تتحول الجدران في المدينة المعاصرة إلى شاشات بصرية حية، وقماشٍ مفتوح يضج بالحياة، ويتقاطع مع يوميات الإنسان وهويته بفعل الرؤى الفنية المتجددة. ويمثل الفن الجداري المعاصر خطاباً فكرياً وثقافياً واجتماعياً يعيد صياغة الوعي الجمعي، ويحول الشوارع إلى متاحف مفتوحة تمنح الفضاء العام أبعاداً جمالية وإنسانية عميقة...

تتحول الجدران في المدينة المعاصرة إلى شاشات بصرية حية، وقماشٍ مفتوح يضج بالحياة، ويتقاطع مع يوميات الإنسان وهويته بفعل الرؤى الفنية المتجددة. ويمثل الفن الجداري المعاصر خطاباً فكرياً وثقافياً واجتماعياً يعيد صياغة الوعي الجمعي، ويحول الشوارع إلى متاحف مفتوحة تمنح الفضاء العام أبعاداً جمالية وإنسانية عميقة.

في هذا الفضاء المعرفي والجمالي الرحب، نلتقي اليوم مع الباحث والفنان إبراهيم حاتم فالح، طالب الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل (قسم الفنون التشكيلية - اختصاص ماجستير رسم)، لنسلط الضوء على رسالته الموسومة بـ "التشكيل الجمالي للفن الجداري المعاصر (دراسة تحليلية)".

يأخذنا الباحث في هذا الحوار في رحلة بصرية وفلسفية غنية؛ ليفكك شفرات الجدارية المعاصرة، ويوضح توازن الشكل مع الفكرة، وامتزاج الأسلوب الأكاديمي بالحس الشعبي، مستشرفاً مستقبل هذا الفن في ظل الثورات التقنية والرقمية التي تشهدها الساحة العربية والعالمية.

نرحب بضيفنا الكريم الباحث إبراهيم حاتم فالح، ونبدأ معه هذا الحوار من نقطة التحول الأساسية لهذا الفن:

الجدارية اليوم تقدم بوصفها لغة بصرية تتفاعل مع المكان والإنسان؛ كيف ترى تحولها في علاقتها بالفضاء العام؟

أرى أن الجدارية المعاصرة شهدت تحولًا جوهريًا في علاقتها بالفضاء العام، إذ لم تعد مجرد ممارسة تزيينية أو عنصرًا تكميليًا للعمارة، بل أصبحت خطابًا بصريًا فاعلًا يتقاطع مع الإنسان والمكان والحدث. 

لقد تحوّل الفضاء العام إلى وسيط تواصلي مفتوح، والجدارية أصبحت تمارس دورًا ثقافيًا وتوعويًا وجماليًا، إذ تنقل رسائل فكرية وإنسانية وتُعيد تشكيل الوعي البصري الجمعي داخل المدينة المعاصرة.

الجدار في تجربتك يتحول إلى عنصر داخل التكوين الفني؛ كيف تشكّل هذا الوعي لدى الفنان المعاصر؟

هذا الوعي تشكّل نتيجة التحولات المفاهيمية في الفن المعاصر، حيث لم يعد الجدار يُنظر إليه كحامل محايد للعمل، بل بوصفه جزءًا عضويًا من البنية التشكيلية.

فالفنان المعاصر بات يتعامل مع الجدار كفضاء حيّ له أبعاده الفيزيائية والدلالية والنفسية، ويُدخل خصائصه المعمارية ضمن التكوين، بما يحقق تفاعلًا بين الشكل والمضمون والمكان.

تنوع الأساليب بين التعبيري والرمزي والتجريدي، ماذا يكشف عن روح الجدارية المعاصرة؟

هذا التنوع يكشف عن انفتاح الجدارية المعاصرة على المرجعيات الفكرية والجمالية المتعددة. 

فالأسلوب التعبيري يمنح العمل كثافة وجدانية، والرمزي يفتح فضاءً تأويليًا متعدد المستويات، أما التجريدي فيحرر الشكل من مرجعيته المباشرة ويمنح المتلقي مساحة أوسع للتفاعل. 

وهذا يعكس أن الجدارية المعاصرة لم تعد مرتبطة بمنهج أسلوبي واحد، بل أصبحت حقلًا بصريًا مرنًا يتسع للتجريب.

اللون يحمل دلالات تتجاوز الزخرفة؛ كيف يصوغ خطاباً بصرياً يعكس قضايا إنسانية وثقافية؟

اللون في الجدارية المعاصرة عنصر بنائي ودلالي يتجاوز الوظيفة التزيينية، إذ يسهم في بناء الإيقاع والحركة والاتزان داخل العمل، وفي الوقت نفسه يحمل شحنات رمزية ونفسية وثقافية.

فاختيار الألوان لا يتم بمعزل عن الموضوع إذ يمكن للون أن يستحضر الذاكرة، أو يعبّر عن الألم، أو يرمز إلى الأمل والانبعاث، وبذلك يصبح أداة خطاب بصري موازية للنص والرمز.

الجدارية تتقاطع مع المجتمع في الفضاء العام؛ كيف تسهم في تشكيل وعي بصري جمعي؟

الجدارية تمتلك قدرة استثنائية على الوصول إلى الجمهور بمختلف فئاته، لوجودها في الفضاء المشترك.

ومن هنا فإنها تُسهم في تكوين ذائقة بصرية جمعية، وترسيخ قيم جمالية وثقافية، بل وقد تتحول إلى وثيقة بصرية تعبّر عن قضايا المجتمع وتاريخه وهويته. إنها تؤدي دورًا تربويًا وتثقيفيًا إلى جانب دورها الفني.

عبر المسار التاريخي، أين تضع اللحظة التي أعادت تعريف الجدارية كفن قائم بذاته؟

أرى أن اللحظة المفصلية كانت مع التحولات الحداثية، خصوصًا بعد أن تجاوز الفن الجداري وظيفته الدينية أو السلطوية أو التوثيقية، ليتحول إلى ممارسة فنية مستقلة ذات خطاب فكري وجمالي. 

ثم تعمق هذا التحول في الفن المعاصر مع دخول تقنيات وأساليب جديدة، جعلت الجدارية فنًا قائمًا بذاته لا تابعًا للعمارة.

تداخل النص والرمز مع الشكل داخل العمل، كيف يؤثر في قراءة المتلقي؟

هذا التداخل يُنتج مستويات مركبة من القراءة فالنص قد يوجّه الفكرة مباشرة أو يُلمّح إليها، والرمز يوسّع دائرة التأويل، أما الشكل فيمنح البنية البصرية حضورها الجمالي. وبهذا يصبح المتلقي شريكًا في تفكيك المعنى، لا مجرد مشاهد سلبي.

مع توسع المدن، كيف تحافظ الجدارية على هويتها الفنية داخل المشهد العمراني؟

تحافظ الجدارية على هويتها عندما تكون منبثقة من خصوصية المكان لا مفروضة عليه، أي حين تستلهم رموزه الثقافية والبيئية والتاريخية، وتندمج مع النسيج العمراني دون أن تفقد استقلالها الجمالي.

الجدران في المدن تبدو مساحات صامتة؛ كيف يحولها الفنان إلى خطاب جمالي مؤثر؟

الفنان يعيد إنتاج الجدار بوصفه مساحة للتعبير، فيحوّله من عنصر صامت إلى كيان بصري ناطق عبر توظيف الخط واللون والرمز والكتلة والإيقاع، ليصبح العمل الجداري نصًا بصريًا مفتوحًا على التأويل.

أين تقف الجدارية بين التعبير الأكاديمي والفن الشعبي؟

الجدارية تقف عند نقطة التقاء بين الاثنين فهي تستفيد من البناء الأكاديمي والتنظيم التكويني، وفي الوقت نفسه تستمد من الفن الشعبي عفويته وبساطته وقربه من الناس، وهذا ما يمنحها طابعًا إنسانيًا واسع التأثير.

تجربة الجدارية لطلبة الفنون، ماذا تضيف لمسارهم المعرفي والجمالي؟

تجربة الجدارية تُعد مختبرًا بصريًا متكاملًا، إذ تُنمّي لدى الطالب مهارات التخطيط والتنظيم والتعامل مع الفضاء، كما تعزز حسّه النقدي والجمالي، وتمنحه خبرة في الربط بين الفكر والتطبيق.

إدماج الرموز الثقافية والبيئية، كيف يعزز حضور الهوية داخل العمل؟

لأن الرمز الثقافي والبيئي يُرسّخ الانتماء، ويجعل العمل أكثر اتصالًا بذاكرة المجتمع وخصوصيته الحضارية، فتتحول الجدارية إلى حامل بصري للهوية.

من بين اللون والخط والمساحة والموضوع، أي عنصر يمنح التكوين قوته الأبرز؟

أرى أن قوة التكوين لا تكمن في عنصر منفرد، بل في طبيعة العلاقات البنائية بين هذه العناصر، لكن اللون غالبًا ما يكون المدخل الأول للتلقي، بينما يرسّخ الخط والمساحة والموضوع المعنى والاتزان.

بين جمالية الشكل وعمق الفكرة، كيف يتحقق التوازن داخل العمل الجداري؟

يتحقق التوازن عبر صياغة شكلية واعية لا تنفصل عن الفكرة، بحيث تكون الجمالية وسيلة لتمرير المعنى، لا غاية منفصلة عنه، والعكس صحيح.

كيف تتصور مستقبل الجدارية في العالم العربي مع التحولات الثقافية والتقنية؟

أتصور أن الجدارية العربية مقبلة على مرحلة جديدة من التحول، خاصة مع دخول الوسائط الرقمية، وتقنيات الإسقاط الضوئي، والواقع المعزز، والفن التفاعلي.

وهذا قد يفتح آفاقًا جديدة أمام الفنان العربي لإنتاج خطاب بصري معاصر يحافظ على الهوية ويواكب التطور التقني والثقافي.

خاتمة الحوار:

في نهاية هذا اللقاء المعرفي الشيق، يتضح لنا كيف ينجح البحث الأكاديمي الرصين في ملامسة الواقع الحي، وتحويل الأفكار النظرية إلى رؤى بصرية تنبض بالحياة في فضاءات مدننا. لقد قدمت لنا هذه الدراسة التحليلية قراءة مغايرة للجدارية المعاصرة، ليس بوصفها مجرد ألوان على جدار، بل كوثيقة ثقافية وهوية بصرية تتنفس بآمال المجتمع وقضاياه.

ثم شكرنا الباحث إبراهيم حاتم فالح على هذا الإبحار الفكري والجمالي الممتع، وعلى ما قدمه من إضاءات نقدية مميزة تثري الساحة التشكيلية والمكتبة الأكاديمية، متمنين له دوام التوفيق والنجاح في مسيرته العلمية والعملية، ونيل شهادة الماجستير تمهيداً لمزيد من العطاء الإبداعي الذي يخدم الحركة الفنية في العراق والعالم العربي.

اضف تعليق