حين نتحدث عن منح الفقراء مقاعد مجانية للحج، فإننا لا نتحدث عن امتياز غير منضبط أو تجاوز لمبدأ العدالة، بل عن مقترح إنساني يعتمد على قواعد بيانات دقيقة وضوابط عادلة؛ ليحول قرعة الحج إلى نافذة تكافل حقيقية تُطبطب على قلوب المشتاقين من كبار السن ومحدودي الدخل...

مع اقتراب موعد إعلان أسماء الفائزين في قرعة الحج، تتجدد مشاعر الانتظار والدعاء لدى آلاف المواطنين الذين تقدموا بطلباتهم، وكل واحد منهم يحمل أمنية الوصول إلى الأراضي المقدسة وأداء مناسك حج بيت الله الحرام.

وبينما تستعد الجهات المعنية لإعلان النتائج، تبرز فكرة تستحق النقاش المجتمعي والإنساني، وهي تخصيص عدد من مقاعد الحج المجانية للفقراء ومحدودي الدخل، أو استثناء شريحة محددة من غير القادرين ماديا ضمن ضوابط واضحة وعادلة.

الحج عبادة عظيمة يتطلع إليها المسلمون في مختلف أنحاء العالم، وتبقى القدرة المالية أحد الشروط الأساسية للاستطاعة، في ذات الوقت هناك أسر تعيش ظروفا اقتصادية صعبة، وأشخاص بلغوا من العمر ما يجعل أمنية الحج حاضرة بقوة في نفوسهم، إلا أن تكاليف السفر والإقامة والنقل والخدمات تجعل تحقيق هذه الأمنية أمرا بالغ الصعوبة.

وقد يكون بعض هؤلاء قد تقدموا إلى القرعة، شأنهم شأن بقية المتقدمين، وهم يدركون أن فرص الفوز محدودة، فيما قد لا تتكرر أمامهم فرصة أخرى لأسباب تتعلق بالعمر أو الوضع الصحي أو الظروف المعيشية.

ولهذه الأسباب مجتمعة تأتي أهمية التفكير في آلية إضافية إلى جانب القرعة العامة، تخصص نسبة محددة من المقاعد لمن تنطبق عليهم معايير الفقر والحاجة وعدم القدرة على تحمل تكاليف الحج.

حين نتحدث عن منح الفقراء مقاعد مجانية للحج، فإننا لا نتحدث عن امتياز غير منضبط، ولا عن تجاوز لمبدأ العدالة، وإنما عن مقترح يمكن وضعه ضمن إطار قانوني وإداري واضح يراعي ظروف الفئات الأكثر حاجة.

فيمكن على سبيل المثال، تخصيص عدد محدود من المقاعد سنويا لمن تثبت الجهات المختصة عدم قدرتهم المالية على تحمل نفقات الحج، مع اعتماد معايير موضوعية تتعلق بمستوى الدخل، وعدد أفراد الأسرة والحالة الاجتماعية، وعدم امتلاك موارد مالية كافية لأداء الفريضة.

وتحتاج هذه الفكرة إلى قاعدة بيانات دقيقة وآلية تحقق تمنع استغلالها من غير المستحقين، اذ يمكن فتح باب التقديم لهذه الفئة ضمن فترة زمنية محددة، ثم إجراء قرعة خاصة بين المستوفين للشروط، حتى يكون الاختيار قائما على الشفافية وتكافؤ الفرص داخل الفئة المستهدفة.

القرعة العامة تحقق مبدأ تكافؤ الفرص بين المتقدمين، إلا أن العدالة الاجتماعية قد تحتاج أحيانا إلى مراعاة اختلاف الظروف بين الناس، فليس من المنطقي النظر إلى شخص يمتلك القدرة المالية على تحمل تكاليف الحج، وآخر لا يستطيع توفير أبسط احتياجات أسرته، بالطريقة نفسها عند التفكير في البرامج الاجتماعية المساندة.

ويمكن للجهات المعنية دراسة تخصيص نسبة من المقاعد السنوية للفئات الأشد حاجة، مع إبقاء النسبة الأكبر ضمن نظام القرعة العامة، وبهذه الطريقة لا يتم إلغاء القرعة أو إضعافها، وإنما تضاف إليها نافذة إنسانية تستهدف شريحة محددة وفق معايير معلنة.

فمن المهم أن تكون عملية الاختيار بعيدة عن العلاقات الشخصية والمحسوبية، وأن تعتمد على بيانات رسمية يمكن تدقيقها، كما يمكن تشكيل لجنة مستقلة تضم جهات حكومية ومؤسسات اجتماعية ذات صلة، تتولى دراسة الطلبات والتأكد من استحقاق أصحابها.

ويُستحسن أيضا إعلان الشروط والمعايير للرأي العام قبل بدء التقديم، مع توضيح عدد المقاعد المخصصة، وآلية احتساب الاستحقاق، وطريقة إعلان النتائج، فضلا عن وجود قناة للاعتراض أو المراجعة لمن يرى أن طلبه لم يُدرس بصورة صحيحة.

فالغاية من الفكرة هي مساعدة الفقراء على أداء فريضة الحج، وليس فتح باب جديد للتمييز أو المجاملة.

هناك شريحة من كبار السن الذين قضوا سنوات طويلة وهم يحلمون بالحج، وقد تكون أوضاعهم المالية قد حالت دون تحقيق هذه الأمنية. ومع تقدم العمر، تصبح مسألة الحصول على فرصة للحج أكثر حساسية، خصوصًا لمن لا يملك مصدر دخل يسمح له بتحمل النفقات.

وقد يكون من المناسب دراسة معايير إضافية تراعي الحالات الإنسانية الاستثنائية، مثل كبار السن من ذوي الدخل المحدود، والأرامل غير القادرات على تحمل تكاليف الحج، والأسر التي تعيش تحت خط الفقر، مع مراعاة الضوابط الشرعية والقانونية والطبية ذات الصلة.

وهنا يمكن أن تتحول قرعة الحج من مجرد آلية لاختيار الأسماء إلى مناسبة لإيصال رسالة اجتماعية مفادها أن المجتمع لا يغفل عن أفراده الأكثر احتياجا.

فربما يكون بين المنتظرين شخص فقير لا يملك ثمن الرحلة، لكنه يحمل في قلبه أمنية الوصول إلى بيت الله الحرام منذ سنوات؛ ومنحه فرصة الحج قد تكون واحدة من أجمل صور التكافل التي يمكن أن يقدمها المجتمع لأبنائه.

اضف تعليق