لجوء العائلات الأمريكية إلى "الهواتف الأرضية" كأداة لمواجهة إدمان الهواتف الذكية وتقليل وقت الشاشة لدى الأطفال. فهناك التحديات الطريفة والدروس الاجتماعية التي يواجهها جيل "الآيباد" عند التعامل مع تقنيات تناظرية قديمة، هذه الخطوة بمثابة "عجلات تدريب" رقمية تمنح الأطفال استقلالية التواصل الاجتماعي في بيئة آمنة تخلو من مخاطر التنمر...

في مقالها نشر في صحيفة وول ستريت جورنال، تستعرض الكاتبة نيكول نغوين ظاهرة لجوء العائلات الأمريكية مجدداً إلى "الهواتف الأرضية" كأداة لمواجهة إدمان الهواتف الذكية وتقليل وقت الشاشة لدى الأطفال. ويسلط المقال الضوء على التحديات الطريفة والدروس الاجتماعية التي يواجهها جيل "الآيباد" عند التعامل مع تقنيات تناظرية قديمة، معتبرًا هذه الخطوة بمثابة "عجلات تدريب" رقمية تمنح الأطفال استقلالية التواصل الاجتماعي في بيئة آمنة تخلو من مخاطر التنمر الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي.

الانتقال الى الماضي

تعمل العائلات على مكافحة وقت الشاشة بصيحة من الماضي: الهواتف المنزلية. لكن الانتقال لم يكن سهلاً تماماً.

فقد أمضت إلسي رايت شهوراً في حملة للمطالبة بهاتف. وأخيراً، حصلت على واحد في عيد الميلاد. لكنه لم يكن ما كانت تتخيله طالبة الصف الخامس؛ لقد كان هاتفاً أرضياً.

تتجه العائلات الأمريكية نحو الحياة "منخفضة التكنولوجيا" لأطفالهم، حيث يقومون بتركيب هواتف منزلية لدرء استخدام الهواتف الذكية. وقد أدى ذلك إلى حدوث بعض العقبات الطريفة.

لأسابيع بعد حصولها على الهاتف، كانت إلسي تتصل بصديقاتها لتجلس في صمت مؤلم، لا تدري ماذا تقول. وفي أشفيل بولاية كارولاينا الشمالية، استمرت لونا جيمس مارتينيز (9 سنوات) في إنهاء المكالمة عبر هاتفها الجديد من طراز "تين كان" (Tin Can) -وهو سماعة ذات مظهر كلاسيكي مخصصة للأطفال- لأنها اعتقدت أنه "معطل".

اضطرت والدتها، باولا جيمس مارتينيز، لشرح ما هي "نغمة الاتصال" (Dial Tone). كما واجهت لونا صعوبة في أساسيات أخرى كانت بديهية يوماً ما، حيث كانت تمسك السماعة أمام وجهها كما لو كان هاتفاً ذكياً في وضع المكبر، مما جعل من المستحيل عليها سماع أي شخص.

ثم كانت هناك مشكلة "إتيكيت" الاتصال؛ حيث اتصلت إحدى صديقات لونا، غير المعتادة على الحدود الاجتماعية لعصر التكنولوجيا التناظرية، 17 مرة في يوم واحد. واضطرت لونا لاحقاً لتوضيح لصديقتها أن الاتصال مرتين كان كافياً.

ومع ذلك، طالما أن الهاتف لا يرن دون توقف، فإن لونا تستمتع برفع السماعة. تقول والدتها عن شعور عدم معرفة هوية المتصل: "هناك نوع من العفوية والمجهول".

على الرغم من أن العديد من شركات الاتصالات تقوم بإيقاف الأسلاك النحاسية التي تشغل الهواتف الأرضية التقليدية، إلا أن موجة جديدة من الهواتف التي تعمل عبر الإنترنت بدأت تأخذ مكانها. وهي تجد معجبين بين الآباء الذين لا يريدون التسرع في تسليم أطفالهم هواتف ذكية.

ويستشهد الكثيرون بكتاب "الجيل القلق" (The Anxious Generation) لجوناثان هايدت، الذي يلقي باللوم على التكنولوجيا في قلق المراهقين، كقوة دافعة لهذا التوجه.

قالت كوري رايت، والدة إلسي، إن الهاتف يسمح لابنتيها بالتحدث مع الأصدقاء والعائلة دون الوصول غير المقيد إلى الإنترنت. وأضافت بحسرة: "أنا في السادسة والأربعين من عمري، وحتى أنا أشعر بـ (فوبيا فوات الأشياء) (FOMO) على إنستغرام، فتخيل كيف يكون الحال بالنسبة لطفل".

تعرض ابن شقيق رايت، البالغ من العمر 14 عاماً، للتنمر عبر الإنترنت لمدة عام قبل أن ينهي حياته انتحاراً، مما جعل الآثار السلبية للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي واضحة تماماً. بالنسبة لأطفالها، بدا الهاتف المنزلي خياراً أكثر أماناً، شبكة اجتماعية بـ "عجلات تدريب"، على حد وصفها.

أصبح هاتف "تين كان" الخيار المفضل للعديد من الآباء، وقد كافحت الشركة الناشئة في سياتل لمواكبة الطلب. بأزراره وسماعته السميكة وسلكه الحلزوني المتمدد، يمنح الهاتف مظهراً من التسعينيات مع وظائف من عقد 2020. واحتفظ المصممون بصفة أخرى من أيام الهاتف الغابرة: لا توجد شاشة، لذا لا يعرف الأطفال من يتصل.

الجهاز الذي يبلغ سعره 100 دولار ويعمل عبر الواي فاي، يتطلب اشتراكاً شهرياً بقيمة 10 دولارات للمكالمات غير المحدودة. يمكن للوالدين إدارة ساعات الهدوء وقائمة جهات الاتصال المعتمدة من خلال تطبيق، وتفعيل اختصار لخدمات الطوارئ. والمكالمات بين أجهزة "تين كان" مجانية.

إعداد هاتف أرضي للأطفال شيء، والعثور على أصدقاء للاتصال بهم شيء آخر تماماً.

عملت رايت مع مؤسسة "سكرين سانيتي" (Screen Sanity) غير الربحية المعنية بالصحة الرقمية للأطفال، لتحويل مدرسة ابنتها في ليوود بكانساس إلى "تجمع" ضخم للهواتف الأرضية. وحتى الآن، وزعت المجموعة 195 هاتفاً من طراز "تين كان".

إلسي، وبعد أسابيع من فتور المحادثات، بدأت في استخدام الهاتف يومياً لتنسيق تسريحات الشعر "ضفائر فرنسية" مع زميلاتها في فريق كرة القدم والاستفسار عن مواعيد التدريب. كما انخرطت في تقاليد عريقة: تسجيل رسالة بريد صوتي صادرة، وإجراء مكالمات مقالب، والشجار مع شقيقتها حول من يحق له استخدام الهاتف.

الخطوة التالية: طلب البيتزا. حتى إنها تدربت على النص: "هل يمكنني الحصول على بيتزا جبن كبيرة، و.. ملم.. ليمونادة وبراونيز؟"

هناك فوائد للآباء أيضاً؛ حيث قالت تريسي فوستر، مديرة "سكرين سانيتي" والتي يرتاد ابنها البالغ من العمر 11 عاماً مدرسة إلسي، إنها لم تعد مضطرة للعمل "كمساعد تنفيذي" له. وقالت: "بدلاً من أن يطلب مني مراسلة والدة صديقه، اتصل هو بنفسه ورتب لنفسه موعداً للعب".

توصي مؤسسة "سكرين سانيتي" بتقديم التكنولوجيا للأطفال على مراحل: أولاً، هاتف أرضي بدون شاشة، ثم ساعة ذكية، يتبعها هاتف ذكي "مبسط" مع قيود.

لكن الحنين إلى الماضي ليس رخيصاً؛ فقد فوجئت ماثيلدا زيلر بالرسوم الشهرية البالغة 40 دولاراً لهاتفها الأرضي، لكنه أصبح بالفعل ركيزة أساسية للعائلة.

تقول المقيمة في شيكاغو إن ابنتها الصغرى، البالغة من العمر 6 سنوات، تحب الاتصال بهواتف والديها الذكية "حتى عندما نكون في المنزل". وليس لديهم مشكلة في سماعها أو سماع أشقائها؛ فجميعهم يتحدثون بصوت عالٍ عبر السماعة التي ركبتها الشهر الماضي. وقالت زيلر: "يعتقدون أن الشخص الذي يتحدثون إليه بعيد جداً".

أما كريستين سوبا، فقد ركبت هاتفاً أرضياً قبل ثلاث سنوات في منزلها بمدينة أوفرلاند بارك بكانساس. فرضت شركة AT&T رسوم تركيب قدرها 150 دولاراً بالإضافة إلى 30 دولاراً شهرياً. وقالت: "كان من الأرخص إضافة خط إلى باقة هواتفنا المحمولة".

التزمت سوبا بالأمر، وهي تعلم أن ابنها الذي كان حينها في الصف الثاني وابنتها في الصف الرابع لن يحصلا على هواتف ذكية في أي وقت قريب. أنشأت دليلاً لأرقام صديقات ابنتها، وكان الفتيات يتصلن ببعضهن البعض لوضع خطط لركوب الدراجات.

لكن الجاذبية تلاشت بمرور الوقت، وتحديداً في الصف السادس. وقالت سوبا: "حصلت صديقاتها على أجهزة آيباد وبدأت تطلب هاتفي لإجراء مكالمات فيس تايم". ومن خلال مكالمات الفيديو، كانت المجموعة تقوم بروتين العناية بالبشرة معاً ويتدربون على الرقصات.

الآن، تستعد الابنة التي ستنتقل للصف الثامن للحصول على أول هاتف ذكي لها هذا الصيف. صديقاتها المقربات سيحصلن على هواتف أيضاً. وقالت سوبا: "لا أريدها أن تشعر بالاستبعاد، وأريدهم أن يتعلموا القواعد معاً، أعتقد أنهم مستعدون لذلك".

ستحتفظ سوبا بالخط الأرضي حتى يحصل ابنها، الذي يدرس الآن في الصف الخامس، على هاتف، رغم أنه قال مؤخراً إنه ليس متحمساً لامتلاك واحد. إنه مهتم أكثر بجهاز أقدم بكثير: راديو للاستماع إلى مباريات البيسبول.

اضف تعليق