هل يكون اليأس نتيجة غياب الأمل، أم نتيجة فقدان الإنسان إحساسه بأنه قادر على تغيير شيء في حياته؟ اليأس في أعمق صوره ليس مجرد شعور بالحزن، وإنما تغير في علاقة الإنسان بالمستقبل. عندما يكون المستقبل مفتوحاً أمام الإنسان، حتى لو كان غامضاً وصعباً، فإنه يستطيع أن يتحمل مشقة الحاضر لأن هناك احتمالاً ينتظره في الجهة الأخرى...
يستيقظ الإنسان أحياناً وفي داخله شعور غريب لا يشبه الحزن تماماً. لا شيء محدداً حدث في ذلك الصباح، ومع ذلك تبدو الحياة ثقيلة، والأشياء التي كانت تمنحه متعة فقدت شيئاً من بريقها، والأهداف التي كان يطاردها تبدو فجأة بعيدة إلى درجة يستحيل معها الوصول إليها. يذهب إلى عمله، يؤدي ما عليه، يتحدث مع الآخرين، يبتسم عند الضرورة، ثم يعود إلى نفسه في نهاية اليوم ليكتشف أنه لم يعش اليوم فعلاً؛ لقد مرّ خلاله فقط. وفي لحظة صامتة قد يقول لنفسه: «كل ما أستطيع فعله الآن هو أن أبقي رأسي فوق الماء». هنا يظهر السؤال الأصعب: هل يكون اليأس نتيجة غياب الأمل، أم نتيجة فقدان الإنسان إحساسه بأنه قادر على تغيير شيء في حياته؟
اليأس في أعمق صوره ليس مجرد شعور بالحزن، وإنما تغير في علاقة الإنسان بالمستقبل. عندما يكون المستقبل مفتوحاً أمام الإنسان، حتى لو كان غامضاً وصعباً، فإنه يستطيع أن يتحمل مشقة الحاضر لأن هناك احتمالاً ينتظره في الجهة الأخرى. أما حين ينغلق المستقبل في وعيه، فإن الحاضر يتحول إلى مساحة ثقيلة لا معنى لها. تصبح الأيام متشابهة، والأفعال متكررة، والنتائج محسومة قبل أن تبدأ المحاولة. ولهذا قد يعيش الإنسان ظروفاً قاسية ويظل محتفظاً بقوة داخلية تدفعه إلى الاستمرار، بينما قد يشعر آخر بالانهيار وسط ظروف تبدو عادية، لأن المسألة في جوهرها تتصل بالطريقة التي يرى بها الإنسان إمكانات الغد.
وهنا تكمن المفارقة النفسية لليأس: الإنسان لا يتوقف عن الحركة دائماً، وإنما قد يتحرك كثيراً من دون أن يشعر بأنه يتقدم. يذهب إلى العمل، يدفع التزاماته، ينجز واجباته، يلتقي بالناس، ويتعامل مع تفاصيل الحياة اليومية، لكنه لا يرى علاقة واضحة بين ما يفعله وبين الحياة التي يريدها. يتحول الفعل إلى تكرار، والتكرار إلى عادة، والعادة إلى شعور بالجمود. وحين تستمر هذه الحالة طويلاً، يبدأ الإنسان في فقدان ثقته بجدوى المحاولة نفسها. عندها لا يصبح السؤال «كيف أصل؟» وإنما «هل يمكن أن أصل أصلاً؟».
إن أخطر ما يفعله اليأس أنه لا يكتفي بإقناع الإنسان بأن هدفاً معيناً صعب، وإنما قد يدفعه إلى الاعتقاد بأن العجز جزء من شخصيته. تجربة فشل واحدة قد تتحول إلى حكم عام على الذات، وعلاقة مؤذية قد تصبح دليلاً على أن الإنسان غير جدير بالحب، وفرصة ضائعة قد تتحول إلى اعتقاد بأن الفرص لا تأتي إليه، ومجموعة من المحاولات غير المكتملة قد تنتج داخله صورة ثابتة تقول: «أنا لا أستطيع». في هذه اللحظة تتجاوز المشكلة حدود الحدث الخارجي، لأن الإنسان يبدأ في التعامل مع صورته عن نفسه باعتبارها حقيقة نهائية.
والذات الإنسانية لا تتكون من الحقائق وحدها؛ إنها تتكون أيضاً من القصص التي نرويها عن أنفسنا. قد يعيش شخصان التجربة ذاتها، ثم يخرجان منها بصورتين مختلفتين عن نفسيهما. أحدهما يقول: «فشلت في هذه المحاولة»، والآخر يقول: «أنا شخص فاشل». الفارق بين الجملتين يبدو لغوياً صغيراً، لكنه نفسياً عميق. الأولى تصف تجربة محددة يمكن مراجعتها وتغييرها، والثانية تحول التجربة إلى هوية. وعندما تصبح الهزيمة هوية، يصبح تغيير السلوك أصعب؛ لأن الإنسان لا يحاول عندها إصلاح نتيجة، وإنما يحاول مقاومة الصورة التي كوّنها عن نفسه.
لهذا يحتاج الإنسان في مواجهة اليأس إلى أن يتعلم الفصل بين ذاته وبين ما حدث له. أنت لست مجموع إخفاقاتك، ولا تختصر في أخطاء ارتكبتها، ولا تتحدد قيمتك بعدد الفرص التي خسرتها. الماضي يترك أثره في الإنسان، لكنه لا يملك وحده حق تعريفه. المشكلة تبدأ عندما يتحول الماضي من ذاكرة نتعلم منها إلى سلطة تحكم المستقبل. عندها يصبح كل مشروع جديد محكوماً بنتيجة مشروع قديم، وكل علاقة جديدة محكومة بجراح علاقة سابقة، وكل محاولة محكومة بخوف الفشل قبل أن تبدأ.
ومن الزاوية الفلسفية، يرتبط اليأس أيضاً بفقدان المعنى. الإنسان يستطيع تحمل التعب حين يعرف لماذا يتعب. يستطيع أن يعمل ساعات طويلة إذا كان يرى في عمله قيمة، وأن يتحمل تأجيل رغبة إذا كان التأجيل يخدم هدفاً يؤمن به، وأن يواجه صعوبة كبيرة حين يشعر أن ما يفعله يستحق العناء. أما حين تنفصل الأفعال عن المعنى، فإن أبسط المهام تصبح مرهقة. ليس لأن الجهد ازداد بالضرورة، وإنما لأن النفس لم تعد تجد سبباً يمنح هذا الجهد قيمته.
ولهذا فإن الخروج من اليأس لا يبدأ دائماً بالسؤال: «كيف أصبح سعيداً؟»؛ ربما يبدأ بسؤال أعمق: «ما الشيء الذي يستحق أن أتحرك من أجله؟». السعادة حالة متغيرة، أما المعنى فيمنح الإنسان اتجاهاً. قد لا يكون الإنسان سعيداً أثناء الطريق، لكنه يستطيع الاستمرار إذا كان يعرف إلى أين يتجه ولماذا. أما حين يفقد الاتجاه، فإن الراحة نفسها قد لا تنقذه؛ لأن المشكلة ليست في مقدار التعب فقط، وإنما في غياب الوجهة التي تجعل التعب مفهوماً.
ومن هنا تأتي أهمية استعادة القدرة على الفعل. الإنسان اليائس ينتظر أحياناً أن تأتيه الرغبة أولاً حتى يتحرك، بينما قد تكون الحركة هي التي تعيد إليه الرغبة. لا يحتاج في البداية إلى تغيير حياته كاملة؛ يحتاج إلى إثبات صغير لنفسه بأنه ما زال قادراً على التأثير. إنجاز عمل مؤجل، العودة إلى هواية، المشي، تعلم مهارة، ترتيب يومه، التواصل مع شخص يثق به، أو البدء في مشروع صغير؛ ليست حلولاً سحرية، وإنما أفعال تستعيد شيئاً أساسياً فقده اليأس: الإحساس بالقدرة.
فالإنسان لا يبني ثقته بنفسه من خلال التفكير في قدرته، وإنما من خلال اختبارها. عندما يضع هدفاً صغيراً ثم ينجزه، فإنه يحصل على دليل عملي يناقض فكرة العجز. وحين يكرر التجربة، تبدأ صورته عن نفسه بالتغير. يصبح المستقبل أقل غموضاً، لأن الإنسان لم يعد يقف أمامه فارغ اليدين؛ لقد اكتسب خبرة تقول إن بعض الأشياء يمكن تغييرها بالفعل. ومن هذه المساحة الصغيرة يمكن أن يبدأ بناء أهداف أكبر.
لهذا لا ينبغي أن تكون الخطوة الأولى أمام الإنسان المحبط حلماً ضخماً. الأحلام الكبيرة قد تكون ضرورية، لكنها تصبح عبئاً عندما تتحول إلى مقياس يومي للحياة. من يريد تغيير مهنته مثلاً قد يبدأ بتعلم مهارة، ومن يريد تحسين وضعه الاقتصادي قد يبدأ بتنظيم نفقاته أو البحث عن فرصة إضافية، ومن يريد استعادة نشاطه الجسدي قد يبدأ بخطوات بسيطة، ومن يشعر بأنه فقد علاقته بالحياة قد يبدأ باستعادة نشاط واحد كان يحبه. الفكرة ليست تصغير الحلم، وإنما تقسيم المسافة بين الإنسان والحلم إلى خطوات يستطيع أن يعيشها.
كما أن الإنسان يحتاج إلى إعادة النظر في الأشياء التي يعيشها تحت عنوان «مجبراً». هناك التزامات لا يمكن الهروب منها، ومسؤوليات لا يجوز إسقاطها، لكن الحياة التي تخلو تماماً من المساحة التي يختار فيها الإنسان ماذا يريد وكيف يعيش قد تتحول إلى تجربة استنزاف مستمرة. وحين يقضي الإنسان معظم وقته في أداء ما يفرضه الآخرون أو ما تفرضه الظروف، من دون أن يجد مساحة لمشروع شخصي أو علاقة ذات معنى أو هواية أو تعلم أو تأمل، فإنه قد يشعر مع الوقت أن حياته ليست حياته. وهنا يصبح الإحباط مفهوماً أكثر، لأن الإنسان لا يعاني فقط من التعب، وإنما من فقدان الشعور بملكية حياته.
ولا يعني استرداد الحياة أن يترك الإنسان مسؤولياته، وإنما أن يستعيد داخلها مساحة من الاختيار. قد تكون مساحة صغيرة في البداية، لكنها ضرورية. فالحرية النفسية لا تعني أن نفعل كل ما نريد، وإنما أن نشعر أن لنا دوراً في تحديد الطريقة التي نعيش بها ما لا نستطيع تغييره. وهذا الشعور بالاختيار يمكن أن يغير علاقة الإنسان بالظروف نفسها.
ويحتاج الإنسان كذلك إلى التوقف عن تأجيل كل أشكال الرضا إلى المستقبل. هناك أشخاص يقولون لأنفسهم: عندما أنجح سأرتاح، وعندما أحصل على الوظيفة سأفرح، وعندما أصل إلى الهدف سأعيش كما أريد. ثم يصلون إلى هدف ويكتشفون أن العقل انتقل مباشرة إلى هدف آخر. وهكذا تتحول الحياة إلى غرفة انتظار طويلة. الإنسان يحتاج إلى أن يمنح نفسه حق الفرح أثناء الطريق، وأن يحتفل بالتقدم الصغير، وأن يعترف بما أنجزه، لأن الطريق الذي يخلو من أي لحظة رضا يصبح أكثر قسوة مما ينبغي.
ومن المهم أيضاً أن يدرك الإنسان أن مواجهة اليأس ليست دائماً مسؤولية فردية خالصة. الإنسان كائن اجتماعي، والبيئة التي يعيش فيها يمكن أن تمنحه طاقة أو تستنزفه. العلاقات التي تقوم على التحقير، والمقارنات المستمرة، والعمل الذي يخلو من التقدير، والضغط الاجتماعي، والعزلة، والمحتوى الرقمي الذي يعرض حياة الآخرين بوصفها سلسلة متواصلة من النجاح؛ كلها يمكن أن تعمق الإحساس بالنقص والعجز. لذلك فإن معالجة اليأس تحتاج أحياناً إلى تغيير بعض البيئات والعلاقات، لا إلى مطالبة الإنسان بأن يكون أقوى داخل البيئة نفسها.
وفي بعض الحالات يتجاوز الأمر الإحباط الطبيعي إلى حالة نفسية مستمرة، خصوصاً عندما يفقد الإنسان المتعة في الأشياء التي كان يحبها، أو يعجز عن أداء حياته اليومية، أو يستمر شعوره بالعجز واليأس فترة طويلة. عندها تصبح الاستعانة بمختص نفسي فعلاً من أفعال المسؤولية تجاه الذات، لأن الإنسان لا يُطلب منه أن يخوض كل معاركه منفرداً. طلب المساعدة لا يعني ضعفاً، وإنما يعني الاعتراف بأن بعض الأزمات تحتاج إلى معرفة وخبرة ودعم يتجاوز ما يستطيع الإنسان توفيره لنفسه.
وربما يكون أهم ما ينبغي أن يتعلمه الإنسان أن الحياة لا تُستعاد دفعة واحدة. نحن نميل إلى تصور التحولات الكبرى كأنها لحظة واحدة: قرار حاسم، بداية جديدة، صفحة بيضاء. الحياة الواقعية أكثر تعقيداً؛ إنها تتغير من خلال تراكم الأفعال الصغيرة التي تبدو في يومها عادية، ثم نكتشف بعد أشهر أو سنوات أنها نقلتنا إلى مكان مختلف. الإنسان الذي يمشي خطوة كل يوم قد لا يشعر بالمسافة التي قطعها، لكنه سيجد نفسه في نهاية الطريق بعيداً جداً عن المكان الذي بدأ منه.
لهذا فإن السؤال الحقيقي أمام اليأس ليس: «كيف أتخلص من هذا الشعور فوراً؟» وإنما: «ما الشيء الذي ما زلت أستطيع فعله رغم هذا الشعور؟». قد تكون الإجابة صغيرة جداً، لكنها تحمل قيمة فلسفية كبيرة؛ لأنها تعيد الإنسان من عالم الأفكار المغلقة إلى عالم الإمكان. وحين يستطيع الإنسان أن يفعل شيئاً واحداً، يصبح احتمال فعل الشيء الثاني قائماً، ثم الثالث، ويتحول المستقبل من جدار إلى مساحة يمكن التحرك داخلها.
في النهاية، اليأس لا ينتصر فقط عندما يحزن الإنسان، وإنما عندما يقنعه بأن لا جدوى من المحاولة. لذلك فإن مقاومته لا تكون بإجبار النفس على التفاؤل، ولا بترديد عبارات جاهزة عن النجاح، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وذاته وواقعه ومستقبله. أن يرى ما يستطيع تغييره، وأن يقبل ما لا يستطيع تغييره، وأن يبحث عن معنى يجعل الجهد مستحقاً، وأن يمنح نفسه فرصة للبدء من مساحة صغيرة. وعندما يشعر الإنسان أن الماء يرتفع حوله وأن كل ما يملكه هو إبقاء رأسه فوق السطح، فإن أول انتصار لا يكون في الوصول إلى الضفة؛ يكفي أن يكتشف أنه ما زال قادراً على تحريك يده نحوها. من هناك يبدأ الأمل، لا كفكرة معلقة في السماء، وإنما كفعل صغير يثبت للإنسان أن مستقبله لم يُغلق بعد.



اضف تعليق