يقدم الكاتب قراءة نقدية لواقع العاصمة بغداد وما تعانيه من تدهور في قطاع النقل والمواصلات، مؤكداً أن بغداد تمتلك مقومات جمالية وثقافية وجغرافية فريدة تجعلها في صدارة مدن العالم، إلا أن غياب شبكات الطرق الحديثة ووسائل النقل المتطورة مثل المترو والقطارات السريعة يمنع سكانها وزوارها من الوصول إلى أماكنها الترفيهية والثقافية...
حين نجتمع نحن الأصدقاء، تتشعب الأحاديث ونستعرض أشياء كثيرة، فتحضر أيضا السفرات الخارجية، التي يعد الحديث عنها نوعا من السفر الذهني للذي لم يسافر إلى المكان أو البلد الذي يستعرض امكنته واجواءه صديق سافر اليه.
من بين ما كنا نستعرضه هو المقارنة بين جمال المدن التي يأتي ذكرها أو عرضها من أحدنا، وهذه مسألة تخضع بشكل عام لطبيعة الأجواء والفضاءات المكانية التي يفضلها كل شخص، وهي تتفاوت حسب امزجة الناس بالتأكيد، لكن الشيء الذي لا مجال لخضوعه للمزاج هو نوع الخدمات، التي يقدمها كل بلد أو مدينة ومدى تأثيرها في حياة الناس وراحتهم.
وهنا يحصل وباستمرار أن نجد غصة لدى كل متحدث، وهو يقارن بين نوع الخدمات وطبيعتها في بعض البلدان المتقدمة، وحتى في بعض الدول الاسيوية والافريقية وبين مدننا وفي مقدمتها بغداد، اذ توجد هناك شبكات طرق رصينة لا يشهد فيها المتجول توقفات طويلة بسبب الزحام أو غيره، بالإضافة إلى خطوط النقل الحديث التي تجعل المسافات بين الأمكنة في المدينة الواحدة أو بين المدن، تكاد تكون متلاشية، بفعل وجود القطارات السريعة والمترو الذي يربط أجزاء المدينة ببعضها ويخلق حيوية لدى الناس ويكون أحد أسباب سعادتهم لعدم وجود معاناة، حين يقرر أحدهم أن يذهب لوحده أو مع عائلته لأماكن الترفيه البعيدة نسبيا عن سكنه، وهذه مسألة في غاية الأهمية لإنسان اليوم.
الكلام عن جمال المدن ومقارنتها ببغداد، يتفاوت بين مدينة وأخرى، لكن الجميع يتفقون على ان بغداد من بين اجمل المدن في العالم، لما تتمتع به من فضاءات ثقافية متعددة ونهر كبير يخترقها بالإضافة إلى مساحتها الواسعة، لكن الشيء الذي يؤلم حقا هو ان كثيرين من سكان بغداد لا يعرفون بوجود امكنة ترفيهية عديدة فيها أو يعرفون ولا يستطيعون الذهاب اليها بسبب شبكة المواصلات التقليدية والمتهالكة التي حجبت الكثير من جمال بغداد عن أهلها وعن اعين السواح الأجانب، فحين تعد الأمكنة والمناطق البغدادية التي تستحق أن يرتادها كل مهتم بالثقافة ويحب التمتع بالاجواء الجميلة تتعب حقا لكثرتها.
لكن تشعر أن هذه الأماكن محجوبة عن غالبية البغداديين وغيرهم بسبب صعوبة الوصول اليها بيسر، فلا مترو عندنا، وشبكة الطرق يعاني اغلبها من الإهمال لاسيما في الرصافة، حيث الشوارع مكسّرة وغير مخططة والارصفة مصادرة، ناهيك عن قلة المساحات الخضراء. أن يذهب صديقان مساء من شمالي بغداد الرصافة إلى المنصور والتمتع بالأجواء المختلفة هناك، يحتاجان إلى ساعة ونصف وأكثر أحيانا، وأن يأتي صديقان من غرب العاصمة للتجوال في الكرادة وأجوائها المسائية الرائعة، سيواجهان المشكلة نفسها والتي باتت بمثابة الوحش الذي غطى على جمال بغداد وجعل كل منطقة اشبه بالكم، حيث يخرج أهلها مساء يتجولون فيها ويعودون لبيوتهم.
ولعل هذه الظاهرة تكرست بشكل كبير بعد الاحداث الإرهابية التي شهدتها بغداد الحبيبة وغيرها من مدن العراق، قبل نحو عشرين سنة، وجاءت الخدمات السيئة التي تفاقمت مع تزايد نفوس بغداد وكثرة السيارات التي تفوق طاقة شوارعها على استيعابها، بسبب غياب التخطيط المرافق لغياب الخدمات الاساسية المطلوبة في قطاع النقل، وبذلك لم تعد بغداد قادرة على اشهار فتنتها لأهلها أو لغيرهم، بانتظار ان تنقشع غمة الفساد وتحظى هذه المدينة الجميلة والعظيمة بما تستحق من شبكة طرق ونظافة ولمسات مدنيّة.



اضف تعليق