الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية، تؤثر في استقرار تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، لا سيما عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، مما ينعكس على تكاليف الاستيراد وأسعار السلع. وتؤدي هذه العوامل إلى خلق بيئة اقتصادية هشة، تتسم بحساسية عالية تجاه الصدمات الخارجية، وهو ما يفسر تزايد احتمالية دخول الاقتصاد العراقي في حالات...
بقلم: م.م. زينب حسين صبيح
يعدّ الركود التضخمي من أكثر الظواهر الاقتصادية تعقيدًا، إذ يجمع بين ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي في آنٍ واحد، الأمر الذي يضع صانعي السياسات أمام معضلة مزدوجة يصعب التعامل معها بأدوات تقليدية.
فعلى خلاف الدورات الاقتصادية الاعتيادية، يتسم الركود التضخمي بتداخل العوامل المؤثرة فيه، مما يحدّ من فعالية السياسات النقدية والمالية في معالجته. وعلى الرغم من أن هذه الحالة تبدو متناقضة من الناحية النظرية، إلا أنها أصبحت واقعًا ملموسًا في العديد من الاقتصادات، لا سيما تلك التي تعاني من اختلالات هيكلية عميقة.
ويُعدّ الاقتصاد العراقي مثالًا واضحًا على ذلك، كونه اقتصادًا ريعيًا يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع النفط، مما يجعله أكثر عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية. تتجلى قابلية الاقت صاد العراقي للتعرّض للصدمات في عدة عوامل مترابطة؛ في مقدمتها الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، حيث يشكّل النفط المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة، الأمر الذي يجعل المالية العامة عرضة للتذبذب مع كل تغير في أسعار النفط العالمية. كما يسهم ضعف تنوع القاعدة الإنتاجية في تعميق هذه الهشاشة، إذ لا تلعب القطاعات غير النفطية، كالصناعة والزراعة، دورًا فاعلًا في دعم النمو أو امتصاص الصدمات.
ومن جانب آخر، يعاني الاقتصاد من الاعتماد المتزايد على الاستيراد من اجل تلبية الاحتياجات المحلية، مما يجعله عرضة لما يُعرف بالتضخم المستورد، حيث تنعكس الزيادات في الأسعار العالمية مباشرة إلى السوق المحلية. كما تؤثر الاختناقات في البنية التحتية، وضعف كفاءة سلاسل الإمداد، في زيادة تكاليف الإنتاج والتوزيع.
ولا يمكن إغفال دور الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية، التي تؤثر في استقرار تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، لا سيما عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، مما ينعكس على تكاليف الاستيراد وأسعار السلع. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى خلق بيئة اقتصادية هشة، تتسم بحساسية عالية تجاه الصدمات الخارجية، وهو ما يفسر تزايد احتمالية دخول الاقتصاد العراقي في حالات تقترب من الركود التضخمي، حيث تتزامن الضغوط التضخمية مع ضعف النشاط الاقتصادي.
وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل ظاهرة الركود التضخمي في الاقتصاد العراقي، من خلال استكشاف أسبابه الهيكلية، ومظاهره، وانعكاساته على حياة الأفراد، فضلًا عن مناقشة السياسات الاقتصادية الممكنة للحد من تأثيراته وتعزيز الاستقرار الاقتصادي يعود حدوث الركود التضخمي في الاقتصاد العراقي إلى مجموعة من العوامل الهيكلية والظرفية المتداخلة، التي تسهم في توليد ضغوط تضخمية متزامنة مع ضعف النشاط الاقتصادي.
ويمكن توضيح أبرز هذه الأسباب على النحو الآتي:
1. الاعتماد الريعي على النفط: يُعدّ الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة من أهم أسباب هشاشة الاقتصاد العراقي. إذ يؤدي تقلب أسعار النفط عالميًا إلى عدم استقرار الإيرادات الحكومية، مما ينعكس على حجم الإنفاق العام والنشاط الاقتصادي. ففي فترات انخفاض الأسعار، يتراجع الإنفاق الحكومي، وهو المحرك الأساسي للاقتصاد، مما يؤدي إلى تباطؤ النمو، في حين تستمر الضغوط التضخمية نتيجة عوامل أخرى.
2. ضعف تنوع القاعدة الإنتاجية: يعاني الاقتصاد العراقي من محدودية مساهمة القطاعات غير النفطية، مثل الصناعة والزراعة، في الناتج المحلي الإجمالي. وهذا الضعف يقلل من قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل وتحقيق نمو مستدام، ويزيد من الاعتماد على الاستيراد، مما يعمّق الاختلالات الاقتصادية ويغذي التضخم.
3. التضخم المستورد: نظرًا لاعتماد العراق على الاستيراد لتلبية نسبة كبيرة من احتياجاته الاستهلاكية، فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية أو تكاليف الشحن والطاقة ينتقل مباشرة إلى السوق المحلية. ويُعد هذا النوع من التضخم خارج السيطرة المباشرة للسياسات الاقتصادية المحلية، مما يزيد من تعقيد المشكلة.
4. السياسات المالية التوسعية غير المرتبطة بالإنتاج: يعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي، خصوصًا في الرواتب والدعم، دون أن يقابله نمو حقيقي في الإنتاج. ويؤدي ذلك إلى زيادة السيولة النقدية في السوق دون زيادة في السلع والخدمات، مما يخلق ضغوطًا تضخمية واضحة.
5. ضعف كفاءة السياسة النقدية: تواجه السياسة النقدية تحديات في السيطرة على التضخم، خاصة في ظل هيمنة العوامل الخارجية وضعف أدوات التأثير في الاقتصاد الحقيقي. كما أن استقرار سعر الصرف أحيانًا يكون على حساب مرونة الاقتصاد في مواجهة الصدمات.
6. الفساد الإداري والمالي: يسهم الفساد في إضعاف كفاءة تخصيص الموارد، وزيادة الهدر في الإنفاق العام، مما يحدّ من فعالية السياسات الاقتصادية ويؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي، في الوقت الذي تستمر فيه الضغوط التضخمية.
7. الاضطرابات الجيوسياسية والإقليمية: تؤثر التوترات في المنطقة على استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات التجارة والطاقة، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، وينعكس ذلك على الأسعار المحلية، خاصة في اقتصاد مفتوح نسبيًا مثل العراق.
8. ضعف البنية التحتية وسلاسل الإمداد: تؤدي الاختناقات في النقل، الطاقة، والتخزين إلى رفع تكاليف الإنتاج والتوزيع، مما يزيد من أسعار السلع والخدمات، ويؤثر في كفاءة النشاط الاقتصادي بشكل عام انعكاسات الركود التضخمي على أسعار السلع والخدمات في العراق.
9. ارتفاع أسعار الغذاء: شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة التضخم المستورد، حيث تشير تقديرات إلى أن معدل التضخم في العراق تراوح بين 3% الى %5 خلال 2023-2025 مع تسجيل زيادات أعلى في سلع الغذاء تحديدًا، نظرًا لاعتماد العراق على الاستيراد بنسبة كبيرة، يرتبط ارتفاع أسعار بعض السلع في العراق بالظروف الجيوسياسية الراهنة التي تؤثر في استقرار سلاسل الإمداد العالمية، ولا سيما عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. إذ يؤدي أي تعطّل أو إغلاق محتمل لهذا الممر إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة الاستيراد في الاقتصادات المعتمدة على الخارج.
وبالنظر إلى محدودية الإنتاج، تنتقل هذه الزيادات إلى الأسواق المحلية على شكل ارتفاع في الأسعار. ويبرز ذلك في سلع استهلاكية مثل البيض، حيث يمكن أن تتأثر أسعاره بارتفاع تكاليف الأعلاف المستوردة والطاقة والنقل، في ظل عدم كفاية الإنتاج المحلي لتغطية الطلب، الأمر الذي يفضي إلى ضغوط سعرية إضافية على المستهلك.
10. زيادة أسعار الطاقة (الوقود والكهرباء): رغم استمرار الدعم الحكومي لقطاع الطاقة، إلا أن الكلفة الفعلية التي تتحملها الأسر، خصوصًا عبر المولدات الأهلية، شهدت ارتفاعًا ملحوظًا. ويزداد هذا الأثر في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة، حيث تؤدي الاضطرابات المرتبطة بالحروب أو التوترات الإقليمية إلى تعطّل جزئي في إنتاج الوقود أو تقييد تدفقاته عبر سلاسل الإمداد والتصدير، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وينعكس ذلك على زيادة أسعار الوقود في الأسواق، الأمر الذي يرفع بدوره كلفة تشغيل المولدات الكهربائية، خاصة في ظل عدم استقرار التجهيز الحكومي. ونتيجة لذلك، تتضاعف الأعباء المالية على الأسر، لا سيما خلال فترات ذروة الاستهلاك في الصيف، مما يعمّق الضغوط المعيشية المرتبطة بالركود التضخمي.
وتشير تقارير محلية إلى ارتفاع ملحوظ في الإيجارات داخل المدن الكبرى، نتيجة زيادة الطلب مقابل محدودية العرض، إضافة إلى ارتفاع تكاليف البناء والتمويل.
11. زيادة أسعار الخدمات: شهدت قطاعات التعليم والصحة والخدمات الخاصة زيادات تدريجية في الأسعار نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، بما في ذلك الأجور والطاقة والمواد المستوردة.
12. تذبذب الأسعار وعدم الاستقرار السعري: يعاني السوق العراقي من تقلبات سعرية مستمرة، خاصة مع تأثره بأسعار الصرف والتجارة الخارجية، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستهلكين الاستنتاجات يُظهر الاقتصاد العراقي قابلية عالية للتعرّض لحالات الركود التضخمي، نتيجة اعتماده الكبير على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، مما يجعله حساسًا لتقلبات الأسعار العالمية.
يتضح أن ضعف تنوع القاعدة الإنتاجية، ولا سيما في القطاعين الصناعي والزراعي، يسهم في زيادة الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي تعميق ظاهرة التضخم المستورد. تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية، خاصة تلك المرتبطة بممرات التجارة والطاقة مثل مضيق هرمز، إلى زيادة تكاليف النقل والطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع ودام.
يتجلى أثر الركود التضخمي بوضوح في تآكل القدرة الشرائية للأفراد، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل، مما يعكس تحول الأزمة من مجرد ظاهرة اقتصادية إلى أزمة معيشية يومية. يعاني الاقتصاد العراقي من ضعف في كفاءة البنية التحتية وسلاسل الإمداد، مما يزيد من تكاليف الإنتاج والتوزيع، ويُفاقم الضغوط التضخمية.
التوصيات
تنويع مصادر الدخل: ضرورة تقليل الاعتماد على النفط من خلال تطوير القطاعات الإنتاجية، مثل الصناعة والزراعة، لتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
دعم الإنتاج المحلي: تشجيع الاستثمار في المشاريع الزراعية والصناعية، وتقديم حوافز للمنتجين المحليين لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
تعزيز كفاءة السياسة النقدية: تبني سياسات نقدية أكثر فاعلية للسيطرة على التضخم، مع الحفاظ على استقرار سعر الصرف.
إصلاح السياسة المالية: توجيه الإنفاق الحكومي نحو المشاريع الإنتاجية بدلًا من التركيز على النفقات الاستهلاكية، بما يعزز النمو الاقتصادي الحقيقي.
تحسين البنية التحتية: الاستثمار في قطاعات النقل والطاقة والتخزين لتقليل تكاليف الإنتاج وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.
مكافحة الفساد: تعزيز الشفافية والرقابة على الإنفاق العام لضمان الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية.
تعزيز الأمن الاقتصادي: العمل على تقليل تأثير الصدمات الخارجية من خلال بناء احتياطيات استراتيجية وتنويع الشركاء التجاريين.



اضف تعليق