هل يوجد حل سحري لأزمة العراق المالية؟

من تخفيض الدينار إلى إعادة بناء الدولة المنتجة

الأزمة المالية العراقية ليست أزمة عملة أو أسعار نفط، بل أزمة بنية ريعية تعيد توزيع آثار العجز على حساب المواطن والقوة الشرائية للدينار. لا توجد حلول سحرية لإنهاء الأزمة بقرار إداري، والقوة الحقيقية لعملتنا الوطنية لا تأتي من التحديد السعري، بل من وجود دينار حضاري يستمد قوته من الشراكة في الإنتاج وتقليل الهدر...

حين تشتد الأزمة المالية في العراق، ويكبر العجز بين إيرادات الدولة ونفقاتها، يعود سعر صرف الدينار إلى واجهة النقاش بوصفه واحداً من أسرع الأدوات التي تستطيع الحكومة استخدامها للحصول على كمية أكبر من الدنانير مقابل الدولارات النفطية التي تدخل الخزينة. وقد يبدو هذا الإجراء، من زاوية محاسبية ضيقة، حلاً سهلاً: إذا كانت الدولة تحصل على عدد أكبر من الدنانير مقابل الدولار الواحد، فإن قدرتها الاسمية على تمويل نفقاتها بالدينار ترتفع. لكن هذه العملية لا تخلق ديناراً واحداً من الثروة الحقيقية، ولا تزيد برميلاً واحداً من الإنتاج، ولا تبني مصنعاً، ولا توسع الزراعة، ولا ترفع إنتاجية العامل العراقي. إنها تعيد توزيع آثار الأزمة بين الدولة والمجتمع، وغالباً ما يتحمل المواطن جزءاً مهماً منها من خلال تراجع القوة الشرائية لدخله وارتفاع كلفة السلع المستوردة.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نحصل على دنانير أكثر مقابل الدولارات التي تبيعها الدولة؟ وإنما: لماذا تعجز دولة تملك هذه الموارد الطبيعية والبشرية والجغرافية عن إنتاج ما يكفي من الثروة لتمويل نفسها وحماية عملتها في الوقت نفسه؟

هنا نصل إلى أصل المشكلة. الأزمة المالية العراقية ليست، في جوهرها، أزمة عملة، كما أنها ليست مجرد أزمة انخفاض أسعار النفط أو ارتفاع النفقات، وإنما هي أزمة في بنية الاقتصاد والدولة. لقد نشأ خلال عقود نموذج اقتصادي تدور فيه الدورة الأساسية على النحو الآتي: تصدّر الدولة النفط، وتحصل على الدولار، وتحوله إلى الدينار، ثم تنفق الجزء الأكبر من الأموال في الرواتب والتقاعد والنفقات التشغيلية والاستيراد والاستهلاك. وهكذا يدخل النفط في بداية الدورة بوصفه ثروة طبيعية، لكنه لا يخرج في نهايتها، بالقدر المطلوب، مصانع وزراعة وتكنولوجيا وبنية إنتاجية وصادرات جديدة قادرة على توليد ثروة مستقلة عنه. هذه هي الحلقة التي ينبغي كسرها.

ولذلك لا يوجد حل سحري للأزمة المالية العراقية بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكن يوجد تحول استراتيجي يمكن أن يؤدي، إذا نُفذ بجدية وعلى مدى سنوات، إلى تغيير المعادلة كلها: تحويل العراق من دولة توزع الريع إلى دولة تنتج الثروة.

وهذا التحول يبدأ من قاعدة بسيطة: لا ينبغي معالجة عجز الدولة بإضعاف القوة الشرائية للمواطن. فتخفيض قيمة الدينار قد يساعد الخزينة حسابياً، لكنه لا يعالج السبب الذي أنتج العجز. وإذا بقيت بنية الإنفاق وبنية الاقتصاد كما هما، فسوف تستهلك الدولة المكاسب المحاسبية التي تحصل عليها من تغيير سعر الصرف، ثم تجد نفسها بعد مدة أمام المشكلة نفسها، وربما بحجم أكبر.

وفي الاتجاه المقابل، لا ينبغي أيضاً الوقوع في الوهم المعاكس والاعتقاد بأن رفع قيمة الدينار بقرار إداري سوف يجعل الاقتصاد العراقي أقوى. العملة القوية ليست رقماً جميلاً تكتبه الدولة في نشرة أسعار الصرف، وإنما هي، في نهاية المطاف، تعبير عن اقتصاد قادر على الإنتاج وتوليد الدخل وتوفير الثقة والمحافظة على التوازنات المالية والنقدية. ولذلك فإن استعادة قوة الدينار ينبغي أن تكون ثمرة لإعادة بناء الاقتصاد، لا بديلاً عن إعادة بنائه.

وهنا يمكن الحديث عن مسارين متزامنين. الأول مسار إنقاذ مالي عاجل يمنع تفاقم العجز ويحمي الاحتياطيات والاستقرار النقدي، من خلال مراجعة الإنفاق غير الضروري، وإغلاق منافذ الهدر، وضبط المنافذ الحدودية والجمارك والضرائب، وإعادة النظر في الامتيازات والنفقات التي لا تؤدي وظيفة حقيقية، ومكافحة الفساد المالي والإداري، وإصلاح المؤسسات العامة الخاسرة، من دون أن يتحول المواطن محدود الدخل إلى الممول الأول لعجز الدولة.

أما المسار الثاني، وهو الأعمق والأكثر أهمية، فهو إعادة توجيه موارد الدولة نحو تكوين القدرة الإنتاجية الوطنية. العراق يستطيع أن يحول النفط والغاز من مجرد مصدر لتمويل الموازنة إلى قاعدة لصناعات واسعة في البتروكيمياويات والأسمدة والطاقة والصناعات التحويلية، وأن يعيد بناء الزراعة والصناعات الغذائية، ويستثمر موقعه الجغرافي في النقل والسكك والموانئ والتجارة، ويطور الصناعات المرتبطة بالمعادن ومواد البناء، ويستثمر في الاقتصاد الرقمي والمعرفة والذكاء الاصطناعي. وعندئذ لا يعود النفط هو الاقتصاد العراقي، وإنما يصبح رأسمالاً يساعد العراق على بناء اقتصاد متعدد المصادر.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، لا يمكن اختزال الأزمة في الموازنة أو سعر الصرف؛ لأنها تكشف خللاً في تشغيل المركب الحضاري نفسه. فالعراق يمتلك الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، فضلاً عن موارد طبيعية وموقع جغرافي استثنائي، لكن امتلاك العناصر لا يكفي ما لم تنتظم في شبكة علاقات قادرة على إنتاج القيمة.

عندما يبقى الإنسان موظفاً ينتظر الراتب، والأرض مورداً غير مستثمر، والزمن هدراً، والعلم معزولاً عن الاقتصاد، والعمل منخفض الإنتاجية، فإن وفرة الموارد لا تتحول تلقائياً إلى قوة اقتصادية.

ومن هنا يصبح إصلاح المالية العامة جزءاً من مشروع أكبر هو إعادة تركيب هذه العناصر في دولة منتجة. فالمصنع لا ينتج سلعة فقط؛ إنه يشغل الإنسان ويستخدم العلم ويستثمر الزمن والأرض ورأس المال ويخلق علاقات اقتصادية جديدة. وكذلك الزراعة الحديثة، والطاقة، والنقل، والتكنولوجيا. ولهذا فإن التنمية، في المنظور الحضاري، ليست جمعاً لمشروعات متناثرة، وإنما رفع مستمر لقدرة المركب الحضاري على إنتاج القيمة وتقليل الهدر.

وعند هذه النقطة يمكن إعادة التفكير في الدينار نفسه. قوة الدينار الحقيقية لا تأتي من الدفاع عنه بالشعارات ولا من تحديد سعر مرتفع له بقرار إداري، وإنما من وجود اقتصاد يولد طلباً حقيقياً على العملة الوطنية ويقلل اعتماد البلاد على الاستيراد ويزيد قدرتها على التصدير ويعزز الثقة بالمؤسسات المالية والنقدية. ويمكن تسمية ذلك، من منظور الفلسفة الحضارية، «الدينار الحضاري»: الدينار الذي يستمد قوته من قوة الاقتصاد والمجتمع والدولة المنتجة، لا من رقم إداري مؤقت بدل الدينار النفطي/ الدولاري.

ولذلك يمكن للعراق أن يضع هدفاً وطنياً واضحاً لاستعادة القوة الحقيقية للدينار خلال عدة سنوات، ولكن ليس عبر تحديد رقم مسبق لسعر الدولار، وإنما عبر تحديد مؤشرات يجب تحقيقها: تخفيض العجز المالي، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتنمية الصادرات غير النفطية، ورفع نسبة الإنتاج المحلي في الاستهلاك الوطني، وإصلاح المصارف، وتحسين كفاءة الإنفاق والاستثمار، والمحافظة على احتياطيات نقدية قوية. وعندما تتحسن هذه المؤشرات يصبح تحسن قيمة الدينار نتيجة طبيعية لتحسن الاقتصاد، لا عملية تجميل نقدية تخفي أمراضه.

أما البحث عن حل سريع يسمح للدولة بالاستمرار في الإنفاق بالطريقة نفسها، مع بقاء الاقتصاد على حاله، فلن يحل المشكلة؛ لأنه يحاول تمويل الأزمة بدلاً من إنهائها.

ولهذا، إذا أردنا اختزال البرنامج كله في جملة واحدة، فإنها ستكون:

لا تخفّضوا قيمة الدينار لكي تموّلوا دولة غير منتجة؛ ابنوا دولة منتجة لكي يصبح الدينار أقوى.

ليس في الاقتصاد سحر يستطيع أن يحول الدولة الريعية إلى دولة غنية ومستقرة بقرار واحد. لكن هناك ما هو أقوى من السحر: أن تتحول موارد العراق إلى رأسمال، والرأسمال إلى إنتاج، والإنتاج إلى ثروة، والثروة إلى حياة طيبة، وأن تتحول الدولة من موزع للأموال التي تأتيها من باطن الأرض إلى منظومة حضارية تطلق قدرة الإنسان العراقي على إنتاج الثروة فوق الأرض.

عندئذ فقط لن يكون السؤال: كم ديناراً نحصل عليه مقابل الدولار؟ سيصبح السؤال الأهم: كم قيمة ينتجها العراق مقابل كل دينار ينفقه؟

اضف تعليق