لا تحتاج المجتمعات إلى إلغاء عاداتها حتى تتطور، وإنما تحتاج إلى مراجعتها كلما تغيرت الحياة. العادة التي تحفظ الكرامة والتكافل تستحق أن تستمر، والعادة التي تتحول إلى عبء أو منافسة أو تبديد للموارد تحتاج إلى إعادة صياغة. فالزمن لا يطلب منا أن نتخلى عن ذاكرتنا الاجتماعية، وإنما أن نمنع الذاكرة من التحول إلى قيد...
في بعض المناسبات الاجتماعية، قد تجد مائدة ممتدة لمسافات طويلة، وأعداداً كبيرة من الذبائح، وكميات من الطعام تفوق قدرة الحاضرين على استهلاكها. وبعد انتهاء المناسبة، تختفي الأحاديث عن الفرح أو الحزن، ويبقى سؤال آخر يتردد بين الناس: كم ذبحت هذه العائلة؟ كم أنفقت؟ كم كان عدد المدعوين؟ هكذا تتحول المناسبة تدريجياً من حدث إنساني إلى مشهد اجتماعي يجري فيه قياس المكانة بالكمية، ويصبح الطعام وسيلة لإثبات القدرة المالية، ويغدو الإنفاق نوعاً من اللغة التي تتحدث بها العائلة عن نفسها أمام الآخرين. هنا لا يعود السؤال متعلقاً بالطعام وحده، وإنما بما الذي يدفع الإنسان إلى إنفاق أموال كبيرة من أجل نظرة الآخرين إليه.
العادات والتقاليد ليست كائنات ثابتة تعيش خارج الزمن. إنها تتشكل من تجارب الناس وحاجاتهم ونظرتهم إلى الحياة، ثم تنتقل من جيل إلى آخر، وقد تتغير عندما تتغير الظروف والقيم. وما كان مقبولاً في مجتمع ما قبل عقود قد يصبح غريباً أو مرفوضاً في زمن لاحق، لأن الإنسان نفسه يتغير، والاقتصاد يتغير، والعلاقات الاجتماعية تتغير، وحتى مفهوم الكرامة والمكانة الاجتماعية يتعرض لإعادة تعريف مستمرة. لذلك فإن احترام العرف لا يعني تجميده، وإنما يعني القدرة على التمييز بين ما يحمل قيمة إنسانية حقيقية وما تحول مع الزمن إلى عادة تؤدي وظيفة مختلفة تماماً عن أصلها.
ولعل المشكلة تبدأ عندما يفقد العرف معناه الأول ويحتفظ بمظهره الخارجي فقط. فالطعام في المناسبات الدينية والاجتماعية يمكن أن يكون تعبيراً عن الكرم وإكرام الضيف والتكافل ومشاركة الآخرين أفراحهم وأحزانهم، لكن الكرم يتغير حين يصبح معياراً للمنافسة. عندها لا يعود الإنسان يسأل: ماذا يحتاج الناس؟ وإنما يسأل: ماذا سيقولون عنا؟ ومن هذه النقطة يبدأ الإنفاق في الانفصال عن الحاجة، ويصبح الهدف إثبات القدرة على الإنفاق نفسها.
تظهر هذه المفارقة بصورة مؤلمة في بعض مناسبات الوفاة. فالموت بطبيعته لحظة تعيد الإنسان إلى حقيقة هشاشته، وتدفعه إلى التفكير في قيمة الحياة وما يبقى من الإنسان بعد رحيله. ومع ذلك قد تتحول المناسبة في بعض البيئات إلى استعراض اجتماعي: سرادق واسع، طعام بكميات ضخمة، ذبائح كثيرة، ومظاهر إنفاق تتجاوز حاجة المعزين. وقد تصل الصورة إلى التخلص من كميات من الطعام لأنها أعدت أصلاً بأكثر مما يمكن استهلاكه، فقط حتى يقال إن أهل المتوفى بذلوا وأنفقوا وأكرموا. عندها يحدث انقلاب صامت في معنى المناسبة؛ فالمشهد الذي يفترض أن يذكّر الإنسان بفناء الحياة يتحول إلى محاولة لإثبات المكانة فيها.
والأمر ذاته يظهر في حفلات الزواج، حين يصبح الاحتفال أحياناً منافسة مفتوحة على حجم الإنفاق وعدد السيارات وطول موكب الزفة وحجم الصوت وعدد المدعوين وما يرافق ذلك من مظاهر استعراضية. قد تبدأ المناسبة باعتبارها إعلاناً عن بداية حياة مشتركة، ثم تتوسع حتى تصبح اختباراً لقدرة العائلة على إبهار الآخرين. وفي بعض الحالات يمتد الاحتفال إلى الشارع العام، فتتوقف حركة المرور، وتتعطل مصالح الناس، ويُفرض الضجيج على سكان المنطقة والمارة، وكأن الفضاء العام أصبح امتداداً ملكياً للمناسبة الخاصة. هنا تظهر مشكلة أخرى تتجاوز البذخ نفسه: متى تنتهي حرية الاحتفال وتبدأ مسؤولية احترام حق الآخرين؟
المفارقة الأكثر إثارة للتأمل تظهر عندما تنفق العائلة مبالغ كبيرة من أجل المحافظة على صورتها الاجتماعية، ثم تحاول بعد ذلك استعادة جزء من هذه الأموال من المشاركين في المناسبة تحت مسميات عرفية متداولة. قد يُنظر إلى هذه الممارسة باعتبارها نوعاً من المشاركة الاجتماعية، وقد تكون لها جذور في التكافل بين العائلات، لكن المشكلة تظهر حين يصبح الإنفاق الأول نفسه مبنياً على المبالغة. لماذا أنفق أكثر مما أحتاج كي أثبت قدرتي أمام الناس، ثم أحتاج بعد ذلك إلى مساهماتهم حتى أتحمل كلفة هذا الاستعراض؟
هنا نصل إلى جوهر المشكلة: المجتمع قد يصنع أحياناً معياراً للوجاهة ثم يجبر أفراده على دفع ثمنه. العائلة التي لا تريد الدخول في المنافسة قد تخشى أن تُفسر بساطة مناسبتها على أنها ضعف أو عجز أو تقصير. وهكذا لا يعود الإنسان ينفق لأنه يريد، وإنما لأنه يخشى ما سيقوله الآخرون. إنها صورة من صور الضغط الاجتماعي الناعم؛ لا أحد يضع مسدساً على رأسه، ومع ذلك يشعر أنه مجبر على التصرف بطريقة معينة حتى لا يخسر مكانته في الجماعة.
وهذا الضغط يجعل بعض الناس يدخلون في دائرة يصعب الخروج منها. عائلة تقيم مناسبة كبيرة لأن عائلة أخرى فعلت ذلك، ثم تحاول العائلة الثانية أن تتجاوزها في المناسبة المقبلة، وبعدها تصبح المناسبة الثالثة فرصة لإثبات أن العائلة الأولى ما زالت قادرة على المنافسة. هكذا يتحول العرف إلى سباق، والسباق إلى التزام، والالتزام إلى عبء اقتصادي. ومع مرور الوقت قد تنسى الجماعة تماماً السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق كل ذلك: ما القيمة التي نريد أن تحققها هذه المناسبة؟
المشكلة ليست في الكرم، ولا في الاحتفال، ولا في إكرام الضيف، ولا في إحياء المناسبات الاجتماعية. هذه كلها مظاهر ضرورية للحياة الجماعية حين تبقى في حدود المعقول. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحجم أهم من المعنى، والمظهر أهم من الحاجة، ونظرة الآخرين أهم من قدرة الأسرة، وحين يتحول الطعام من وسيلة لإكرام الناس إلى أداة لتصنيفهم وتصنيف أصحاب المناسبة. في هذه الحالة يصبح البذخ فقيراً من الداخل مهما كان غنياً في مظهره، لأنه ينفق على الصورة أكثر مما ينفق على الإنسان.
والاقتصاد هنا ليس تفصيلاً هامشياً. المال الذي يضيع في منافسة اجتماعية يمكن أن يتحول إلى تعليم أفضل، أو علاج، أو مشروع صغير، أو مساعدة لعائلة محتاجة، أو تحسين منزل، أو استثمار يعود بالنفع على الأسرة والمجتمع. ليست القضية أن يحتفظ الإنسان بكل دينار، وإنما أن يسأل نفسه عن القيمة التي ينتجها إنفاقه. فالمال حين يتحول إلى طعام فائض يُرمى بعد ساعات لا يؤدي الوظيفة الاجتماعية نفسها التي يؤديها المال حين يتحول إلى فرصة تعليم أو مساعدة إنسان أو مشروع منتج.
ومن المفيد أيضاً أن نعيد النظر في مفهوم «الجاه». هل الجاه هو عدد الذبائح التي تقدم في مناسبة؟ أم قدرة الإنسان على أن يجعل المناسبة نافعة للناس؟ هل الكرم هو أن تقدم ما يزيد عن الحاجة، أم أن تعرف حاجة الآخرين وتلبيها؟ وهل قوة العائلة تقاس بحجم السرادق وموكب السيارات، أم بقدرتها على تحمل المسؤولية الاجتماعية ومساعدة أفرادها والحفاظ على كرامة الناس؟ عندما تتغير الإجابات عن هذه الأسئلة، تتغير العادات من الداخل من دون حاجة إلى إلغائها.
وهنا تظهر أهمية دور الوجهاء والشيوخ وأصحاب التأثير الاجتماعي. تغيير العادات لا يبدأ دائماً من القرارات الرسمية، لأن كثيراً من هذه السلوكيات يعيش داخل الوعي الاجتماعي نفسه. وإذا أراد أصحاب المكانة أن يغيروا نمطاً من أنماط البذخ، فإن أقوى وسيلة ليست إصدار الأوامر، وإنما تقديم نموذج مختلف. عندما يقيم صاحب المكانة مناسبة بسيطة ومحترمة، ويعلن أن قيمة المناسبة في معناها لا في حجم إنفاقها، فإنه يمنح الآخرين مساحة للخروج من المنافسة من دون أن يشعروا بأنهم خسروا مكانتهم.
كما تحتاج العائلة نفسها إلى شجاعة اجتماعية حتى تقول: سنقيم مناسبتنا بالطريقة التي نستطيع تحملها، وسنكرم الناس بما يحتاجونه، ولن نحول المناسبة إلى امتحان لثروتنا. هذه الشجاعة قد تكون صعبة في البداية، لأن الإنسان يخشى مخالفة ما اعتاده الناس، لكنها مع التكرار تستطيع أن تصنع عرفاً جديداً. فالأعراف لم تولد كاملة، وإنما صنعتها أفعال تكررت حتى أصبحت مألوفة. وما دام العرف قد تشكل بفعل الإنسان، فإن الإنسان يستطيع أيضاً أن يعيد تشكيله.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً قبل كل مناسبة: إذا اختفى الجمهور من حولنا، هل سنفعل الأشياء نفسها؟ إذا لم ير أحد كمية الطعام، أو عدد الذبائح، أو حجم الإنفاق، فهل سنظل مقتنعين بأن هذا هو الشكل الصحيح للاحتفال أو العزاء؟ هذا السؤال يكشف مقدار ما نفعله من أجل أنفسنا وما نفعله من أجل أعين الآخرين. وكلما كانت الإجابة مرتبطة بالحاجة والمعنى والكرامة، اقتربت المناسبة من جوهرها الإنساني.
في النهاية، لا تحتاج المجتمعات إلى إلغاء عاداتها حتى تتطور، وإنما تحتاج إلى مراجعتها كلما تغيرت الحياة. العادة التي تحفظ الكرامة والتكافل تستحق أن تستمر، والعادة التي تتحول إلى عبء أو منافسة أو تبديد للموارد تحتاج إلى إعادة صياغة. فالزمن لا يطلب منا أن نتخلى عن ذاكرتنا الاجتماعية، وإنما أن نمنع الذاكرة من التحول إلى قيد. وربما يكون أجمل ما يمكن أن تفعله العائلة في مناسبة فرح أو حزن أن تجعل الناس يتذكرون إنسانيتها، لا كمية ما أنفقته؛ وأن يخرج الضيف من المناسبة وهو يشعر بأنه أُكرم، لا أنه كان شاهداً على ثروة أُنفقت لإثبات مكانة أصحابها. عندها يعود العرف إلى وظيفته الأصلية: أن يجعل الحياة أكثر ترابطاً، لا أكثر كلفة.



اضف تعليق