إنَّ مؤشرَ نجاحِ الزواجِ لا يكمنُ في غيابِ الخلافاتِ، بل في هندستِها؛ فالحاجةُ ملحةٌ لتبني مفهومِ الخلافِ الآمنِ الذي يجعلُ العلاقةَ أكبرَ من المشكلةِ. عبرَ البدايةِ الناعمةِ وانتقادِ السلوكِ لا الهويةِ، والاستماعِ للفهمِ لا للردِ، يتحولُ النزاعُ من معولِ هدمٍ إلى أداةِ بناءٍ تكشفُ احتياجاتِ الشريكِ وتحمي المصلحةَ العليا للأسرةِ من لظى الخصامِ...
في حياتنا يعد الخلاف مشكلة واقعية وطبيعية ولا يمكن الهروب منها، والخلاف يعد من أعقد المشاكل التي تعاصر أبناء آدم وتجعل منهم متناحرين ولا يمكن إنكار ذلك ولا تغافله لكن ذلك لا يعني مطلقاً أن نستسلم له خاضعين منكسي رؤوسنا لا نملك حولاً ولا قوة، وهذا الواقع ينطبق على العلاقات الزوجية فإنها لا تخلو من الخلافات التي يمكن أن تمر بأمان ويمكن أن تهدم صومعة العلاقة، فكيف يمكن أن ندير أزماتنا الزوجية بأمان؟
مفهوم الخلاف الآمن لا يعني الاتفاق الدائم، بل يعني أن يطمئن الطرفان إلى أن العلاقة أكبر من المشكلة، هو إدراك لا واعٍ بأن كشف نقاط الضعف أو التعبير عن الغضب لن يؤدي إلى التخلي أو الإهانة أو التحطيم النفسي، فالمرونة في السعي لحل الخلافات وتغليب المصلحة العليا هي من تحل الأمان الزوجي وليس العكس. الكثير من الخلافات والمشكلات الزوجية التي تحدث هي نتاج اختلاف الأمزجة وليس من الضروري أن يكون هناك خطأ كبير يستدعي الصدام، فقد يكون مزاج أحد الزوجين حاداً مما لا يترك مساحة للتفاهم بينما مزاج الآخر عنيد وهكذا تتعارض الأمزجة وينشأ لدينا شيء اسمه مشكلة أو خلاف، والدليل أنهما سيتصالحان بعد ساعات أو أيام قليلة بمجرد تنازل أحدهما عن بعض ما يتمسك، وهو ما يعزز فكرة أن الإنسان بيده أن يبقى في منطقة الأمان أو مغادرتها.
في هذا الخصوص يعتقد علم النفس الاجتماعي أن مؤشر نجاح الزواج ليس في غياب الخلافات بل في هندسة الخلاف، فالخلاف في حد ذاته ظاهرة صحية تعكس حيوية العلاقة ووجود شخصيتين متمايزتين، لكنه يتحول إلى معول هدم حين يفتقر إلى مظلة الأمان النفسي التي تحمي الطرفين وما يتبعهما من الاكتواء بلظى شجن الخلافات الزوجية المدمرة ذات الأضرار الوخيمة.
ما هي أبرز قواعد الخلاف الآمن بين الأزواج؟
بعض السلوكيات التي سنشير إليها تعد أدوات فعالة وسليمة لإبقاء الأزواج في منطقة الأمان، تحاط منطقة الخلافات بجدار يمنع من انتشار النار وتفاقمها، ومن أبرز هذه القواعد ما يلي:
أولى القواعد التي تؤسس للخلاف الآمن في العلاقات الزوجية هي قاعدة البداية الناعمة، إذ إن الطريقة التي يبدأ بها النقاش في أول ثلاث دقائق تحدد غالباً النتيجة النهائية له، البداية الهجومية التي تبدأ بكلمة أنت دائماً، أو أنتِ أبداً تضع الطرف الآخر في وضعية الدفاع التلقائي، والأفضل البدء بشرح الشعور الذي ينتاب أي طرف نتيجة هذه المشكلة وبالتالي ينتقل التركيز من نقد الشخصية إلى شرح الاحتياج.
القاعدة الثانية للخلاف الآمن هي انتقاد السلوك وليس الهوية، فحين تقول لزوجتك بأن تصرفك في هذا الموقف أزعجني على سبيل المثال فإنك تفتح باباً للتصحيح، أما وصف الشريك بوصف مستفز فهو حكم مؤبد يغلق طرق الحل ويدفع الطرف الآخر لرد الصاع صاعين إن تمكن أي طرف من الرد.
والقاعدة الثالثة هي قاعدة فصل الفعل عن الذات، حيث يقول علم النفس الاجتماعي "يقع الكثيرون في فخ خطأ العزو الأساسي، حيث نفسر خطأ الشريك بأنه نابع من عيوب في شخصيته، بينما نفسر أخطاءنا بأنها ناتجة عن ظروف خارجة"، وهذه المفارقة تفاقم المشكلة بدلاً من تحلها لذا يجب الابتعاد عنها.
والقاعدة الرابعة هي قاعدة الاستماع من أجل الفهم لا الرد، فنحن الأزواج في خلافتنا التقليدية لا نستمع إلى شريكنا كثيراً بل ننتظر بصمت حتى ينتهي لنلقي بدفاعاتنا، لكن الخلاف الآمن يتطلب الاستماع إلى الشريك جيداً سيما في أوقات المشكلات لنتأكد من أننا فهمناه بشكل صحيح قبل أن نرد عليه لا ليكون الرد من أجل الرد فقط.
إن تبني قواعد الخلاف الآمن في العلاقة الزوجية يحول النزاع من معول هدم إلى أداة بناء تكشف لنا جوانب خفية من احتياجات شركائنا، فالمصلحة العليا للعلاقة هي البوصلة التي يجب أن توجهنا دائماً للبقاء في منطقة الأمان، بعيداً عن لظى الخصام الذي لا يورث إلا الشجن.



اضف تعليق