إن المنطقة اليوم لا تقف أمام سلام، بل أمام مرحلة جديدة من الصراع المُدار. وفي مثل هذه المراحل، لا تُحسم الأمور بالتصريحات، بل بالمسارات الطويلة التي تتشكل عبر الزمن. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون الضمانات الأمنية خطوة نحو الاستقرار، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم يصل بعد إلى نهايته؟...

في خضم النقاش الدائر حول نتائج حرب الأربعين يوماً، برز مطلب إيراني واضح: الحصول على ضمانات بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تشنا حرباً جديدة عليها. وقد يذهب بعض التفسير السريع إلى أن هذا الطلب يعني رغبة في عقد سلام، لكن القراءة الاستراتيجية الأعمق تشير إلى معنى مختلف وأكثر تعقيداً.

ففي منطق العلاقات الدولية، لا تعني الضمانات الأمنية بالضرورة الانتقال إلى السلام، بل قد تعني شيئاً آخر تماماً: إدارة الصراع لا إنهاءه. وهذا التمييز هو المفتاح لفهم ما تريده إيران في هذه المرحلة.

إن السلام، بمعناه الكامل، يفترض اعترافاً متبادلاً، وتسويات سياسية عميقة، وتحولاً في طبيعة العلاقات بين الأطراف. أما الضمانات الأمنية فهي خطوة أدنى بكثير، تهدف إلى منع الحرب دون إنهاء أسبابها. ولذلك فإن طلب إيران لا يبدو تعبيراً عن استعداد لسلام شامل، بل عن سعي إلى تثبيت معادلة جديدة بعد الحرب.

هذه المعادلة تقوم على فكرة بسيطة: إذا لم يعد بالإمكان تجنب الصراع، فيجب على الأقل ضبطه. وهنا تلتقي هذه الرؤية مع ما أشار إليه الباحث فالي نصر Vali Nasr من أن التفكير داخل إيران بدأ يتحول من استراتيجية “تجنب الحرب وتجنب الحوار” إلى استراتيجية أكثر مرونة تقوم على الاستعداد للتصعيد، ولكن أيضاً على الاستعداد للحوار.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم طلب الضمانات بوصفه جزءاً من انتقال أوسع في التفكير الاستراتيجي الإيراني. فالتجربة الأخيرة أظهرت، من وجهة نظر طهران، أن ضبط النفس لم يمنع الحرب، وأن الاعتماد على تجنب التصعيد لا يوفر الحماية الكافية. ولذلك فإن المطلوب الآن هو إعادة تعريف قواعد الاشتباك مع الخصوم.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة الخروج من منطق الصراع. بل على العكس، قد يعني ترسيخه في شكل أكثر تنظيماً. فإيران لا تبدو في موقع يسمح لها أو يدفعها إلى القبول بسلام شامل مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، خصوصاً في ظل الملفات العميقة المرتبطة بالنفوذ الإقليمي وبالقضية الفلسطينية وبطبيعة النظام الدولي نفسه.

ومن هنا فإن الضمانات التي تطلبها إيران يمكن قراءتها بوصفها محاولة لتحقيق ثلاثة أهداف متداخلة: أولاً، منع تكرار الحرب في المدى القريب؛ ثانياً، شراء وقت لإعادة ترتيب الداخل وتعزيز القدرات؛ وثالثاً، إدارة الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها.

إن هذا النوع من الترتيبات ليس جديداً في التاريخ. فقد عرفت العلاقات الدولية نماذج عديدة لما يمكن تسميته بـ«السلام غير المعلن» أو «الردع المتبادل غير الرسمي»، حيث تتوقف الحروب دون أن تنتهي الصراعات، وتُدار التوترات ضمن قواعد غير مكتوبة.

لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيران تسعى إلى السلام، بل ما إذا كان هذا التحول في التفكير يمكن أن يفتح الباب أمام مسار مختلف في المستقبل. فإدارة الصراع قد تكون مرحلة انتقالية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى حالة دائمة إذا لم تُستثمر في اتجاه أعمق.

وهنا تتقاطع هذه المسألة مع سؤال أوسع طُرح في سياق تحليل مرحلة ما بعد الحرب: هل يمكن أن تتحول إيران من منطق الثورة إلى منطق الدولة؟ فالدولة، بطبيعتها، تميل إلى الاستقرار وإدارة المصالح، بينما تميل الثورة إلى استمرار الصراع.

وفي هذا المعنى، فإن طلب الضمانات قد يكون مؤشراً على بداية هذا التحول، لكنه ليس دليلاً عليه بعد. فهو يعكس إدراكاً لحدود القوة العسكرية، لكنه لا يعكس بالضرورة استعداداً كاملاً للانتقال إلى منطق الدولة بكل ما يتطلبه من تحولات داخلية وخارجية.

إن المنطقة اليوم لا تقف أمام سلام، بل أمام مرحلة جديدة من الصراع المُدار. وفي مثل هذه المراحل، لا تُحسم الأمور بالتصريحات، بل بالمسارات الطويلة التي تتشكل عبر الزمن.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون الضمانات الأمنية خطوة نحو الاستقرار، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم يصل بعد إلى نهايته؟

اضف تعليق