النظام السياسي في العراق يعيش حالة من الاستقرار الهش، حيث تتعايش الشرعية الدستورية مع اختلال بنيوي في توازن القوى، وتستمر عملية الحكم عبر آليات التوافق السياسي بدلًا من الاستناد إلى قاعدة أغلبية سياسية مستقرة. ويظل مستقبل هذا النظام مرهونًا بقدرته على تقليص الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز فعالية...
مدخل
نتناول في هذه المقالة التحولات السياسية في العراق في ضوء تكليف رئيس وزراء جديد، من خلال العلاقة بين الشرعية الدستورية والشرعية السياسية الفعلية، وطبيعة النظام السياسي التوافقي، وحدود فاعلية المؤسسات الدستورية في إنتاج استقرار-أمني مجتمعي-مستدام. إلى فهم اختلال توازن القوى بين الدولة والمجتمع، وانعكاس ذلك على ديناميات الاستقرار السياسي..
فتكليف رئيس وزراء جديد في العراق، أعاد الجدل حول طبيعة النظام السياسي وحدود شرعيته الفعلية. فبينما جرى التكليف خلاف الإطار الدستوري، يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل تعكس هذه العملية إرادة الناخبين فعلًا، أم أنها نتيجة توازنات سياسية داخلية وخارجية لا علاقة مباشرة لها بنتائج الانتخابات؟. أو فيما بينها وبين الإطار الدستوري وميزان القوى -ونقصد به- المزاج الشعبي، والسيناريوهات المستقبلية المحتملة.
يشكل المشهد السياسي في العراق نموذجًا معقدًا لنظام سياسي يسعى إلى التوفيق بين نصوص دستورية حديثة وبنية اجتماعية وسياسية شديدة التشظي. فمنذ التحول السياسي الذي شهده العراق بعد عام 2003، أصبح النظام السياسي قائمًا على مبدأ التوافق بين المكونات السياسية والاجتماعية، بدلًا من الاعتماد على قواعد الأغلبية البرلمانية المستقرة. وفي هذا السياق، يكتسب تكليف رئيس وزراء جديد أهمية تتجاوز الإجراء الدستوري، ليصبح مدخلًا لفهم أعمق لطبيعة السلطة وآليات إنتاجها في العراق.
فمن الناحية الشكلية، ينص الدستور العراقي على أن رئيس الجمهورية يقوم بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر لتشكيل الحكومة. غير أن التطبيق العملي لهذا النص كشف عن إشكالية بنيوية تتعلق بتعريف مفهوم الكتلة الأكبر، إذ لا يتحدد هذا المفهوم بشكل مباشر من نتائج الانتخابات، بل يتشكل لاحقًا عبر عمليات تفاوض وتحالف داخل البرلمان وخارجه. وهذا ما يؤدي إلى فجوة واضحة بين الشرعية الإجرائية التي يضمنها الدستور، والشرعية التمثيلية التي يُفترض أن تعكس إرادة الناخبين.
إن هذه الفجوة ليست طارئة، بل أصبحت جزءًا من البنية السياسية للنظام، حيث يتم إنتاج السلطة التنفيذية في إطار توازنات سياسية مرنة، تتغير وفق مصالح القوى الفاعلة داخل البرلمان يسيطر عليها مجموعة افراد لا يتجاوز عددهم علبة كبريت، يتحكمون بمصير مجتمع عراقي يتجاوز خمسة وأربعين مليون نسمة. ونتيجة لذلك، فإن رئيس الوزراء في السياق العراقي لا يُنتخب بوصفه تعبيرًا مباشرًا عن أغلبية سياسية واضحة، بل يُختار بوصفه نقطة توازن بين قوى متعددة، ما يحد من قدرته على ممارسة سلطة تنفيذية مستقلة ومتماسكة.
ويُصنف النظام السياسي العراقي ضمن نماذج ـ الشعبوية التوافقية ـ، حيث يتم توزيع السلطة بين مكونات سياسية واجتماعية مختلفة على أساس التوازن لا على أساس المنافسة الأغلبية. ويؤدي هذا النمط إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة التنفيذية، بحيث تصبح أقرب إلى إدارة التوازنات السياسية منها إلى تنفيذ برنامج حكومي واضح. وهذا ما يفسر الطبيعة غير المستقرة نسبيًا لعمليات صنع القرار في العراق، حيث تخضع القرارات الكبرى لمعادلات تفاوض مستمرة بين القوى السياسية الماسكة بالسلطة.
احتكار الإعلام
في موازاة ذلك، يظهر اختلال واضح في توازن القوى بين الدولة والمجتمع. فالقوى السياسية المهيمنة بيدها أهم وسيلة تنوير الا وهي السلطة الرابعة "الإعلام" وتمتلك المال والسلاح ونفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة، وتمارس تأثيرًا مباشرًا على توزيع الموارد الاقتصادية، وعلى آليات التوظيف العام، وعلى البنية الإدارية والأمنية. في المقابل، يعاني المجتمع المدني من ضعف في التنظيم السياسي المستدام، ومن غياب قيادة موحدة قادرة على تحويل الاحتجاجات إلى مشروع سياسي مؤسسي طويل الأمد.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال الدور الذي يلعبه الحراك الشعبي في إعادة تشكيل بعض التوازنات السياسية، كما ظهر بوضوح في احتجاجات عام 2019، التي شكلت لحظة ضغط سياسي واجتماعي مهمة، رغم محدودية تأثيرها المؤسسي المستدام. إذ كشفت تلك الاحتجاجات عن قدرة المجتمع على إنتاج لحظات ضغط سياسي عالية الكثافة، حتى في ظل اختلال بنيوي في ميزان القوى.
أما على مستوى الرأي العام، فيمكن ملاحظة حالة من التباين وعدم الاستقرار في المواقف السياسية، حيث يتوزع المزاج الشعبي بين اتجاهات متفائلة حذرًا، واتجاهات تشكيكية في جدوى التغيير السياسي، واتجاهات متزايدة من التعب السياسي وفقدان الثقة بالمؤسسات. ويعكس هذا التباين حالة من “اللامركزية السياسية” في الوعي الجمعي، حيث لا تتبلور رؤية موحدة تجاه النظام السياسي، بل تتعايش مواقف متناقضة ضمن الفضاء الاجتماعي نفسه.
ومن منظور تحليلي مقارن، تشير التجارب السياسية إلى أن التحولات الكبرى في الأنظمة التوافقية لا تحدث إلا عند توافر مجموعة من الشروط المتداخلة، تشمل تفاقم الأزمات الاقتصادية، وظهور خطاب احتجاجي موحد، وانقسام النخبة الحاكمة، ووقوع أحداث محفزة تؤدي إلى إعادة تعبئة اجتماعية واسعة، إضافة إلى تراجع أدوات الضبط السياسي. وغياب هذه الشروط مجتمعة يفسر حالة الاستقرار النسبي رغم تراكم عوامل التوتر البنيوي.
وفي هذا الإطار، يمكن رصد عدد من المؤشرات المبكرة التي قد تدل على انتقال النظام من حالة التوازن الهش إلى حالة أزمة مفتوحة، من بينها توسع نطاق الاحتجاجات جغرافيًا، وظهور انقسامات علنية داخل القوى السياسية، وارتفاع مستوى المشاركة الاجتماعية في الفعل الاحتجاجي، وتعطل جزئي في أداء مؤسسات الدولة، إضافة إلى تغير تدريجي في خطاب النخب السياسية والإعلامية تجاه السلطة القائمة. إن تراكم هذه المؤشرات يشير عادة إلى دخول النظام في مرحلة إعادة تشكيل سياسي غير مستقرة.
كما أن الأخطاء السياسية تلعب دورًا محوريًا في تسريع أو تأخير مسارات الأزمة. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن القرارات الاقتصادية المفاجئة، أو استخدام العنف المفرط في مواجهة احتجاجات محدودة، أو إعادة إنتاج النخب السياسية دون تجديد مؤسسي، أو تفاقم الصراعات الداخلية داخل السلطة، يمكن أن تؤدي مجتمعة إلى تآكل الشرعية السياسية وتراجع الثقة بالمؤسسات.
وبالنظر إلى السيناريوهات المستقبلية المحتملة، يمكن القول إن النظام السياسي العراقي يتحرك ضمن ثلاثة مسارات رئيسية. يتمثل الأول في استمرار حالة الاستقرار الحذر، حيث تُدار التوازنات السياسية دون تغييرات هيكلية عميقة. أما الثاني فيتمثل في التآكل التدريجي للفعالية السياسية نتيجة تراكم الأزمات. في حين يتمثل الثالث في احتمال انتقال النظام إلى حالة أزمة مفتوحة، في حال تزامن أزمة اقتصادية أو سياسية مع حراك اجتماعي واسع أو انقسام داخل النخبة الحاكمة.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن النظام السياسي في العراق يعيش حالة من الاستقرار الهش، حيث تتعايش الشرعية الدستورية مع اختلال بنيوي في توازن القوى، وتستمر عملية الحكم عبر آليات التوافق السياسي بدلًا من الاستناد إلى قاعدة أغلبية سياسية مستقرة. ويظل مستقبل هذا النظام مرهونًا بقدرته على تقليص الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز فعالية المؤسسات، وإعادة بناء الثقة السياسية، بما يسمح بتحويل الشرعية الإجرائية إلى شرعية أداء مستدامة.



اضف تعليق