العنف الدموي والعنف الفكري كلاهما ضد الإنسانية، وكلاهما يتسببان بزرع الكراهية بين الشعوب. العنف الدموي بأساليبه المنحطة التي تمتاز ردود أفعالها العنفية بأنها لا تفرق بين المجرم والبريء، وتأخذ من لا ذنب له بجريدة المذنبين، يتسبب بالنفرة من الإسلام؛ لأن غالب من يقومون به هم إسلاميون متطرفون، ويدفع الشعوب الأخرى للحقد على كل ما يمت للإسلام بصلة، بل ويدفعهم غالبا للانتقام بأساليب مبتكرة قد يكون دعم أطراف من المجاميع الإرهابية نفسها لكي توغل في القتل والتخريب واحدا منها، فضلا عن توجيه الإعلام ليصب سمومه التي تزرع الفرقة بين مكونات الشعوب التي ينتمي إليها المتطرفون أو التي ينشطون فيها.

والعنف الفكري المتمثل بالمواقف الغربية المسيئة للرموز الإسلامية ولاسيما منها تلك التي تسيء إلى اسم النبي الأكرم (ص) يتسبب من جانبه في إذكاء نعرات الكراهية لا للجهة التي صدرت عنها الإساءة فحسب بل ولجميع مكونات ذلك الشعب.

هذان المنهجان المتطرفان المنحرفان يقودان العالم اليوم إلى شفير الهاوية، ويدفعانه إلى حافات الانفجار الدموي المرعب الذي نتخوف من حدوثه، وندعو الله لكي لا يحدث. ولكن لا أصحاب نظرية العنف الفكري ولا أتباع ثقافة العنف الدموي يؤمنان بهذه المخاوف التي تنتاب العقلاء من البشر، ولهذا نشاهد بين الحين والآخر ارتكاب مجاميع من ممتهني الإعلام الغربي حماقات فيها مساس بالذات الإلهية أو بالأنبياء بما فيهم نبينا الكريم، وقد شجعهم على ذلك سكوت المؤسسات الدينية المسيحية عن أعمالهم الشريرة، وعدم تصديها لهم بالرغم من إساءتهم المتكررة للسيد المسيح وأمه الطاهرة (ع)، كما شجعهم ضعف دور المؤسسات الدينية الإسلامية في التصدي الفكري لهذا التشويه، مما جعلهم يتمادون في فعلهم الكريه.

وبالتالي وجدت التنظيمات الإرهابية المتطرفة نفسها مسؤولة مسؤولية شرعية عن الرد عليهم بأساليبها الخاصة التي تعني القتل والحرق والتخريب دون أي خيار آخر، معتقدين أن ذلك العمل القاسي سوف يردع الآخرين عن ارتكاب حماقة جديدة، وبالتالي، يؤدي فعل أولئك إلى استفزاز المسلمين، ويؤدي استفزاز المسلمين المتطرفين إلى ارتكاب جرائم كبيرة لا تحقق سوى هدف واحد وهو زيادة كره تلك الشعوب لكل ما هو إسلامي، وتدفع حكوماتهم إلى التشدد في تعاملها مع المسلمين، والتضييق عليهم ومحاصرتهم، وربما تقوم بترحيل أعداد منهم إلى بلدانهم، أو تعتقل البعض وتخضعه إلى التحقيق والمراقبة.

آخر هذه الأعمال المتوازية (فعل ورد فعل) كانت حماقة كبيرة ارتكبتها مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية، وهي واحدة من المجلات الساخرة التي تعتمد الرسم الكاريكاتيري في إيصال المعلومة بسخرية لاذعة إلى المتلقي، حينما قامت (الفعل) بنشر صور وتعليقات فيها إساءة إلى الإسلام، أو في الأقل هكذا نراها نحن المسلمين؛ لأننا ننظر إليها بغير المنظار الذي يرونها فيه، ومن زاوية تختلف عن زاوية رؤيتهم لها، وبالتالي يختلف فهمنا لها عن فهمهم، نقول هذا مع إمكانية وجود نوايا مسبقة لارتكاب الإساءة التي تكون عادة مدفوعة الثمن، وهدفها إحداث نوع من الأزمات الدولية التي تتساوق مع مشاريع القوى العظمى، كأن تلجأ أمريكا لدفع مبالغ طائلة إلى مجلة ما، وهي عادة مجلات ربحية لا تهتم بالجانب الأخلاقي الذي يسبب لها أزمات مالية، لتقوم بنشر مثل هذه المواضيع، وتقوم نفس الجهة الدافعة بتضخيم الحدث إعلاميا لتثير نعرة الطرف الآخر (المسلمون) لتكون ردة الفعل قاسية تترك أثرا لا يمحى بيسر، مما يفتح الباب لأمريكا لكي تمرر مشروعا ثانويا من ضمن مشروعها الأساسي.

وبعد أن روج لموضوع المجلة إعلاميا بشكل واسع ليصل إلى أسماع المسلمين، جاء (رد الفعل) الإسلامي بقيام ثلاثة شبان مجهولين بمهاجمة مقر المجلة اليوم الأربعاء 7/1/2015 وقيامهم بفتح نيران بنادقهم الرشاشة على العاملين فيها مما أدرى إلى مقتل اثني عشر رساما وصحفيا، وإصابة أربعة منهم بجراح خطيرة.

وبعيدا عن جميع النتائج التحقيقية التي ستترتب على الفعل ورد الفعل، وأكثر بعدا عن الحديث عن شرعية وعدم شرعية الفعلين، أقول: إن تعطيل العقل واستخدام السلاح بدلا عنه لا يخدم الإسلام، ولا يخدم قضايانا الإسلامية؛ لأننا شئنا أم أبينا نحتاج إلى علاقاتنا مع الغرب، لنديم تحرك عجلة حياتنا، فبدون عونهم حتى وإن كان مدفوع الثمن بأكثر من قيمته لا يمكن أن تستمر حياتنا، إلا إذا قررنا أن نرجع إلى عصر الخيمة والبعير والرمح المهند والسيف اليماني.

ولكن دوام العلاقة يجب أن يكون في حدود حفظ الكرامة، وتعامل الند للند واعتماد فن الممكن والحوار والتفاوض والتعاطي بحدود العقل مع المستجدات. أما أن يكون رد فعل بعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة والإرهابية على فعلهم الإرهابي الفكري بهذه الدموية التي ربما يكونون قد دفعونا إليها عنوة، فذلك ما لا يقبله دين ولا يقره عقل طالما أن هناك سبلا أخرى متاحة يمكن اللجوء إليها، مع حفظ الحقوق ومنها حق الرد، فإذا استنفدت جميعها مع استمرار ارتكاب الإساءات يحق لنا عندها أن نقوم بما يحفظ كرامتنا وحرمة رموزنا. ولذا لا أعتقد أن الإرهابيين قتلوا (12) صحفيا في الجادة الحادية عشرة في باريس وإنما قتلوا الإسلام مرة أخرى.!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق