الخط السياسي العريض والموقف الرسمي للحكومة العراقية كان ولا يزال يتخذ من الاعتدال والوسطية ملاذا آمنا يخلصه من توابع النزول إلى ساحة معركة مجهولة النتائج والأبعاد والمضاعفات. هذه الحقيقة والاستمرارية فيها ستمنح العراق فرص سانحة تجعله يخرج من منطق "الصراع" إلى دور الفاعل المؤثر حيث يتطلب ذلك استمرارية...

هل يمتلك العراق القدرة السياسية للتحول من ساحة صراع إلى فاعل إقليمي، وما هي موانع تحقيق ذلك؟.

هل تمثل التحولات الحالية في النظام الإقليمي فرصة استراتيجية للعراق لإعادة التموضع، أم أنها تعمق هشاشته وتؤجل استقراره؟.

العراق موزائيك متباين في أشكاله وصوره وفي طبيعة نسيجه وتكوينه، إذ تتباين فيه الأعراق والأديان والمذاهب واللغات كما تتباين الرؤى والمصالح والدوافع والانتماءات! طبقا لهذا الواقع فلابد للمحلل السياسي الا يتغافل هذه الحقيقة أو يغفل عنها حينما يستشرف المواقف والأحداث التي تدور داخل هذا البلد وخارجه ومن حوله. 

تماشيا مع هذا الإعتبار فليس من السهل أن نتوقع توافقا سياسيا عاما يحصل بسلاسة لدى الاطراف السياسية المتحكمة في صنع القرار أمام المواقف الحساسة والأمور الشائكة المؤثرة التي تحصل داخل هذا البلد أو خارجه. 

على سبيل المثال وليس الحصر، فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة المعلنة ضد إيران هي إختبار صعب ومخاض عسير يتعرض له العراق حيث لابد له أن يجتازه بحكمة وثبات وبأقل الخسائر نظرا لحساسية هذا الحدث وانعكاساته الخطيرة على صيرورة العراق وعلى حاضره ومستقبله.

لا يتوقع المراقب للأحداث أن تتحد الرؤى والرؤيا وتتناسق المواقف بين السياسيين العراقيين في حيثيات التفاعل المتوازن والمعقول بهذا الشأن، إنما ستتخالف الآراء والأفعال وردود الأفعال وتتباين في التطرف والمبالغة وعلى الأقل في بدايات المشوار. 

هذا هو الذي حصل فعليا على ساحة الواقعية حينما قامت الحرب، حيث شهدنا مواقف وتصرفات متناقضة تباينت بين من يرى أن مناصرة إيران بكل الوسائل المتاحة اقتصاديا وسياسيا وإعلاميا بل وحتى عسكرياً هو أمر واجب وضروري ومطلوب أمام تعرضها لهجمة عسكرية من قبل قوى معادية للحق والدين والإنسانية. إيران دولة جارة مسلمة يهاجمها عدو لا يرحم مدجج بالقوة والسلاح لابد أن يقاوم بما تمليه المسؤوليات الدينية والفكرية والإنسانية وبكل ما تمتلكه الدولة من وسائل القوة. 

على الطرف النقيض من هذا الخط المناصر لإيران يظهر الخط المناهض والذي يرى أن إيران يحكمها نظام مغامر لا يتحسب للمخاطر وله أجندات غريبة تجلب التشرذم والانقسام والفوضى والدمار في المنطقة وهذا يعتبر مصدر خطر على العراق بوجه خاص وعلى مستقبله وصيرورته من جهة وعلى مصالح المنطقة بوجه عام من جهة أخرى. 

اعتماداً على هذا التصور فلابد لإيران أن تنكسر وتتقهقر ويتبدل نظامها السياسي وما هذه الحرب القائمة ضدها الآن إلا فرصة ذهبية لتحقيق هذا الهدف! مهما كانت الدوافع الحقيقية والمتناقضة لهذين الخطين المتطرفين المتباينين، فلابد أن تحسب النتائج والمضاعفات لكل فعل وردة فعل صادرة عن كل خط في ميزان الفوائد والأضرار. الهوة واسعة وعميقة بين الخطين والمسافة بعيدة في وجهات النظر وردم الهوة بينهما واجب وضروري من أجل تجنب المضاعفات.

 بين هذين الخطين الحادين لابد للوسطية في التفكير والتصرف أن تتبوأ مكانها وموقعها أمام حدث حساس وخطير كهذا. الخط الوسطي لا يغضب طرف على حساب الطرف الآخر كي لا يتحول العراق الى ميدان نزاع وساحة صراع مباشر أو صراع بالوكالة. 

هذا لا يعني أن العراق ينكر أو يتنكر لحقيقة مناصرة إيران عاطفيا وانسانيا كونها تحارب كيانا مغتصبا له تأريخ طويل في القسوة والاعتداء والظلم من جهة، وكونها جارة مسلمة مرتبطة بوشائج تاريخية عاطفية ومصالح مشتركة مع العراق من جهة أخرى. في نفس الوقت فإن هذا التعاطف لا يعني أبدا أن يتورط العراق بحرب مفتوحة مع أعداء إيران أو يضرب مصالح الدول الحليفة لهم. إنما يتحتم على السياسة العراقية أن تكون متوازنة ومعقولة في التصرف غير منحازة في صنع القرار لأي طرف بل إن تكون مواقفها بناءة إنسانية مفيدة للصالح العام والمصالح المشتركة.

 من خلال تبني سياسة الوسطية والاعتدال في الأفعال وفي ردود الأفعال يمكن للعراق أن يتجنب المخاطر والأضرار من جهة وأن يحصد الفوائد والمكتسبات من جهة أخرى. فبوجود تنافس إقليمي مؤثر على الداخل العراقي تكون الوسطية في السياسة العراقية المتبعة مانعاً لخطر الانجرار إلى صراعات المحاور، كما ستعبد الوسطية الطريق في إتخاذ المواقف المستقلة أمام الضغوطات الخارجية مما سيسمح للمضي قدما في الإصلاحات الداخلية وبناء الدولة. 

سياسة الوسطية ستمكن العراق بأن يكون حلقة وصل تجارية إقتصادية بين دول الخليج وتركيا وأوربا، مستفيدا من موقعه الجغرافي الستراتيجي ومن موارده الطبيعية كالنفط والغاز والمعادن الاخرى. كما ستمكنه أيضا من لعب دور الوسيط الموثوق به والناجع بين أطراف النزاع الخارجية وتجنبه نزاعات داخلية محتملة بين المناصرين والمعادين لإيران. في حسابات ميزان الفوائد والأضرار، فإن الأضرار الناتجة عن التدخل المباشر في مناصرة إيران عسكرياً أو بفتح جبهة عسكرية جديدة ضد المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة سوف لن يغير هذا كثيرا في إتجاه بوصلة الحرب ونتائجها، بل على العكس فإن حجم الأضرار التي ستلحق بالعراق ومصالحه ستكون أكبر بكثير من حجم الفائدة المتوخاة من هذا التدخل.

خيار الاعتدال والوسطية سوف يحسن صورة العراق الدولية إذ يجعله ضمن مفاهيم الدولة المسؤولة التي تسعى للاستقرار وبناء علاقات طيبة مع المجتمع الدولي. هذا الواقع سيجذب الاستثمارات الخارجية والدعم، إذ أن الشركات العالمية تميل إلى الاستثمار في بيئات مستقرة سياسياً.

فوق هذا وذاك، فإن الارهاصات والمعاناة التي تجرعها العراق طيلة سنوات عجاف من حكم صدام حسين وما تلاه، جعلت النفس العراقي ضيقا لا يحتمل ولا يتحمل مآسي اضافية ومعاناة جديدة اخرى.

رغم وجود مظاهر التطرف قولا وفعلا لدى بعض الشرائح السياسية المؤثرة على الساحة العراقية إبان الأيام الصعبة من حرب أمريكا إسرائيل ضد إيران، إلا أن الخط السياسي العريض والموقف الرسمي للحكومة العراقية كان ولا يزال يتخذ من الاعتدال والوسطية ملاذا آمنا يخلصه من توابع النزول إلى ساحة معركة مجهولة النتائج والأبعاد والمضاعفات. هذه الحقيقة والاستمرارية فيها ستمنح العراق فرص سانحة تجعله يخرج من منطق "الصراع" إلى دور "الفاعل المؤثر" حيث يتطلب ذلك استمرارية وضوح الرؤيا الإستراتيجية مدعومة بركائز صادقة وأمينة وثابتة من داخل العراق وخارجه!.

* مداخلة مقدمة الى الجلسة الحوارية التي عقدها مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية تحت عنوان: (العراق وتحولات النظام الإقليمي: تحليل في المخاطر والفرص الاستراتيجية)

اضف تعليق