أوروبا اليومَ حولتْ بوصلةَ شراكتِها التجاريةِ والسياسيةِ صوبَ الصينِ، في بدايةِ عهدٍ جديدٍ للعالمِ يختلفُ كثيراً عن حقبةِ ما بعدَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ؛ فبينما بُنيتِ التحالفاتُ سابقاً على أسسٍ أيديولوجيةٍ، نجدُها اليومَ تُبنى على أسسٍ تجاريةٍ بحتةٍ، حيثُ غلبتِ المصالحُ على التحالفاتِ التقليديةِ، وبدأَ قادةُ أوروبا بالتفكيرِ بعيداً عن مِظلةِ واشنطن...

أبرز ما يميز حقبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الانفراد بالقرارات في قضايا تخص العالم بشكل عام، وأوروبا بشكل خاص مما أدى لتدهور علاقات واشنطن بالحلفاء الأوروبيين وهذا ما تجلى بوضوح في قضيتين رئيسيتين، الأولى الحرب الروسية الأوكرانية، والتي حولها ترامب من حرب تخص أمن أوروبا إلى صفقات تعقدها واشنطن مع كلا الطرفين الروسي والأوكراني على حساب أمن أوروبا وحلف الناتو.

والثانية الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، رغم اعتراض أوروبا والتي وصلت ذروته في مرحلته الأولى، إلى رفض السماح باستخدام القواعد العسكرية سواء البريطانية أو الفرنسية من قبل واشنطن لضرب إيران، ناهيك عن رفض المشاركة حتى بالموقف السياسي، وهو ما جعل ترامب يصف حلفاء الناتو بالجبناء، محاولاً التقليل من أهميتهم ودورهم بتعبيره أن أمريكا لا تحتاج لمن يساعدها في حربها هذه وهو ما يوحي نهاية حلف شمال الأطلسي، وهو أيضاً يعني أن واشنطن خسرت الحلفاء الأوروبيين في مرحلة مهمة كهذه.

لهذا وجد ترامب نفسه في مأزق في حربه الحالية مع إيران، خاصة أن الصمود الإيراني والضربات القوية التي وجهت سواء للكيان الصهيوني أو القواعد الأمريكية في المنطقة مع زيادة تكاليف الحرب، التي قدرت بعشرات المليارات في أسبوعها الأول، وقد تصل إلى تريليونات عديدة من الدولارات إذا ما استمرت، مضافاً لذلك خسائر الاقتصاد العالمي، جراء توقف إمدادات النفط والغاز من منطقة الخليج العربي، كل هذه عوامل ضغط كبيرة على إدارة ترامب.

هذه الإدارة التي تتخبط في قراراتها، التي تخص الأمن العالمي وتحاول إشعال الحروب رغبة في تحقيق انتصارات سريعة، تحسب لرئيسها المتعطش للظهور الإعلامي اليومي، هذه الإدارة باتت اليوم يتم قيادتها من قبل اللوبي الصهيوني الذي يحاول جاهداً تحقيق أهدافه المشبوهة في المنطقة من جهة، ومن جهة ثانية محاولة إعادة تشكيل خرائط المنطقة وفق مصالحه المعروفة للجميع.

لهذا نجد أوروبا اليوم قد حولت بوصلة شراكتها التجارية والسياسية، وربما الأمنية في المستقبل صوب الصين، وهذه الخطوات بدأت بالفعل قبل الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، الدول الأوربية وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وجدت لدى بكين ما لم تجده عند واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترامب لهذا شهدنا زيارات مكثفة لقادتها إلى الصين وهذه الزيارات تمثل بداية تفكيك العلاقات الأوروبية مع واشنطن، وهو ما يؤكد بداية عهد جديد للعالم يختلف كثيراً عن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي بُنيت التحالفات فيها على أسس أيديولوجية، فيما نجد اليوم تُبنى هذه التحالفات على أسس تجارية بغض النظر عن الأيديولوجيات المتحكمة في هذا البلد أو ذاك.

لهذا نجد السبب الأول للتقارب الصيني الأوروبي هو السياسة الأمريكية وضغطها على حلفائها الأوروبيين، أما السبب الثاني يكمن في أن أوروبا فكرت بمصالحها قبل تحالفاتها، وهذا التفكير ذاته موجود لدى الإدارة الأمريكية، التي غلبت مصالحها على تحالفاتها الأوروبية، وتجلى ذلك بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية التي تبدل فيها الموقف الأمريكي في عهد بايدن إلى موقف آخر في عهد ترامب الذي بدأ بالبحث عن صفقات تجارية على حساب أمن الحلفاء الأوروبيين. لهذا من الطبيعي جداً أن يفكر قادة أوروبا بمصالح بلدانهم بعيداً عن تحالفهم مع واشنطن.

اضف تعليق