تبدأ أزمة السكن أحياناً من مشهد صغير: أسرة تبحث عن بيت مناسب، تقارن بين الإيجارات، تحسب ما يتبقى من الراتب بعد الطعام والنقل والتعليم، ثم تؤجل قراراً آخر؛ زواجاً، إنجاباً، انتقالاً إلى عمل أفضل، أو حتى حلم امتلاك منزل. ومع تكرار هذا المشهد لدى آلاف الأسر، تتحول المسألة من مشكلة عقارية إلى سؤال أكبر...

تبدأ أزمة السكن أحياناً من مشهد صغير: أسرة تبحث عن بيت مناسب، تقارن بين الإيجارات، تحسب ما يتبقى من الراتب بعد الطعام والنقل والتعليم، ثم تؤجل قراراً آخر؛ زواجاً، إنجاباً، انتقالاً إلى عمل أفضل، أو حتى حلم امتلاك منزل. ومع تكرار هذا المشهد لدى آلاف الأسر، تتحول المسألة من مشكلة عقارية إلى سؤال أكبر: كيف يستطيع الإنسان أن يخطط لحياته إذا كان المكان الذي سيعيش فيه غير مضمون؟

في العراق تبدو المفارقة قاسية. هناك أرض واسعة وثروات كبيرة ومدن تتمدد باستمرار، ومع ذلك أصبح الحصول على مسكن مناسب تحدياً اقتصادياً واجتماعياً متزايداً. هذه المفارقة تكشف أن أزمة السكن لا تنتج من غياب الأرض وحده، وإنما من العجز عن تحويل الأرض إلى أحياء مخططة، وتحويل المال إلى تمويل سكني ممكن، وتحويل النمو السكاني إلى مدن تستوعب سكانها بطريقة منظمة. المشكلة، في جوهرها، تقع في المسافة بين الموارد الموجودة والقدرة على إدارتها.

أول أسباب الأزمة هو أن المدن العراقية نمت أسرع من التخطيط الذي يفترض أن ينظم نموها. الهجرة من الريف إلى المدن، والنزوح الذي رافق الحروب والأزمات، وتمركز الوظائف والجامعات والمستشفيات والدوائر والأسواق في المدن الكبرى، دفعت السكان إلى التكدس في مناطق محددة. وكلما زاد الطلب على السكن في مكان تتركز فيه فرص الحياة، ارتفعت قيمة الأرض، واتسعت الفجوة بين سعر العقار وقدرة الأسرة على الشراء.

وهنا نصل إلى خطأ شائع في فهم الأزمة: العراق لا يعاني من نقص المساحة الجغرافية، وإنما من نقص الأرض السكنية المنظمة والقابلة فعلياً للبناء. فالأرض لا تصبح حياً سكنياً بمجرد تقسيمها إلى قطع. إنها تحتاج إلى طرق وماء وكهرباء وصرف صحي ومدارس ومراكز صحية ونقل واتصالات وأمن وخدمات عامة. لذلك يمكن أن تكون هناك آلاف الدونمات خارج المدن أو على أطرافها، فيما تبقى الأسرة عاجزة عن الحصول على مسكن داخل بيئة عمرانية صالحة للحياة.

العامل الثاني هو تحول العقار إلى مخزن للثروة. عندما يخشى الناس من انخفاض قيمة مدخراتهم أو يبحث أصحاب رؤوس الأموال عن أصل يحافظ على قيمته، تصبح الأرض والعقار مجالاً للاستثمار. ومع محدودية الأراضي المخدومة، يمكن أن ترتفع قيمة الأرض بسرعة تفوق نمو الدخول. عندها تدخل الأسرة ذات الدخل المتوسط في منافسة مع رأس المال الاستثماري، فتشتري الأرض بسعر مرتفع أو تكتفي بالإيجار، بينما تزداد قيمة العقار مرة أخرى مع مرور الوقت.

وتتضاعف المشكلة بسبب ضعف العلاقة بين الدخل والتمويل السكني. فالأسرة تحصل على دخلها شهرياً، بينما تحتاج إلى مبلغ ضخم حتى تمتلك منزلاً. وإذا لم يكن هناك تمويل طويل الأجل وميسر ومنظم، تصبح الملكية امتيازاً لمن يمتلك رأس مال جاهزاً أو قدرة عالية على الاقتراض. وقد تمتلك الأسرة أرضاً ولا تستطيع بناءها، أو تستطيع دفع الإيجار سنوات طويلة من دون أن تقترب فعلياً من امتلاك مسكن.

ثم تأتي كلفة البناء لتغلق دائرة الأزمة. فالسعر النهائي للبيت لا يتكون من قيمة الأرض فقط، وإنما من الإسمنت والحديد والطابوق والألمنيوم والأخشاب والأجور والنقل والتصميم والخدمات والرسوم، فضلاً عن تقلبات السوق. وكل زيادة في أحد هذه العناصر تنعكس على الأسرة. لذلك أصبح امتلاك الأرض لا يعني امتلاك القدرة على بناء البيت، وأصبح البيت نفسه مشروعاً مالياً يحتاج إلى سنوات من الادخار.

لكن هناك سبباً أعمق يتعلق بغياب السياسة السكنية المتكاملة. الإسكان في كثير من الأحيان يُعامل كملف منفصل، فيما هو مرتبط بالنقل والعمل والتعليم والطاقة والمياه والزراعة والبيئة والتوسع الحضري. فإذا بُنيت مدينة جديدة من دون فرص عمل، أصبحت المدينة مكاناً للنوم أكثر منها مكاناً للحياة. وإذا بنيت وحدات سكنية بعيدة عن المدارس والمستشفيات ووسائل النقل، فإن انخفاض سعرها الأولي قد يتحول إلى كلفة يومية إضافية تتحملها الأسرة لسنوات.

ومن هنا نفهم لماذا لا تكفي مشاريع الإسكان وحدها. قد تبني الدولة آلاف الوحدات السكنية، ثم تكتشف أن الأسر الأكثر حاجة لا تستطيع تحمل أسعارها، أو أن الموقع بعيد عن العمل، أو أن الخدمات غير مكتملة، أو أن المسكن نفسه لا يتناسب مع حجم الأسرة. عدد البيوت ليس المؤشر الوحيد على نجاح السياسة السكنية؛ المؤشر الأهم هو قدرة الإنسان على امتلاك أو استئجار مسكن مناسب ضمن مستوى دخل يمكن تحمله، وفي بيئة تصلح للحياة.

وتكشف الأزمة كذلك خللاً في علاقة السوق بالدولة. فالسوق يستطيع بناء العقارات عندما يكون هناك طلب قادر على الدفع، لكنه لا يضمن وحده توفير السكن للفئات التي تحتاج إليه أكثر من غيرها. والأسرة محدودة الدخل لا تستطيع منافسة المستثمر في شراء الأرض، ولا تستطيع دائماً تحمل كلفة القرض، ولا تستطيع انتظار السوق حتى ينخفض السعر. لذلك تحتاج الدولة إلى تنظيم السوق، وتوفير الأرض المخدومة، وتوجيه التمويل، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، مع ترك مساحة حقيقية للقطاع الخاص والمطورين.

ومن أخطر نتائج هذا الاختلال نشوء السوق السكنية غير الرسمية. عندما يصبح السكن النظامي بعيداً عن قدرة الأسرة، تبحث الأسرة عن بديل. يظهر البناء غير المرخص، وتتوسع المناطق العشوائية، وتظهر التجاوزات، ثم تبدأ الدولة في التعامل مع نتائج المشكلة بعد أن تكون قد ترسخت. المواطن هنا يجد نفسه بين قانون لا يستطيع تحقيق متطلباته بسهولة، وحاجة يومية لا تنتظر اكتمال الإجراءات. ولهذا فإن معالجة التجاوزات من دون معالجة أسباب ظهورها قد تجعل الأزمة تنتقل من منطقة إلى أخرى.

ولا يمكن تجاهل العامل الاجتماعي. فقد تغيرت صورة الأسرة العراقية ومتطلبات الحياة معها. الأجيال الجديدة تبحث عن قدر أكبر من الاستقلال السكني، وتكاليف الزواج ارتفعت، والأسرة لم تعد دائماً قادرة على استيعاب عدة أجيال في بيت واحد. لذلك أصبح السكن مرتبطاً بقرار الزواج نفسه، وبعدد الأطفال، وباختيار مكان العمل، وبقدرة الأسرة على التخطيط للمستقبل. ومع ارتفاع كلفة المسكن، يتأخر تكوين الأسرة أو تضطر إلى خيارات سكنية لا تحقق الحد المطلوب من الاستقرار.

هنا تتحول أزمة السكن إلى أزمة زمن. فالإنسان الذي ينفق سنوات شبابه في محاولة توفير الإيجار أو جمع ثمن الأرض والبناء، يفقد جزءاً من قدرته على الاستثمار في التعليم والعمل والصحة وتكوين الأسرة. المسألة ليست مقدار المال الذي يدفعه للإيجار فقط؛ وإنما السنوات والفرص التي يعيد ترتيبها بسبب عدم الاستقرار السكني.

ولهذا فإن أخطر ما تنتجه أزمة السكن ليس البيوت المفقودة، وإنما المستقبل المؤجل. شاب يؤجل الزواج، وأسرة تؤجل الإنجاب، وموظف يرفض فرصة عمل لأنها بعيدة عن منزله، وعائلة تنتقل من حي إلى آخر بحثاً عن إيجار أقل، وطفل يغير مدرسته أكثر من مرة. تتراكم هذه التفاصيل الصغيرة حتى تصبح ظاهرة اجتماعية واسعة تؤثر في شكل المدينة وفي بنية الأسرة وفي الاقتصاد المحلي.

وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يشعر المواطن أن الوصول إلى السكن لا يخضع دائماً للمعايير نفسها. فإذا رأى أن الأرض والخدمات والتمويل يمكن أن تصل إلى أصحاب النفوذ بسرعة، بينما يحتاج المواطن العادي إلى سنوات من الانتظار والإجراءات، فإن أزمة السكن تتحول إلى أزمة عدالة. وهنا لا يعود السؤال: لماذا لا أملك بيتاً؟ وإنما: لماذا تبدو بعض الحقوق سهلة على فئة وصعبة على فئة أخرى؟

من هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بين السكن والمواطنة. المواطنة ليست شعوراً مجرداً تجاه العلم والدولة، وإنما تتكون أيضاً من تجارب الحياة اليومية: هل أستطيع الحصول على خدمة؟ هل أجد مدرسة مناسبة لأطفالي؟ هل أستطيع بناء بيت بصورة قانونية؟ هل أستطيع الوصول إلى العمل؟ هل أستطيع حماية مستقبل أسرتي؟ كلما شعر الإنسان أن المؤسسات تساعده على بناء حياته، أصبح انتماؤه أكثر ارتباطاً بتجربة واقعية، لا بمجرد خطاب عام.

وفي التراث الإسلامي تظهر قيمة العمران وارتباط الإنسان بالأرض والعمل والإحياء، ومن الأفكار الفقهية التي تناولها العلماء قاعدة «الأرض لمن عمّرها». ويمكن قراءة هذه الفكرة اليوم ضمن نقاش حديث حول وظيفة الأرض في المجتمع: كيف تتحول المساحات غير المستثمرة إلى عمران منتج، وكيف تُصان الملكية العامة، وكيف تمنع المضاربة، وكيف يصل الانتفاع بالأرض إلى من يستطيع تحويلها إلى حياة وعمران. القيمة المعاصرة للفكرة تكمن في وضع الإنسان والعمران في قلب السياسة العقارية.

لذلك تحتاج أزمة السكن العراقية إلى مشروع وطني طويل المدى لا إلى مبادرات متفرقة. يبدأ المشروع بخريطة وطنية للأراضي القابلة للسكن، ثم تحديد المناطق التي يمكن تطويرها عمرانياً، وربطها بالبنية التحتية والنقل وفرص العمل، وإنشاء نظام تمويل سكني طويل الأجل يتناسب مع مستويات الدخول، وتشجيع البناء المتوسط والمنخفض الكلفة، وتنظيم سوق الإيجار، ومعالجة المناطق غير النظامية وفق برامج إدماج وتطوير متى كان ذلك ممكناً.

ويحتاج العراق أيضاً إلى الانتقال من فكرة «توزيع قطع الأراضي» إلى مفهوم أوسع هو صناعة البيئة السكنية. فالقطعة وحدها لا تكفي، والقرض وحده لا يكفي، والبيت وحده لا يكفي. المطلوب منظومة تبدأ بالأرض وتنتهي بمدينة يستطيع الإنسان أن يعيش فيها من دون أن يتحول السكن إلى عبء يومي. وقد تكون الدولة مطالبة في بعض الحالات بتوفير الأرض، وفي حالات أخرى بالتمويل، وفي حالات ثالثة بالتنظيم والرقابة، فيما يتولى القطاع الخاص جانباً مهماً من البناء والتطوير.

ولكي يتحول هذا التصور إلى سياسة قابلة للتنفيذ، يمكن البدء بخمس خطوات مترابطة: إنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة للإسكان والأراضي والطلب الفعلي، وتخصيص مخزون من الأراضي الحكومية للمشاريع السكنية المنظمة، وإطلاق تمويل طويل الأجل يراعي دخل الأسرة وقدرتها على السداد، ودعم مشاريع الإسكان المتوسط والمنخفض الكلفة، وربط كل مشروع جديد بالبنية التحتية وفرص العمل والخدمات قبل تسليم وحداته. وفي المناطق العشوائية، ينبغي الانتقال من المعالجة الأمنية أو الإدارية إلى التصنيف والتأهيل والإدماج حيث تسمح طبيعة الموقع، مع توفير بدائل عادلة في الحالات التي تستوجب الإخلاء.

كما ينبغي تطوير سوق الإيجار بوصفه جزءاً من الحل، لا مرحلة مؤقتة تسبق الملكية دائماً. فليس من الواقعي افتراض أن كل أسرة ستتمكن من شراء منزل، فيما يمكن لسياسة إيجار طويلة الأجل، ووحدات سكنية مخصصة للإيجار، وضوابط تعاقدية واضحة، أن توفر استقراراً حقيقياً لفئات واسعة من المجتمع.

السكن في النهاية ليس ملفاً خدمياً هامشياً يمكن تأجيله حتى تنتهي الملفات الكبرى. إنه أحد الملفات التي تكشف قدرة الدولة على تحويل الثروة إلى حياة، والقانون إلى حماية، والتخطيط إلى مستقبل. لذلك فإن نجاح السياسة السكنية لا ينبغي أن يقاس بعدد الوحدات التي افتتحت، وإنما بعدد الأسر التي أصبحت قادرة على العيش في مساكن مناسبة، ضمن كلفة يمكن تحملها، وفي مدن توفر لها شروط الحياة والعمل والتعليم.

وهنا يعود السؤال إلى بدايته، لكن بصورة أكثر إلحاحاً: لماذا ما زال الإنسان العراقي يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يضمن سقفاً آمناً فوق رأسه في بلد يمتلك الأرض والثروة والموارد البشرية؟ ربما تكمن الإجابة في أن أزمة السكن لم تكن يوماً أزمة بيوت فقط؛ إنها نتيجة طريقة كاملة في إدارة الأرض والمدينة والتمويل والسوق والفرص.

وحين تعالج الدولة هذه العناصر معاً، يمكن أن يتحول السكن من حلم مؤجل إلى مسار طبيعي في حياة الأسرة، ومن مصدر للقلق إلى قاعدة للاستقرار. فالبيت الذي يحتاجه العراقي ليس مجرد مساحة من الإسمنت، وإنما مكان يستطيع فيه أن يبدأ حياته، ويخطط لمستقبل أبنائه، ويشعر أن له موقعاً آمناً ومحترماً في وطنه.

اضف تعليق