الورقة تدريجيا.
إن مصير الاقتصاد العالمي في ظل هذه الأزمة سيتحدد، في النهاية، بقدرته على إدارة التوازن بين الأمن والطاقة والسياسة النقدية. فإذا نجحت القوى الكبرى والمؤسسات الدولية في احتواء الاضطراب، وتأمين خطوط بديلة، وتقديم دعم سريع للدول المتضررة، فقد تبقى الأزمة في حدود صدمة حادة لكنها قابلة للاحتواء. أما إذا تُركت الأزمة لتتفاعل مع الديون المرتفعة، والانقسام الدولي، والتضخم، والتباطؤ الاقتصادي، فإنها قد تتحول إلى أزمة ممتدة تعيد تشكيل أولويات الاقتصاد والسياسة في العالم كله.
الخلاصة
ان مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر لعبور النفط، بل أصبح مرآة لهشاشة النظام الاقتصادي العالمي حين تتقاطع الجغرافيا مع الحرب والطاقة. الأزمة الحالية تكشف أن العالم، رغم كل ما راكمه من أدوات مالية وتقنية، ما يزال شديد الاعتماد على عقد طاقة ضيقة وقابلة للاهتزاز. كما تكشف أن إيران، رغم الضغوط، ما تزال تملك قدرة على إرباك خصومها عبر الموقع والردع والتحمل السياسي. ولذلك فإن المقارنة بين صمود إيران وصمود الاقتصاد العالمي لا تُحسم بلغة القوة المطلقة، بل بلغة الزمن. في المدى القريب، تبدو إيران قادرة على إيلام العالم أكثر مما يستطيع العالم تحمله بسهولة. أما في المدى البعيد، فإن الاقتصاد العالمي يملك من العمق والبدائل ما يجعله أقدر على التكيف، شرط ألا تتوسع الحرب وأن تتوافر إرادة سياسية دولية حقيقية لتطويقها.
وبين هذين الأفقين، يبقى السيناريو الأرجح هو استمرار حالة عدم اليقين لبعض الوقت، مع بقاء الأسعار مرتفعة، وتعرض النمو العالمي لضغوط، وتزايد أهمية أمن الطاقة في السياسات الوطنية والدولية. وإذا كان من درس أساسي تفرضه هذه الأزمة، فهو أن استقرار الاقتصاد العالمي لم يعد منفصلا عن أمن الممرات البحرية، وأن أي صراع في الخليج لم يعد شأنا إقليميا، بل حدثا كفيلًا بإعادة ترتيب أولويات العالم كله.



اضف تعليق