إنَّ شبحَ حربِ فيتنام يلوحُ في أفقِ الصراعِ الأمريكيِّ - الإيرانيِّ عبرَ بوابةِ حربِ الاستنزافِ وتكاليفِها الباهظةِ. فالمفارقةُ بينَ ثمنِ طائرةٍ مسيرةٍ بسيطةٍ وكلفةِ صاروخٍ اعتراضيٍّ متطورٍ تضعُ الميزانَ العسكريَّ التقليديَّ أمامَ تحدٍّ استراتيجيٍّ، يُثبتُ أنَّ الحروبَ الحديثةَ لا تُحسمُ بالتفوقِ الناريِّ وحده، بل بالقدرةِ على تحملِ كلفةِ الاستنزافِ الطويلةِ...
بعد أول خطاب للمرشد الإيراني الأعلى الثالث، تمضي جدلية التاريخ في منعطف جديد، ربما يجعل حرب الخليج الثالثة تحمل في رياحها شبح هزيمة فيتنام جديدة..!! سؤال: كيف ولماذا؟
هذه الحرب ليست مجرد صراع عسكري محدود، بل تتحول يوماً بعد آخر إلى صراع استنزاف استراتيجي يتضمن اختباراً شاملاً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع طويل ومعقد، وفي الوقت ذاته اختباراً لصمود إيران وقدرتها على تحويل التهديد العسكري الوارد في خطاب مرشدها الجديد إلى أداة استراتيجية لإعادة ترتيب نفوذها الإقليمي.. لذلك يظهر شبح ((حرب فيتنام)) في معادلة الكلفة والمنفعة والصلابة في حرب الاستنزاف.. وفق هذه المدخلات تبدو المخرجات المرجحة في الآتي:
أولاً: أعادت واشنطن، بعد الانسحاب من فيتنام عام 1975، تموضعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط تحت عنوانين أساسيين: حماية إمدادات الطاقة العالمية بأسعار مستقرة، وضمان أمن إسرائيل بوصفه ركناً ثابتاً في سياساتها الإقليمية.
غير أن الحرب الحالية أظهرت بقوة أن هذين الهدفين قد يكونان خارج السيطرة، بعدما دمرت العمليات العسكرية الحديثة مفاهيم قواعد الاشتباك التقليدية، وانتقلت المعركة إلى صواريخ دقيقة وطائرات مسيرة وحرب استنزاف طويلة تتجاوز توقعات التخطيط الأمريكي لنموذج الحرب الشبكية متعددة الأدوات.
ثانياً: هناك فجوة واضحة بين الأهداف الاستراتيجية المعلنة ومسارات الحرب الفعلية. تتجلى هذه الفجوة في سوء فهم طبيعة الخصم وقدرته على التكيف مع الضغوط الطويلة. فقد أخطأت واشنطن في تقدير تعقيدات المجتمع الإيراني بعد أكثر من أربعة عقود من العقوبات الأمريكية، وربما تجد نفسها أمام صعوبة مماثلة في إعادة صياغة الاتفاقات الإبراهيمية أو مشروع الشرق الأوسط الجديد.
وفي الوقت نفسه يتحمل دافعو الضرائب الأمريكيون كلفة هذا الصراع، بعدما بدأت تأثيرات الحرب تظهر في اضطراب سلاسل توريد النفط وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وهو ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات داخل الاقتصاد الأمريكي.
ثالثاً: إن الواقع السياسي مختلف تماماً. ما يجري في جوهره ليس حرباً عقائدية كبرى، بل صراع مصالح دولية وإقليمية على النفوذ والطاقة والخرائط الجيوسياسية الجديدة، بما يعيد إنتاج ترتيبات تشبه اتفاق سايكس بيكو، ولكن بصيغة القرن الحادي والعشرين. هذا يرجح حقيقة أن الحروب الحديثة ليس مقياسها التفوق العسكري فقط، بل القدرة على تحمل كلفة الاستنزاف الطويلة والمرونة السياسية في إدارة النتائج.
رابعاً: لا يميل الرأي العام في الولايات المتحدة إلى الصمت طويلاً أمام ارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف الحروب الخارجية، ما يخلق ضغطاً سياسياً على الرئيس والحزب الجمهوري. أما في إيران، فقد اعتاد المجتمع التكيف مع العقوبات الاقتصادية، والضغوط المعروفة عن نظام الحرس الثوري والباسيج.
خامساً: هناك مفارقة لافتة في كلفة الحرب الحديثة تقلق الميزان العسكري التقليدي. فثمن الطائرة المسيّرة الإيرانية لا يتجاوز في كثير من الحالات نحو 35 ألف دولار، بينما قد تصل كلفة الصاروخ الاعتراضي الأمريكي المستخدم لإسقاطها إلى ربع مليون دولار أو أكثر. هذه الفجوة تجعل الحرب الاستنزافية طويلة الأمد مكلفة جداً للطرف الذي يستخدم أنظمة باهظة الثمن لمواجهة أسلحة منخفضة التكلفة، ما دفع التقديرات إلى الحديث عن إنفاق أمريكي قد يقترب من مليار دولار يومياً أو أكثر مقابل خسائر إيرانية أقل من 100 مليون دولار.
سادساً: في سيناريوهات وقف إطلاق النار، قد يسعى الرئيس الأمريكي إلى إعلان تحقيق أهدافه، حتى لو لم تتضمن النتائج تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل أو إنهاء قدرات إنتاج الصواريخ الباليستية، فضلاً عن استمرار النفوذ الإيراني الإقليمي عبر شبكات حلفاء فيلق القدس. في المقابل، قد ترفض إيران قبول وقف إطلاق النار وتواصل الضغط على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط أو استهداف إسرائيل. إن صعوبة قبول واشنطن لهزيمة واضحة قد تدفعها إلى تصعيد عسكري واسع عبر استخدام تقنيات متقدمة مثل الأنظمة المدعومة بالذكاء الصناعي أو الأسلحة الكهرومغناطيسية لتعطيل البنى الإلكترونية، ومنها شبكات الكهرباء والماء، إضافة إلى قنابل الأعماق لتدمير المنشآت النووية تحت الأرض.
وقد تمتد الضربات إلى مواقع مرتبطة بأذرع إيران في العراق أو المنطقة في محاولة لفرض (معادلة ردع) واسعة قبل إعلان انتهاء العمليات العسكرية. هنا تبرز احتمالات تدخل روسيا والصين لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات النووية ضمن توازنات دولية جديدة تشارك فيها موسكو وبكين بفاعلية أكبر.. مقابل تنازلات أمريكية غير مسبوقة!!!
سابعاً: عربياً قد يعود إلى الواجهة قول الرئيس المصري الراحل حسني مبارك: ((المتغطي بأمريكا عريان))، في التحذير من الاعتماد المطلق على قوة خارجية دون استراتيجية توازن محلية. هذا قد يدفع دول الخليج العربي إلى البحث عن بدائل دولية وتعزيز شراكات مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.. بهدف خلق توازنات أمنية واستراتيجية أكثر استقراراً في المنطقة، وهو مؤشر على تكرار (شبح فيتنام) بنموذج خليجي يختلف في الأنماط ولكنه يتفق في قراءة الهزيمة الاستراتيجية.
ثامناً: في أي سيناريوهات عراقية متوقعة، قد تصبح نتائج هذه الحرب فرصة استراتيجية لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية مع احتمالات مفتوحة أن تتحول إلى صراع دموي واسع يفرض سلطة طرف واحد على كل فرقاء العملية السياسية. في حالة الحل السلمي، يرجح أن يدفع الضغط العسكري والسياسي الأحزاب والقوى السياسية إلى إعادة ترتيب التحالفات والتفاوض حول توزيع المناصب بنموذج جديد. كما قد تجبر الضغوط بعض الفصائل الموالية لإيران على التكيف مع قواعد جديدة أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة الرسمية. من جهة أخرى قد تستفيد روسيا والصين من الحرب للضغط على العراق لإشراكهما ضمن صفقات اقتصادية وأمنية تضمن لهما نفوذاً مباشراً.
على خط موازٍ، قد تعيد الحرب رسم خطوط النفوذ الإقليمي داخل العراق وتحدد مناطق نفوذ أمريكية في كردستان وإيرانية في الوسط والجنوب، مع خلق مناطق توافقية في العاصمة بغداد، في تطبيق جديد لـ "الصوملة" بعد الحرب الأهلية الصومالية. النتيجة المحتملة أن يتحول العراق من مجرد ساحة صراع مفتوحة إلى دويلات لكل منها سيطرة مركزية جزئياً، تحت عنوان عريض للسلطة الاتحادية الفاقدة للقدرة على فرض سيادة القانون وحصر السلاح بيدها!!!
وفق ما تقدم يلوح ((شبح فيتنام)) في أفق هذه الحرب، غير أن العناد السياسي عند الرئيس ترامب في إدارة الصراع مع ايران قد يجعل كلفة إيقافها أعلى بكثير مما جاء في خطاب للمرشد الإيراني الأعلى الجديد، وربما يكون أكبر مما يتوقعه الجميع... يبقى من القول: لله في خلقه شؤون.!!



اضف تعليق